زكي بني ارشيد

زكي بني ارشيد

الأمين العام السابق لجبهة العمل الإسلامي في الأردن



ربما حسب النظام الأردني أنه خرج من عنق الزجاجة وأنه نجا من استحقاق عملية الإصلاح التي اجتاحت المنطقة العربية كقدر محتوم لا مفر منه إلا بهيكلة جديدة للإدارة السياسية، والتي يجري بموجبها الاعتراف الرسمي بحضور ومشاركة الإرادة الشعبية لصياغة الحاضر وصنع المستقبل.

هذه نظرية لم يستوعبها صنّاع القرار في الأردن بعد أن التزموا بمقتضيات الاتفاقية الأردنية الأميركية الموقعة في شهر أبريل/نيسان قبل الماضي، وحصلوا على مباركة الإدارة الأميركية المتأثرة بتوجهات اللوبي الصهيوني "الأيباك" للخطوات الانتقالية الإجرائية الأردنية والتي تمثلت بإجراء الانتخابات النيابية مطلع العام الحالي 2013 وتغيير أشكال المشهد السياسي وإعادة إنتاج وتدوير شخوص المراحل السابقة.

وعادة ما يقوم الملك بتغيير رئيس الحكومة، التي لا تحكم بل تنفذ سياسات الحكم، والحكومة الحالية تحمل الرقم 100، ويقوم بتغيير مدير جهاز المخابرات والأمن العام والدرك وكأن المعضلة في الأشخاص لا في السياسات.. إنها مراوغة لن تحل المشكلة ما لم تصل الإصلاحات إلى مبتغاها في إرساء قواعد التغيير الحقيقي التي تُؤمّن التلازم بين السلطة والمسؤولية وتعيد الصلاحيات إلى الشعب الذي هو بالأساس مصدر السلطات والشرعيات.

طرح الملك بداية العام الحالي في الإعلام جملة من المبادرات والأوراق التي تتضمن توجهات ونوايا إصلاحية ووعودا بممارسة التحول الديمقراطي وإنتاج حكومة الأغلبية البرلمانية والتأسيس لمرحلة التداول السلمي للسلطة، وكان آخرها قبل أسبوع وتحت عنوان التمكين الديمقراطي, وظن النظام وأدواته وصناع القرار لديه أنه تمكن من امتصاص الغضب الشعبي المتفاقم، واستعاد الثقة بمؤسسات الدولة، وأنه -أي النظام- مؤهل لاستكمال الدور الوظيفي وإتمام هيكلة الاقتصاد والاستجابة لشروط مؤسسات النقد الدولية ورفع أسعار الطاقة وفاتورة الكهرباء.

لم يعد خافيا أن اللاعبين والمتنفذين نجحوا مرحليا في توظيف الفوبيا السورية ومخرجاتها الخطرة، واستطاعوا بمهارة السحرة تخويف الشعب الأردني من انتقال شرارة العنف والانفلات إلى الأردن

ولم يعد خافيا أن اللاعبين والمتنفذين نجحوا مرحليا في توظيف الفوبيا السورية ومخرجاتها الخطرة، واستطاعوا بمهارة السحرة تخويف الشعب الأردني من انتقال شرارة العنف والانفلات إلى الأردن، الأمر الذي يفسر حالة الخمول الشعبي وضعف التفاعل النسبي مع حركات الإصلاح الوطني. بهذا التصور السطحي وقع النظام بذات الخطأ الذي ارتكبته الأنظمة التي داهمتها سنة التغيير عندما أصيبت ببلادة الإحساس وسوء التقدير وعسر الفهم أو التأخر في إدراك الأزمة والعجز عن المبادرة في إيجاد الحل وقبل فوات الأوان، وكانت العبارة التي تكررت من الزعماء السابقين أو المخلوعين هي" الآن فهمتكم".

