باسم الطويسي

باسم الطويسي

مفاهيم ومؤشرات أساسية
التحولات وصناعة العشيرة الطلابية
الأزمة من الداخل

شهدت ظاهرة العنف الطلابي في الجامعات الأردنية هذا العام تصاعدا كميا وكيفيا غير مسبوق بات يهز أركان المجتمع والدولة معا، ويشكل صدمة للنظام التعليمي والنظام الاجتماعي أيضا، إذ وصلت موجات العنف الطلابي إلى ذروتها الأسبوع الماضي بسقوط أربع ضحايا في جامعة الحسين بن طلال في جنوب البلاد، وقبل ذلك بأيام قليلة قتل طالب في موجة عنف في جامعة مؤتة، وسبق ذلك مقتل طالب آخر في موجة عنف مماثلة شهدتها جامعة البلقاء.

ظاهرة العنف الطلابي في الجامعات الأردنية، التي طالما وصفت بأنها تقدم واحدا من أفضل نظم التعليم العالي في العالم العربي, ترتبط بأسباب وخلفيات اجتماعية وسياسية واقتصادية تراكمية, تدور حول الأزمة العامة التي تعاني منها الدولة الأردنية, والتي تنعكس في مختلف نواحي الحياة العامة, والتي تتمثل في نتائج وحصاد التحولات السياسية والاقتصادية المتعثرة أحيانا، وغير المكتملة أو المفرغة من مضامينها أحيانا أخرى, الأمر الذي انعكس في تراجع كفاءة الدولة في القيام بوظائفها الأساسية وفي جعل القانون يعمل من أجل الجميع ومرجعية المجتمع.

مفاهيم ومؤشرات أساسية
يقصد بالعنف الطلابي كافة أشكال السلوك غير الشرعي العنيف الذي يلجأ إليه الطلبة بشكل فردي أو جماعي في علاقاتهم بعضهم ببعض، أو في علاقاتهم بغيرهم من أعضاء المجتمع الجامعي، وأهم مظاهر هذا العنف المشاجرات الطلابية والإيذاء المادي واللفظي والاعتداء على ممتلكات الجامعة وتعطيل مرافق التعليم.

خلال عشر سنوات وحتى عام 2010 وحسب تقارير مديرية الأمن العام، وصل عدد المشاجرات الطلابية نحو 776 مشاجرة أي أن معدل المشاجرات الجامعية بلغ نحو 64 مشاجرة في العام

تنبع أهمية فهم العنف الجامعي من أن المجتمعات الطلابية تقدم لنا صورة أكثر شفافية ووضوحا وأكثر جرأة عن أحوال المجتمع بشكل عام، فطلبة الجامعات هم فئة اجتماعية تمثل صورة مصغرة عن المجتمع, لكنها الأكثر جرأة وشفافية في التعبير عن التحولات التي يشهدها المجتمع وتحديدا العلاقة بين الدولة والمجتمع.

لم يخلو تاريخ الساحات الطلابية في الجامعات الأردنية من المشاجرات التي عادة تعزى لأسباب جهوية وعشائرية وافتقاد الطلبة لمهارات الحياة الأساسية، إلا أن المشاجرات أخذت تلفت الانتباه منذ منتصف التسعينيات وأخذت تشكل ظاهرة واضحة ومقلقة في العقد التالي, وتفاقمت سريعا لتصل إلى ظاهرة مقلقة وأحد أشكال التعبير عن الأزمات العامة المعقدة منذ عام 2009, ثم واصلت تصاعدها بشكل صادم خلال السنوات الثلاث الأخيرة وعمت معظم الجامعات الحكومية والخاصة وفي معظم أقاليم البلاد.

خلال عشر سنوات وحتى عام 2010 وحسب تقارير مديرية الأمن العام، وصل عدد المشاجرات الطلابية نحو 776 مشاجرة، أي أن معدل المشاجرات الجامعية بلغ نحو 64 مشاجرة في العام، بمعنى أن هناك مشاجرة كل خمسة أيام، وحسب تقارير الأمن العام 15% من الجرائم بمختلف أنواعها التي وقعت في الأردن ارتكبها طلاب، في حين تصاعدت الجرائم الواقعة على الإنسان في الأردن منذ عام 2009 بمعدل 10% سنويا مما يدل على ظاهرة عنف مجتمعي عامة.

التحولات وصناعة العشيرة الطلابية
شهد المجتمع الأردني منذ منتصف عقد التسعينيات تحولات اقتصادية وسياسية مست أسس علاقة الدولة بالمجتمع, وعلى مدى عقدين كانت ذات آثار واضحة في صعود الهويات الفرعية وتنامي دور العشيرة السياسي وتراجع مكانة القانون في المجتمع، في حين شكلت المجتمعات الطلابية المجس والجهاز العصبي الأكثر حساسية في التدليل على هذه التحولات بشكل خاص:

1- تحولات إعادة الهيكلة والإصلاح الاقتصادي: في المجمل عملت سياسات برامج الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة، وهي إحدى أدوات التحديث، على خلق أوضاع اجتماعية غير مسبوقة في سياق تطور المجتمع الأردني، حينما تراجع دور الدولة في تقديم الرعاية مقابل عدم تقديم بدائل مؤسسية قوية في المشاركة, مما يعد من أهم أسباب تنامي قوة الجماعات المرجعية الأولية وعودة العشيرة إلى الواجهة، وساحات الجامعات ومجتمعات الطلبة أكثر الأماكن ملاءمة لتفريغ هذه التحولات والتعبير عنها، أما الخلفيات التي أعادت تموضع العشيرة كواجهة دفاعية وسط مجموعات واسعة من المجتمع الأردني في سياق سياسات الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة فأهمها:

- اتساع الفجوة بين الأثرياء والفقراء، وتقدم ساحات الجامعات الأردنية أفضل صورة لهذه الفجوة التي ولدت بعض مشاعر النقمة الاجتماعية، وازدادت هذه المظاهر مع سياسات القبول المفتوح التي حاولت الدولة من خلالها تقديم الحصص الاستثنائية للتعويض عن فقدان دورها الاجتماعي وعجزها عن توفير البديل في المشاركة الديمقراطية.

- اتساع الإدراك لعمليات الفساد التي صاحبت عمليات إعادة الهيكلة والتي خلقت فئات اجتماعية جديدة توصف بنمط حياة جديد وبقيم مختلفة، مما أغرى الجامعات إلى التوسع في برامج القبول الموازي لطلبة بمعدلات متدنية من أجل الحصول على رسوم أعلى.

- ازدياد حدة الخطاب الذي يربط أهداف برامج التصحيح الاقتصادي وإعادة الهيكلة بمشاريع تفكيك الدولة، مع غياب مؤسسات فاعلة للمشاركة الشبابية واستيعاب طاقاتهم, مقابل انتشار برامج ومؤسسات استعراضية وفارغة من المضمون.

- ضعف القدرات المالية للجامعات مما أوجد أسبابا داخلية أخرى في تشويه سياسات القبول وساهم مع أسباب أخرى في إنتاج أزمة التعليم العالي.

2- تحولات التحديث السياسي: لقد أدى تعثر الإصلاح السياسي وضعف إدارة أزمات التحديث السياسي وعدم قدرة النظام الرسمي والأنظمة المجتمعية الفرعية على تفريغها دون المساس بعملية الانتقال السياسي إلى تعثر التحديث السياسي وتوليد أزمات جديدة متوالدة ومفتوحة.

أدى تعثر الإصلاح السياسي وضعف إدارة أزمات التحديث السياسي وعدم قدرة النظام الرسمي والأنظمة المجتمعية الفرعية على تفريغها, إلى تعثر التحديث السياسي وتوليد أزمات جديدة متوالدة ومفتوحة

ولعل الخلاصة الهامة لأزمات التحديث السياسي تتمثل في أنه بدل أن تعمل التحولات السياسية على إدماج المرجعيات الأولية الطبيعية للأفراد والجماعات قامت بإعادة تسييس هذه المرجعيات, حيث عمل تسييس هذه المرجعيات على تشويه الوعي بالدولة وبالقانون في الثقافة الاجتماعية والسياسية للطلبة.

انعكست هذه الأزمات على المجتمعات الطلابية في الجامعات في مجموعة من المظاهر:

- تراجع استقلالية الجامعات بشكل كبير أدى في بعض المراحل إلى فقدان هذه الاستقلالية تماما, حيث تم تفريغ الجامعات من استقلالها على ثلاثة محاور، الأول: الاختراق الأمني المباشر وغير المباشر، الثاني: الاختراق من قبل المؤسسات الرسمية والنخب الرسيمة النافذة, الثالث: الاختراق من قبل المجتمعات المحلية ونخبها النافذة.

- إنتاج أزمه التعليم العالي بشكل مؤسسي حيث نجد تعبيرات هذه الأزمة في نوعية التعليم, وفي ضعف مخرجات العمليات الأكاديمية والبحث العلمي والدراسات العليا, وفي تراجع الحاكمية والرشد في الإدارات الجامعية، وفي توالي جيل من القيادات الجامعية الضعيفة التي تفتقد الكفاءة والتي جاءت بدورها بقيادات أضعف في الصف الثاني, حيث كانت هذه التعبيرات تمنح إشارات مبكرة عن اتجاهات أزمة الدولة والمجتمع وتراجع الكفاءة العامة للدولة.

- لم توفر هذه الأزمات البيئة الملائمة لبناء أطر مؤسسية قوية للعمل الطلابي، وفي الوقت الذي فشلت فيه الحركة الطلابية في إقامة اتحاد عام لطلبة الأردن، بقيت الاتحادات الموقعية مؤسسات ضعيفة وغير مؤثرة.

- ازدياد حدة الفراغ المهني السياسي في المجتمعات الطلابية، فيما بدا واضحاً وجود أزمة في الثقافة السياسية لدى الأجيال الجديدة من الطلبة تتنامي بقوة وتحفر بعيدا في العمق الاجتماعي للدولة.

- عكست نتائج انتخابات اتحادات الطلبة خلال آخر ستة أعوام نمو الهويات الفرعية والنزعة العشائرية والمناطقية, وازدياد استخدام التعبيرات الرمزية الدالة عليها في الحياة الطلابية اليومية, لقد صعدت العشائرية الطلابية لملء الفراغ الذي أحدثه تراجع نمط الجهوية الإقليمية الذي ساد في الساحات الطلابية في السبعينيات والثمانينيات.

- نمو ظاهرة العنف الطلابي القائمة على خلفيات عشائرية ومناطقية حيث بدأت هذه الظاهرة بالتزامن مع صعود العشائرية الطلابية, وبمراجعة تحولات العنف الطلابي يبدو أن كافة المشاجرات إن لم تكن تبدأ لأسباب عشائرية فإن خطوط الاشتباك فيها ترسم على أسس عشائرية ومناطقية.

عملت تلك التحولات وأزمات التحديث على إعادة إنتاج العشائرية كنزعة سياسية اجتماعية في الوقت الذي يتراجع فيه دور العشيرة كبنية اجتماعية. يكشف هذا الاستنتاج عن عمق أزمة المشاركة، وضعف أدوات الدولة في تنمية مشاركة مدنية إيجابية تقوم على التعدد والتنوع, وفي ضوء ضعف استجابة التحديث السياسي لهذا المنطق كان من السهل تسييس الجماعات المرجعية الأولية وكانت ساحات الجامعات والمجتمعات الطلابية الأكثر شفافية في عكس هذا التحول.

الأزمة من الداخل
التحولات العامة قادت الجامعات إلى أزمة مربكة يبدو رأسها الظاهر في أزمة التمويل والتوسع لأغراض سياسية واجتماعية، مع عدم القدرة على تلبية متطلبات هذا التوسع, وفي العمق تكمن حقائق تراجع جودة مدخلات الجامعات والمتمثلة بمثلث رأسه الأول الطلبة, كما تعكسه سياسات القبول, ورأسه الثاني سياسات ومسار تكوين وبناء المجتمعات الأكاديمية التي تراجعت خلال آخر عقد وبشكل لافت للانتباه, ورأسه الثالث الإدارات الجامعية وأحوالها.

وصلت نتائج دراسة مسحية حول شغب الجامعات من وجهة نظر الطلبة إلى أن هناك 13 سبباً للعنف الطلابي تتحمل الإدارات الجامعية مسؤولية 11 سبباً منها، بينما هناك مفاهيم ومدركات خاطئة للعصبية الجهوية والعشائرية لدى 74% من الطلبة, وهو ما توصلت له دراسات أخرى اتفقت على دور سياسات القبول وتدني معدلات مجموعات كبيرة تلتحق بالجامعات وهي غير مؤهلة للالتحاق بالحياة الأكاديمية مما يجعلها تبحث عن تحقيق المكتسبات بالواسطة والمحسوبية, في حين تتفرغ للعبث وإدارة النزاعات وإنشاء التحالفات العصبية وتحويل ساحات الجامعات إلى أغراض أخرى.

تراخي إدارات الجامعات في تطبيق القانون بحق مرتكبي العنف وضعف تكوين البيئة الجامعية وعدم الاشتغال المعرفي والثقافي على الطلبة, فاقم من الفراغ الذي يعاني منه طلبة الكليات الإنسانية

مقابل تراخي إدارات الجامعات في تطبيق القانون بحق مرتكبي العنف, ثم ضعف تكوين البيئة الجامعية وعدم الاشتغال المعرفي والثقافي على الطلبة مما فاقم من الفراغ الذي يعاني منه طلبة الكليات الإنسانية.

إن كثيرا من الطلبة يلجؤون إلى السلوك العنيف لإثبات حضورهم الغائب في المجال الأكاديمي، وما يزيد ذلك عدم وجود بدائل واقعية للمشاركة الطلابية, مما يبرر أهمية برامج الدمج الطلابي داخل الحرم الجامعي التي لها أدوات كثيرة، وكذلك البرامج الأكاديمية والتأهيلية لهؤلاء الطلبة وتحديدا في الكليات الإنسانية.

كما يكاد العنف الطلابي في الجامعات أن ينحصر وسط الطلبة الذكور، ولا توجد سوابق لانتشار هذه الظاهرة بين الإناث, لكن كثيرا ما تكون الطالبات في خلفية المشهد, فالعديد من المشاجرات تعود في أسبابها للطالبات, كما أن هناك ارتباطا بين "العنف" وتراجع قدرة الجامعات والنظام التعليمي بشكل عام على تزويد الطلبة بمهارات الحياة الأساسية مثل القدرة على قبول الخسارة وتحمل الآخرين والتصرف بحكمة في المواقف الصعبة, والقدرة على التحكم بالمشاعر واستيعاب الضغوط, ومهارات بناء الصداقات وقيم الزمالة.

إن أزمة العنف الطلابي في الجامعات الأردنية مرتبطة بالأزمة الكبيرة في علاقة الدولة بالمجتمع, ولا يمكن الحديث عن حلول للأولى من دون البدء بمسار حقيقي لاستعادة الإصلاح الشامل, وأهم عناوينه المشاركة الديمقراطية, واستعادة هيبة القانون، وتكافؤ الفرص، وتعميق المواطنة والعدالة التنموية أي وصول التنمية إلى المحافظات, وأن يعمل القانون من أجل الجميع.

وهذا المسار وحده القادر على إعادة الاعتبار للجامعات وتوطين الحاكمية والرشد في إداراتها, وهو القادر أيضا على تأسيس مشاركة طلابية فاعلة تستعيد الحياة الطلابية فيها معناها وقيمتها الفكرية والسياسية, هذا المسار هو القادر على ضمان استقلالية الجامعات وكف يد الدولة عن تحويل هذه المؤسسات الأكاديمية إلى أدوات سياسية لتفريغ المطالب والضغوط الاجتماعية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات