عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوري

حيثيات التوسعة
التعثر والتدخلات
ماذا بعد التوسعة؟

كان المأمول من تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في الحادي عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، هو أن يمثّل أوسع طيف ممكن من المعارضة السورية، وأن يشكل مظلة سياسية للثورة، وداعماً حقيقياً لها، ويتجاوز خلافات المعارضة فيما بينها على المستوى الأيديولوجي والسياسي وعدم جعلها معوقًا، أو مانعًا أمام توحيد وتنسيق الجهود من أجل إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد. والأهم هو أن يؤثر في موازين القوى، بما يعطي دفعة قوية لحراك الناس على الأرض، ويقدم رؤية إستراتيجية للمرحلة الانتقالية في سوريا، بما يطمئن السوريين، بمختلف أطيافهم وحساسياتهم، والإجابة على مخاوفهم وهواجسهم من المستقبل في مرحلة ما بعد الأسد.

حيثيات التوسعة
وبالنظر إلى أن تشكيل الائتلاف، جاء على خلفية إخفاق المجلس الوطني السوري في توسع تمثيله، وعدم الارتقاء بأدائه إلى مصاف قيادة الثورة وتوجيهها وتصحيح مساراتها، إلا أن الأمر انتهى إلى تشكيل صورة مشابهة له، بل واستنساخه تقريباً، والذهاب في القول إلى أن المجلس بات يسيطر على الائتلاف، من خلال القوى والكتل الموجودة فيه، والمتمثلة بجماعة الإخوان المسلمين، وبكتلة العمل الوطني، والكتلة الوطنية، وكتلة أمينه العام، وإعلان دمشق، فيما بقيت الشخصيات المستقلة من دون تأثير. إضافة إلى أن الائتلاف عجز عن تشكيل مؤسسة فاعلة، وتميز بضعف أداء الشخصيات الليبرالية والديمقراطية فيه، وارتجالية مواقف العديد منهم، وفردانية السلوك والتصرفات.

كان منطق ممانعي التوسعة ينهض على مقولة أن هنالك مجموعة تريد أن تأخذ حصة في الائتلاف وتتقاسم "كعكته" معهم، وأنها تريد أن تخلّ بالتوازنات داخله، وتذهب به إلى جنيف -2

ويعود ذلك إلى عدم تمكن الائتلاف من تقديم كيان سياسي مختلف عن المجلس، في تركيبته وفي عمله، حيث إن الدعوة، التي نهضت عليها المبادرة لتشكيل الائتلاف، كانت على أساس شخصي، حيث دُعيت شخصية واحدة من كل مكون سياسي، وممثل عن كل محافظات سوريا من الداخل، ومستقلون، الأمر الذي نتج عنه تغلغل وهيمنة جملة الشخصيات ذات الانتماء الحزبي القوي، أو تلك التي شكلت كتلاً فاعلة، وتمتلك تمويلاً من جهة خارجية، وبالتالي تمكن هؤلاء من السيطرة على الائتلاف بطرق شتى، وراحوا يفرضون ما يرونه عليه.

ولعل الطريقة، التي لجأت إليها الكتل المؤثرة في الائتلاف، لاختيار وانتخاب رئيس الحكومة المؤقتة، غسان هيتو، في 18 مارس/آذار 2013، عبرت عن لحظة جامعة لطريقة عمل الائتلاف، وأثارت ردود فعل غاضبة واستنكار عدد من القوى والشخصيات السورية، داخل الائتلاف وخارجه، واعتبرتها دليلاً واضحاً على سياسة الفرض والانفراد في القرارات. وعلى إثر ذلك، قدم بعض أعضاء الائتلاف استقالاتهم، فيما جمّد آخرون عضويتهم، ونشأت على هذه الخلفية مطالبات بتوسيع الائتلاف، بغية التخلص من تأثير الكتل المهيمنة عليه.

ومع ارتفاع الأصوات المطالبة بتوسيع الائتلاف، قدمت بعض الشخصيات السورية، الليبرالية والديمقراطية، قائمة، تتضمن 25 اسماً مرشحاً لعضوية الائتلاف، عرفت باسم القائمة الديمقراطية، وقدمتها بعض وسائل الإعلام باسم قائمة ميشيل كيلو.

وحين عقدت أكثر من مائتي شخصية سورية لقاء تشاورياً بالقاهرة في 12 و13 مايو/أيار الماضي، أسفر اللقاء عن تشكيل "اتحاد الديمقراطيين السوريين"، بوصفه الإطار الجامع لطيف واسع من القوى والهيئات والشخصيات الديمقراطية السورية، خارج الائتلاف الوطني، وتشكل منه وفد راح يفاوض ممثلي الكتل الرئيسية في الائتلاف.

وجرت لقاءات ومشاورات بين الهيئة السياسية للائتلاف ومحاورين من اتحاد الديمقراطيين، أثمرت عن تفاهم بين الطرفين، يقضي بضم 18 مرشحاً جديداً لعضوية الائتلاف، لكن عندما عقد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية اجتماعاً للهيئة العامة له في 22 مايو/أيار المنصرم، فإن مفاوضات التوسعة تعثرت كثيراً، وبدلاً من أن تنتهي الاجتماعات في 25 مايو/ أيار، امتدت إلى نهاية الشهر، أي استغرقت تسعة أيام كاملة من الشدّ والجذب والتسويف والتدخلات.

التعثر والتدخلات
كان منطق ممانعي التوسعة ينهض على مقولة أن هنالك مجموعة تريد أن تأخذ حصة في الائتلاف وتتقاسم "كعكته" معهم، وأنها تريد أن تخلّ بالتوازنات داخله، وتذهب به إلى جنيف -2، الأمر الذي رفضته في البداية، ووضعت أمامها عراقيل كثيرة.

في المقابل، يرى ممثلو الاتحاد الديمقراطي أو الكتلة الديمقراطية أن توسيع الائتلاف، يعني تحقيق التوازن في التمثيل، ولا يعني زيادة عدد الليبراليين أو الديمقراطيين أو زيادة حصصهم فيه، حسبما يرّوج بعضهم، بل يعني زيادة تمثيل مختلف القوى السياسية والمكونات والأطياف السورية، إضافة إلى تمثيل قوى الحراك والمكون العسكري، بما يعني إعادة رسم خارطة الائتلاف السياسية، لمواجهة الاستحقاقات القادمة، على أساس التمثيل المتوازان والبرامج والأطروحات، وبما يعطيه قوة أمام قوى الداخل السوري والخارج الدولي، خاصة وأن الائتلاف بتوسعته، سوف يحظى بحصة أوسع في التمثيل أمام أطراف مؤتمر جنيف -2.

ونظراً لأن موضوع التوسعة يلقى دعماً من طرف الدول الداعمة للائتلاف، وله أهمية قصوى على الصعيد الرسمي العربي والدولي، إضافة للداخل السوري، فإن تعثر مفاوضات التوسعة استدعت تدخل هذه الدول، التي كانت تتابع المفاوضات بشكل لصيق وحثيث، لحظة بلحظة، حيث كان عدد من الدبلوماسيين العرب والأجانب يواكبون المفاوضات ليلاً ونهاراً. وكانوا يحضرون كافة جلسات التفاوض بين الطرفين.

يرى ممثلو الاتحاد الديمقراطي أو الكتلة الديمقراطية أن توسيع الائتلاف يعني تحقيق التوازن في التمثيل، ولا يعني زيادة عدد الليبراليين أو الديمقراطيين أو زيادة حصصهم فيه، حسبما يرّوج بعضهم

وقد أسهم ذلك في تقريب وجهات النظر، والتوصل لاتفاق التوسعة، الذي أفضى إلى الإقرار بضم 51 عضواً جديداً إلى الائتلاف، 22 منهم كانوا ضمن قائمة اتفق عليها بين مختلف الكتل، و14 عضواً يمثلون الحراك الثوري في الداخل السوري، و15 آخرين، يمثلون المكون العسكري، وتختارهم الهيئة المشتركة لقيادة الجيش السوري الحرّ بالتنسيق مع الائتلاف، وبالتالي ازداد أعضاء الائتلاف من 63 إلى 114 عضواً.

ماذا بعد التوسعة؟
لعل السؤال الذي يطرح نفسه، يطاول مرحلة ما بعد التوسعة وتحدياتها، إذ أن استحقاقات عديدة تنتظر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السياسية، تتمثل في إجراء انتخابات رئاسية، تعكس التنوع الجديد وموازين القوى الجديدة، واستحقاقات الموقف من مؤتمر جنيف -2، وهو استحقاق يتوقف عليه تقديم دعم أكبر للائتلاف والثورة السورية، خاصة بعد أن أعلنت دول الاتحاد الأوروبي رفع الحظر على توريد الأسلحة للمعارضة السورية.

ولا شك في أن تحرك الائتلاف على مختلف المستويات سيكون أقوى، مدعوماً باتحاد الديمقراطيين السوريين وقوى الحراك الثوري في الداخل، والمكون العسكري، ممثلاً بالجيش الحر، وبالتالي سيضعف موقف روسيا وتوابعها، التي تضع حجة عدم توحد المعارضة وخلافاتها حجر عثرة أمام الوصول إلى الغاية من جنيف -2، المتمثلة بالخلاص من نظام بشار الأسد، ووقف معاناة السوريين.

ولعل وحدة صوت المعارضة السورية، وذهابها إلى المؤتمر الدولي برؤى واضحة ومحددة، يشكلان ضربة قوية للنظام السوري ولأصدقاء بشار الأسد، فالنظام، بالرغم من إعلانه المبدئي المشاركة في جنيف -2، إلا أنه سيحاول بإسناد من روسيا وإيران عرقلة المؤتمر، وتفريغه من محتواه، بل وتحويل المؤتمر إلى مجرد لقاء بروتوكولي، دون تمكينه من تحقيق أهدافه.

ولعل الأهم هو أن يتمكن الائتلاف من تحقيق تغيير في موازين القوى على الأرض، من خلال توفير الدعم العسكري للجيش الحر، وتوفير ممكنات الصمود للناس في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وبناء علاقات قوية بين الائتلاف الجديد وقوى الداخل، كالمجالس المدنية والجيش الحر ومجاميع المقاومة المسلحة، واتباع أسلوب تمويل محدد لهذه القوى وفق آلية شفافة، معروفة وممأسسة وتوصيل المال والمعدات اللازمة إليها. علاوة على تأمين احتياجات الناس في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، من مواد معيشية واحتياجات ضرورية، وتوفير الأمن لهم وسبل عيشهم الكريم.

كل هذه الإجراءات ستعطي الائتلاف سلطة على القوى الثورية داخل سوريا، فيتمكن من توجيهها حسب إستراتيجيته والتحكم فيها، والعمل معاً من أجل إسقاط النظام، وتحقيق طموحات وتطلعات الشعب السوري في بناء سوريا جديدة، حرة وديمقراطية وتعددية مدينة.

ولا شك في أن تأمين الدعم الدولي والإقليمي والعربي، سيؤثر في قدرة الجيش الحر والمجموعات الأخرى على تحقيق تقدم على الأرض، وتحويلها إلى مناطق محمية من هجمات القوات النظامية، ومن ثم تمكين قوات الجيش الحر من تنظيم نفسها والاستعداد لمواجهة النظام، والعمل على وقف نزيف الدم المستمر منذ أكثر من أربعة وعشرين شهراً.

المطلوب هو تفادي أسباب فشل تشكيلات المعارضة السياسية، وخاصة حالة العطالة السياسية، الموروثة من عقود انتفاء السياسة ومصادرتها في سوريا، والتي طبعت العمل السياسي المعارض بطابع من الهامشية

والناظر في خارطة القوى والشخصيات المشاركة في الائتلاف بعد توسعته، يجد أنها شاملة لمختلف القوى الفاعلة في الثورة السورية، وهو أمر لم يتحقق من قبل في أي تشكيل سياسي للثورة السورية، والأهم هو أن يصل إلى قيادة الائتلاف أشخاص أنتجتهم الثورة في الداخل السوري، وساهموا في حراكها على الأرض.

ويبقى أن المطلوب هو تفادي أسباب فشل تشكيلات المعارضة السياسية، وخاصة حالة العطالة السياسية، الموروثة من عقود انتفاء السياسة ومصادرتها في سوريا، والتي طبعت العمل السياسي المعارض بطابع من الهامشية، لكن الأمر يتعدى ذلك إلى عدم اتباع مسلك يشوّه الفعل السياسي، بوصفه ممارسة تهدف إلى تغيير الواقع، وليس موقفاً أخلاقياً أو مبدئياً فقط، الأمر الذي يفسر تعلق بعض المعارضين وتركيزهم على المواقف المبدئية فقط، مع غياب مقتضيات العمل السياسي المؤسسي.

يُضاف إلى ذلك ضرورة وضع برامج تغيير واضحة لدى قيادة الائتلاف، وتفادي النواقص والعيوب التي تعتري العمل السياسي السوري المعارض، والتمحور حول هدف دعم الثورة وناسها، وعدم التغاضي عن نقد الأخطاء، بل السعي إلى تخليص الثورة قدر المستطاع من منزلقات التعثر، وإلى تقويم مساراتها وإبعادها عن مندرجات التطرف والتعصب، التي باتت مؤثرة في بعض المواضع، خاصة وأن المجتمع السوري بحاجة إلى عودة السياسة المسلوبة منه، في هذه المرحلة الصعبة والحساسة من تاريخ سوريا، التي تشهد ازدياد خطر ارتداد المزيد من الناس إلى مختلف الولاءات ما قبل المدنية، من إثنية وعشائرية وطائفية ومذهبية، وتزايد خطر التطرف والتعصب.

المصدر : الجزيرة

التعليقات