ويبقى السؤال برسم الإجابة هل يمكن أن يشكّل هذا التشخيص حالة استرخاء واطمئنان لنظام يجلس على صفيح ساخن وصيف لاهب، ومحاط من كل الجهات بحزام ناري مشتعل ومتطور، ولا تستطيع أية جهة أن تتنبأ أو تتحكم بمخرجاته أو نتائجه؟

مع تجاهل العامل الإقليمي الضاغط بقوة على عصب التأثير من هذه القراءة, فعلى الصعيد المحلي انحدرت هيبة الحكومة والأجهزة الأمنية إلى حالة يرثى لها بعد أن ظهر الصراع الحاد بين مراكز القوى في الدولة الأردنية، وتجلى ظهوره وامتداداته في التناقضات الشديدة والتنازع العنيف بين النواب الذين يمثلون صدًى لتلك المراكز تحت القبة التي تحولت إلى حلبة مصارعة وصلت إلى حد تقاذف الشتائم وعلب المياه والاشتباك بالأيدي وإشهار السلاح.

إلى ذلك ثمة حراك ومطالبات وسقوف وبيئة سياسية فرضت نفسها على الجميع، لم تستأذن أحدا في الدخول إلى الوجدان الوطني الأردني، وأنتجت ثقافة إصلاحية جديدة لم يعهدها الأردن من قبل، وأصبحت بموجبها إعادة التوزيع والتوازان بين السلطات نشيدا وطنيا يردده الجميع ويتغنى به النظام والمعارضة والموالاة، وأصبحت المطالبات بتعديل المواد الدستورية المتعلقة بتغيير نهج الحكم هي السمة الأبرز والمطلب الأساس، بعد أن أصبحت لعبة استبدال الأشخاص بآخرين كانوا سبب الأزمة وجزءًا من حالة الفساد، أصبحت لعبةً ممجوجة وليست مسلّية، وليست إلاّ تعبيراً عن حالة البؤس وعدم القدرة على إدراك المعطى الجديد المرافق لجميع عمليات التحول الاجتماعي والسياسي.

لقد مرّ الأردن في الأشهر الأخيرة بأحداث غير مسبوقة، ارتفع فيها سقف المطالبات والانتقادات لتطال النظام نفسه باعتباره مسؤولا عن كل ما جرى, وحتى اللحظة لا تغييرات حقيقية في نهج الحكم، بل تجميلات في صورة النظام في واقع يموج بالتغيير.

إن النظام الأردني يصل مع كل خطوة يقوم بها إلى مأزق سياسي يمكن أن نلحظه في المظاهر التالية، والتي يمكن أن تسمّى بـ"روافع الإصلاح في الأردن":

أولا: تراجع الثقة بمؤسسة العرش
بسبب الانسحاب من العقد القائم على ركائز ودعائم إنشاء الدولة الأردنية، وفي مقدمة هذه الركائز مكانة العائلة الحاكمة ونسبها، حيث تم تقديم الهوية "النيوليبرالية" للدولة الأردنية والتقارب مع التيارات العلمانية واليسارية التي أصبحت تطمح وتعرض تحالفاً مع النظام لمواجهة الحضور السياسي للحركات الإسلامية المعتدلة والتي عبر عنها الملك بـ"الهلال الإخواني".

أصبحت لعبة استبدال الأشخاص بآخرين كانوا سبب الأزمة وجزءًا من حالة الفساد، لعبةً ممجوجة وليست مسلّية وليست إلاّ تعبيراً عن حالة البؤس وعدم القدرة على إدراك المعطى الجديد

وقد تزامنت هذه الهوية الجديدة المتناقضة مع قيم النسب وثقافة المجتمع مع تراكم النحت المستمر والسحب الدائم من الرصيد الذي قام على أساسه نظام الحكم، حيث تأسس الأردن وتطور على عقد يضمن حكما نيابيا ملكيا، وانتهى بحكم ملكي مطلق وحصانة شخصية أعلى من الدستور وتآكلٍ لدور ومكانة المجلس النيابي الذي بات عاجزا عن ممارسة أدواره الدستورية في الرقابة أو التشريع.

فمشاريع القوانين تقدمها وتصوغها السلطة التنفيذية وتعديلات المجلس على التشريعات تخضع لإرادة المجلس الثاني المعيّن من الملك (مجلس الأعيان)، ونتائج التشريع مرهونة بتوقيع الملك، فضلا عن صلاحيات الملك في حل المجلس والدعوة لانعقاده أو فض جلساته أو تأجيل انتخابه أصلاً، والتفصيلات يعلمها الجميع, مما يعني أن النظام يسير بقدم واحدة مثل البطة العرجاء.

إلى ذلك فقد تراجعت الدولة عن دورها الأبوي والرعوي بعد أن وصلت الأزمة المالية والاقتصادية بسبب فساد وفشل الإدارة إلى حالة العجز عن تلبية مطالب الروافع المجتمعية ودوائر الاحتضان الشعبي, الأمر الذي يفسر تحول بعض المكونات من حالة الولاء المطلق إلى حالة المعارضة الشرسة.

وحرصت الإدارة الرسمية خلال العقود الماضية وعبر قنواتها الأمنية على تقريب الموالين لها، وضرب معارضيها وتغذية الانقسام الأفقي في المجتمع، وبرزت أخيرا هذه النزعة الخطرة بشكل واضح، وأدّت إلى عجز أو فشل احتواء ظاهرة العنف المجتمعي التي انتقلت من الشارع إلى الجامعة ومجلس النواب وبكل الاتجاهات.

إضافة إلى المغامرات المالية والاقتصادية التي أرهقت الميزانية وعمقت الفجوة بين أفراد المجتمع، وأهملت الأطراف في عملية التنمية، حتى شعر المواطنون بتخلي النظام عنهم لصالح زمرة من المتنفذين حول الملك، والذين ما لبثت خلافات الزمرة إياها حول الصلاحيات والمكاسب الممنوحة لهم تتكشف، فيزداد الاحتقان الشعبي يوما بعد يوم.

ولعل الاعتبارات المتعلقة بالشرعية التاريخية والاجتماعية للنظام وعدم قيامه بإراقة الدماء هي التي حكمت سقف مطالب القوى الشعبية الرئيسة بإصلاح النظام.. ولم يكرروا شعارات استخدمت في دول أخرى... ولكن هل هذا النسق ثابت أو قادر على ضبط الإيقاع الجماهيري؟ أم أنه سيعيد إنتاج المفاجآت التي تكررت في دول التغيير العربي؟ وهذا أيضا سؤال برسم الإجابة.

ثانيا: سجال الهويات والتكوينات الديموغرافية

مرت العلاقة بين مكوني الشعب بفترات من الصراع الخفي، بفعل سياسات النظام الذي استفاد من هذا الواقع في تثبيت دعائم حكمه عبر توجيه كل من المكونين إلى مسارات يرغبها النظام... وجاءت "وادي عربة" وقبلها قرار فك الارتباط لتدخل العلاقة في طور جديد عنوانه "الأردن أولا".

كان الهدف من طرح هذا المضمون وبالاتفاق مع ممثلي الشعب الفلسطيني كشف النضال الفلسطيني والتنصل من استحقاق حماية الحقوق الوطنية للاجئين الفلسطينيين في الأردن، والتخلي عن المسؤولية القانونية والأخلاقية عن القضية باعتبارها شأنا فلسطينياً داخلياً يخص منظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية، الأمر الذي ساهم في إحباط الانتفاضة الأولى والتمهيد "لاتفاقية أوسلو" ثم "وادي عربة".

مر الأردن في الأشهر الأخيرة بأحداث غير مسبوقة ارتفع فيها سقف المطالبات والانتقادات لتطال النظام نفسه باعتباره مسؤولا عن كل ما جرى, وحتى اللحظة لا تغييرات حقيقية في نهج الحكم، بل تجميلات في صورة النظام في واقع يموج بالتغيير

وهكذا فقد شهدنا تنافسا أردنيا فلسطينيا في تقديم التنازلات للكيان الصهيوني, يومها حسمت الأكثرية من فلسطيني الأردن وجهتهم نحو الحركة الإسلامية، باعتبارها الضمير المعبر عن التمسك بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني, والمحافظة في نفس الوقت على المصالح والخصوصية الأردنية.

ومع هبوب نسائم الربيع العربي وفشل مشروع التسوية مع العدو الصهيوني، وتهديدات العدو بالوطن البديل على ثرى الأردن.. حاولت أطراف متنفذة في الدولة إثارة الهواجس في العلاقة بين مكونات الشعب، ولكنها ما لبثت أن فشلت بفعل عقلانية ومسؤولية قوى المعارضة في التصدي لهذا الخطر.

لقد بدا واضحا أن مخاوف مكوني الشعب أصبحت تتلاشى تدريجيا، وأصبح تعريف المواطنة والهوية واضحا في الوجدان الوطني ومجسدا على الأرض ومقبولا لدى معظم الأطراف المطالبة بالإصلاح، وهو ما رأيناه بشكل فاعل في حراك المحافظات إضافة إلى حراك المركز, بل متقدما على قدرة النخب الثقافية والفكرية والسياسية في التعبير عن هذه المعاني وتوظيفها في إدارة الصراع مع المشروع الصهيوني.

ثالثا: بروز العامل الاقتصادي
عمقت الأزمة الاقتصادية الناشئة عن فشل السياسات التي أدارت الدولة الهوة بين الحكومة والشارع، إضافة إلى قضايا الفساد التي أصبحت الشرارة المحركة للشارع من حين لآخر، حيث يعاني الأردن من مديونية تتفاقم بشكل مضطرد، وتراجع ملحوظ في الميزان التجاري في دولة تعتمد في ميزانيتها بأكثر من 50% على الخارج ما بين تحويلات المغتربين الأردنيين ومساعدات أجنبية (أميركية وخليجية).

فشل النظام في تحقيق مقاربة اقتصادية بأجندات وطنية تنقذ البلاد من الواقع الاقتصادي المتدهور وقضايا الفساد التي أصبحت تطال النظام نفسه، وخاصة بعد استمرار نهج الفساد وتأمين الرعاية والحصانة لرموزه بدلا من محاسبتهم أو استرداد المقدَرات المنهوبة، ساهم وبشكل فاعل بازدياد الهواجس حول صدقية النظام في الإصلاح، وسط تراجع وتآكل لمدخولات المواطنين بفعل التضخم في الأسعار.

رابعا: حراك العشائر الأطراف
بنت الدولة علاقتها مع الأطراف، وخاصة العشائر، على قاعدة تقديمها في الوظائف العامة، ومكتسبات اجتماعية وتعليمية وصحية, ولكن مع ازدياد الأعداد وتغير نمط الحياة المدنية للناس وظهور الفساد، وفشل الدولة في تحقيق العدل والتوازن وأسس الدولة المدنية، وتركيز الدولة على العاصمة عمّان في التنمية والخدمات، يضاف إلى ذلك ارتفاع نسب البطالة وتآكل الدخول للموطنين في الأطراف والأرياف؛ أسهم في تأجيج الشارع ضد النظام الذي فشل باحتواء الأزمات المتلاحقة، خاصة في تعاملها مع الشباب الذين لم تزدهم المعالجة الأمنية إلا تمسكا بمواقفهم وارتفاعا في حدة خطابهم.

إن ارتفاع سقف المطالبات العشائرية التي باتت تؤطر وتنسق جهودها يؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ الحركة الشعبية الأردنية لتحقيق الإصلاح السياسي المنشود.

خامسا: الحد من تغول جهاز المخابرات
لطالما اعتبر جهاز المخابرات القوة الضاربة للنظام ضد معارضيه، حتى بات أبناء الأردن يدركون أن رسم السياسات المحلية -بل تنفيذها أحيانا- يتم بإشراف الجهاز، فهو يسيطر على مفاصل الدولة الأمنية والتنفيذية والتعليمية، بل حتى القضائية. ومع وقوع الجهاز في فخ تأليب مكونات الشعب على بعضهم البعض، وتجاوزه لصلاحياته الدستورية في الهيمنة على الحياة العامة، وقيامه بالتزوير المباشر وغير المباشر للانتخابات، وأخيرا رعايته لظاهرة البلطجية ممن يهاجمون حراك الشباب.

كل ذلك ساهم في سقوط سطوته الأمنية حتى كثر انتقاده والمطالبة بحله أو إعادة هيكلته وتحديد صلاحياته وحصر مهامه بمهنية واحتراف لحفظ الأمن القومي الأردني في مواجهة المخاطر والتهديدات الخارجية, وأصبحت المطالبة بكف يد الجهاز عن التدخل في مفاصل الدولة المدنية والسياسية مطلبا وطنيا متقدما وملحا.

سادسا: قوة الإسلاميين
يدرك النظام قوة الإسلاميين وأثرهم في الشارع، وهو ما يدعوه دوما لأخذهم في الحسبان عند قيامه بأي خطوة، بل واستخدام نفوذهم القوي كفزاعة لأطراف مطالبة بالإصلاح من مغبة تغول الإسلاميين على المشهد، في حال جرت انتخابات أو إصلاحات.

في المقابل تبدو الحركة الإسلامية أكثر توازنا وانتظاما في أدائها مع الشارع الأردني ومن النظام السياسي، فثبات موقفها السياسي المعارض والمقاطع للانتخابات النيابية والبلدية والمُلبي لتطلعات القوى الإصلاحية والشباب المتحرك بحماسة ملحوظة رغم العروض المغرية إلى درجة الغواية السياسية, وانفتاحها على القيادات الوطنية والعشائرية والحراك الشبابي، تعبير موفق عن مقاربتها التي تسعى من خلالها إلى التأثير في المشهد دون الانفراد في قيادته.

سلطات الملك في التعيين والحل والإقالة لم تُمس، وهذا بحد ذاته يعتبر انتكاسة لأي جهد إصلاحي، حيث يطالب الشارع بتوزيع السلطات وعدم احتكارها في يد واحدة

إن مبادرة التمكين الديمقراطي التي أطلقها الملك قبل أيام والتغييرات الشكلية التي أجراها مؤخرا لا توحي بأي حال من الأحوال بوجود نية حقيقية للإصلاح، إذ إنه وبالتزامن أقدمت الحكومة على حجب مئات المواقع الإلكترونية وتطور الوضع الميداني في مدينة معان جنوب الأردن إلى درجة إعلان العصيان المدني بعد أحداث دامية ذهب ضحيتها مجموعة من المواطنين قتلوا ميدانيا بحجة إنهم مطلوبون أمنيا أو جنائيا، فهل هذه المسارات كفيلة بإقناع الناس بدولة القانون والمؤسسات والتمكين الديمقراطي؟ ومحاربة الفساد؟... إنها مهمات صعبة في بنية النظام.

في عصر يموج بالتغيير فإن التعديلات الدستورية التي أجريت أخيرا لا يمكن بأي حال أن تكون ملبية لمطالب الإصلاح، لأنها لم تحدث التغيير الكفيل بالتحول الديمقراطي قبل التمكين له, كما أن سلطات الملك في التعيين والحل والإقالة لم تمس، وهذا بحد ذاته يعتبر انتكاسة لأي جهد إصلاحي، حيث يطالب الشارع بتوزيع السلطات وعدم احتكارها في يد واحدة.

وختاما فإن السؤال برسم الإجابة: هل الاستعانة بالغطاء الأميركي والركون إلى تقديرات حالمة وعابثة والتسليم لحالة الهدوء أو الخمول النسبي لحراك الشارع، كفيل باستمرار العناد الرسمي وإدارة الظهر للمطالب الوطنية؟

وعلى افتراض أن النظام خارج مرمى الخطر، وأنه يتمتع بقدر مريح من الرسوخ، أليس من مصلحته زيادة نسبة الاستقرار وتوسيع دائرة الشرعية والبحث عن المحاضن الوطنية الدافئة واستكمال روافع البقاء؟ ألا يمكن التوفيق بين الدعم الخارجي غير المضمون والسند الداخلي وهو الأبقى والأصلح؟ أليس في التجارب السياسية الناجحة القريبة منا مثالا قابلا للاستفادة ولا أقول الاستنساخ؟

أليس في مقاربة المغرب ذات التشابه التكويني في العديد من المواصفات أنموذجا مناسبا لنا؟ ألا يجدر بنا أن ندقق في التجربة التركية التي حققت لشعبها ما عجزت عن تحقيقه دول عظمى ولكنها اضطرت للاعتذار والحوار والتفاهم مع خصوم سياسيين وعلى خلفية متعلقة بالبيئة؟ نعم إنها أسئلة في الفضاء الأردني برسم الإجابة فهل من مجيب؟ وقبل أن تقع الفأس في الرأس.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك