عبد الله الأشعل

عبد الله الأشعل

أستاذ القانون الدولي

أظن أنه آن الأوان لكي يدرك العرب أن ما يحدث في سوريا هو اتفاق ضمني على الشعب السوري. في هذه اللحظة لا يهمني توزيع المسؤوليات، ولكن بعد كل ما عاناه الشعب السوري يجب أن نتوقف جميعاً لكي نضع حداً لهذا العبث، فلم يعد مقبولاً الحديث في أية حسابات ما دام الشعب والوطن في سوريا والأمة كلها تدفع ثمن الحماقة السياسية أو التواطؤ الإجرامي، ولا يجوز السكوت بعد اليوم على استنزاف الوطن والشعب في سوريا، وعلى هذه الحماقة العمياء التي ينتحر فيها العالم العربي بلا مبرر مقبول.

وإذا عدنا إلى الساحة السورية لوجدنا أنه بعد عامين من الصراع في سوريا، أصبحت القضية لا تهم الشعب السوري وإنما تهم أطرافاً خارجية، ولا يمكن القول بأن الصراع الآن يقوم بين الشعب والحكومة وأنه سيُحسم وفق معايير القدرة العسكرية، لأنني أرى بوضوح أن أطرافاً كثيرة تتصارع على الأراضى السورية وتنشئ تحالفات غريبة، كل منها يريد أن يفوز بسوريا ليس لمصلحة الشعب وإنما لمصالح ضيقة خارجية.

أطراف كثيرة تتصارع على الأراضي السورية وتنشئ تحالفات غريبة، كل منها يريد أن يفوز بسوريا، ليس لمصلحة الشعب وإنما لمصالح ضيقة خارجية

ولا أظن أنني بحاجة إلى إطلاع المواطن العربي على أحشاء الصراع وإن كان لازما لإيقاظه على المأساة، ولكني بحاجة إلى الإسراع بإطلاعه على الخسائر الفادحة والنتائج المذهلة لهذا العبث الذي يجرى على الأراضي السورية.

النتيجة الأولى، أن مجمل الصراع يؤدي إلى تفتيت سوريا ودخولها في حرب أهلية تختفي بعدها البلاد من الخريطة السياسية في المنطقة.

النتيجة الثانية، أن الذين يتدخلون من العرب في المشهد السوري يتجاورون مع تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، وفي ذلك خسارة فادحة لأن تركيا كانت قد أصبحت حليفاً لسوريا والقضايا العربية، وكانت العلاقات قد توترت بينها وبين إسرائيل بسبب الصدام بين المشروع التركي والمشروع الإسرائيلي.

وإذا كان العرب يعولون على الدعم التركي لقضاياهم، فأنا أظن أنه لم يعد هناك قضايا مشتركة، كما أن العرب كلمة تشير إلى قوم انقسموا وتفرقوا وتشرذموا حتى قال أحد شعرائهم في نبرة حزينة "متى يعلنون وفاة العرب؟"، وأنذر بعضهم بأن العرب قد خرجوا من التاريخ، وأظن أن هذه المقولات تصور الوضع العربي الراهن، وهي تشبه الحالة في العصور الوسطى التي ساند فيها بعض المسلمين الصليبيين ضد دول المشرق الإسلامي، وهو نفس الانقسام الذي حدث في الأندلس وآذن بغروب شمس الدولة الإسلامية المزدهرة بعد أكثر من ثمانية قرون.

النتيجة الثالثة، أن إسرائيل تكتب لنفسها أكبر انتصار على هؤلاء القوم الذين تعتبرهم دائماً لا يستحقون الحياة أو الاحترام، لذلك فمن العبث مضيعة الوقت في الحديث عما كان يسمى صراعاً عربياً إسرائيليا بعدما أصبح انتحاراً عربياً تحت أقدام إسرائيل. وسيظهر باحثون في المستقبل ليدققوا في السؤال الاتي: هل إسرائيل هي التي رسمت خريطة الصراع واستدرجت إليه كل أعدائها ولو على الورق، وأنها نجحت في أن تواجه إيران في سوريا وكذلك حزب الله، وهي تبدو كأنها تقف مع الشعب السوري ضد النظام الذي استعان بإيران وحزب الله فتُحدِث بذلك خلطاً هائلاً في الأوراق، وتبقى غزة وحماس وحدها رهنا بحسابات المشهد المصري بكل ما يمثله من عجز وضياع ومؤامرة ودعوات مخلصات من بسطاء الناس أن يزيل الغمة ويرفع الكرب؟

النتيجة الرابعة، أن العرب وإسرائيل والتيار الإسلامي وتركيا يقفون في جانب، بينما تقف إيران وحزب الله مع النظام السوري في جانب آخر. قضية الصراع بين المعسكرين متشعبة، فكل له ليلاه، ولكل معسكر حلفاء المصالح على المستوي الدولي، فواشنطن وموسكو وبكين يقفون وفق حساباتهم مع أطراف الصراع، والنتيجة هي أنه بعد عامين من الصراع أصبح في المشهد السوري خاسر أكبر وفائز أكبر. أما الخاسر الأكبر فهو الشعب والوطن في سوريا وإيران والمقاومة، وأما الفائز الأكبر فهو إسرائيل.

النتيجة الخامسة، أن ضحايا الصراع ليسوا هم الذين يرسمون مستقبل سوريا، فإذا انتصر النظام ومعه حلفاؤه -بصرف النظر عن الضحايا- خرجت سوريا من الصراع جريحة مهشمة، ولكن رمزية الخروج في نظر النظام هي نجاحه في صد المؤامرة، ونجاحه في الإفلات من السقوط الذي خططت له إسرائيل، عوضاً عن تطويعه وفقاً للمخطط الأميركي.

رمزية هذه النتيجة في نظر إيران هي انتصارها على الخليج الذي ساند إسرائيل وحاربها وفق المنطق الإيراني في ساحة بعيدة، مما يؤدي إلى نتائج أخرى في العلاقات الإيرانية الخليجية، وهي هزيمة لمخطط إسرائيل باستنزاف إيران، خاصة أن الأخيرة تعتقد بأن هزيمتها في المسرح السوري يمكن أن تجعل ضربها كقوة إقليمية بعد قطع خطوط اتصالها والقضاء على حلفائها، أمراً ميسوراً.

أما إذا سقط النظام، فتلك بالحسابات الإقليمية هزيمة لإيران وحزب الله، وانتصار كبير لإسرائيل، ولكنه فصل جديد من المأساة السورية. ولذلك سيتبين العرب نتيجة مواقفهم في سوريا خصوصاً بعد قمتهم الأخيرة في الدوحة، فالقضية لم تعد إرهاب الكتاب واتهامهم بالانحياز إلى طرف ضد آخر في الصراع، لأن المأساة تجاوزت هذه التصنيفات البلهاء.

تأرجح الصراع بين حدي التسوية السياسية والحسم العسكري، هو انعكاس لأوهام وحسابات لا تضع المصلحة السورية العليا في أي اعتبار

النتيجة السادسة، أن تأرجح الصراع بين حدين: التسوية السياسية والحسم العسكري هو انعكاس لأوهام وحسابات لا تضع المصلحة السورية العليا في أي اعتبار، فليس صحيحاً أن الصراع يقوم بين الثورة السورية وبين نظام فقد إحساسه بالوطن ويحارب من أجل البقاء، ولكن الصحيح أن الجميع فقدوا إحساسهم بالوطن ويحاربون كأدوات في حسابات القوى الأخرى.

وكان يمكن لمصر أن تقوم بدور المخلص وأن تضع حلاً لهذه المأساة، لولا أن الكثير من العوامل والظروف جعلتها هي ذاتها بحاجة إلى حل لمشكلها حتى تتصدر الساحة وتأخذ بيد سوريا الشعب والوطن. وأرجو أن تتشكل نخبة عربية مستنيرة تجتمع في أي مكان وتتحلى بالشجاعة وتتسلح بالرؤية للمصلحة العربية العليا، حتى تعلن حلاً للحالة العبثية التي يتم بها القضاء على الشعب والوطن في سوريا.

النتيجة السابعة، أن استمرار الصراع واستماتة كل جانب لأكثر من عامين جعل المطالبة بإنهاء العبث -بقطع النظر عن خطأ أو صواب أحد الأطراف- أمراً مطلوباً، وذلك في ضوء الآثار المؤلمة داخلياً وخارجياً وفي إطار الأسرة العربية الواحدة، بينما أعداؤها يضحكون على جهلها المستمر عبر التاريخ، ولكن لا يجوز أن يستمر جهل الحكام، بينما تصاعد وعيُ النخب والشعوب وأصبح الفارق بين وعي الحكام وشعوبهم في بعض الأحيان لا يبرره سوى الحسابات السياسية للحكام، والتي هي بحاجة إلى مراجعة جذرية.

وهناك عشرات الأمثلة على ذلك مما يضيق به المقام ولا يتسع له السياق ولا تنحل به المشكلة. يكفي انهيار المرافق الأساسية في سوريا، وتشوه معالم المدن والقرى، وتدمير المنشآت والآثار والمساجد التاريخية، وإضعاف قوة الدولة السورية، وسقوط عشرات الآلاف قتلى وجرحى ضحايا لهذا الصراع العبثي بين طرف يرى أن يصد المؤامرة بأي ثمن والعدوان بكل الطرق واستنقاذ سوريا من هذه الهجمة، وطرف آخر يعادي النظام ولكنه لا يهتم بتدمير الوطن.

يكفي أيضاً أن ملايين السوريين الكرماء الذين كانوا يحتضنون اللاجئين من فلسطين ولبنان والعراق، قد أصبحوا هم أنفسهم لاجئين في أرض عربية لم يعد مصيرها بيد العرب، وطالبوا بالمساعدات الدولية بعدما كانوا أعزة في أوطانهم.

النتيجة الثامنة، أن ارتفاع وتيرة الصراع أنهك الجيش السوري الذي دفع إلى المعركة العبثية ضد أشباح يشترك معها تنظيم القاعدة. ولهذه قصة، فالولايات المتحدة التي أقنعت العالم بأنها تحارب القاعدة، لا تجد غضاضة في أن تحارب النظام في سوريا مع القاعدة التي تضرب في العراق والجزائر والمغرب واليمن والسعودية وغيرها. والأطرف أنها تتهم بأنها تتحالف مع القاعدة حتى صارت القاعدة شبحاً لا يعرفه إلا المتعاملون معه، ولكنها كلمة نالت من الشيطنة ما يكفي لإثارة القلق لمجرد النطق بها.

ومن الطبيعي أن يكون لدى سوريا الدولة أسلحة كيمياوية، بل ومن الطبيعي والمأمول أن يكون هناك أسلحة عربية بقرار عربي تدافع عن المصالح العربية، ولكنْ أصبحت إسرائيل التي تمتلك كل أنواع الأسلحة هي التي تتهم سوريا بامتلاك الأسلحة النووية، وأصبح امتلاك إسرائيل لكل الأسلحة -بما فيها النووي والكيمياوي- أمراً مشروعاً عند العرب، بينما تنهمر دموع التماسيح الإسرائيلية والأميركية على شبهة استخدام هذه الأسلحة ضد المدنيين السوريين.

كل الأسلحة مشروعة في حوزة الدولة ضد أعدائها، ولكن استخدام هذه الأسلحة ضد المدنيين جريمة كبرى لا يبررها أي سبب، حتى لو كان الطرف الآخر يلتحف بالمدنيين

ونسارع إلى القول بأن كل الأسلحة مشروعة في حوزة الدولة ضد أعدائها، ولكن استخدام هذه الأسلحة لأي سبب ضد المدنيين جريمة كبرى لا يبررها أي سبب حتى لو كان الطرف الآخر في الصراع يتخفى ويلتحف بالمدنيين، وفي هذه الحالة تصبح جريمة مزدوجة: جريمة استخدام السلاح، وجريمة الاحتماء بالمدنيين واتخاذهم دروعاً بشرية. والأخطر من ذلك أن موضوع السلاح الكيمياوي أصبح يقدم كذريعة جديدة للتدخل العسكري الإسرائيلي والأميركي.

فهل بعد كل ذلك لا يزال العرب سائرين نحو هدفهم وتآمرهم على الشعب السوري بحجة نصرته؟

يجب أن تنعقد قمة عربية عاجلة بعقلية جديدة وفي ضوء هذه المحاذير، للتوصل إلى حل سياسي يبرئ ساحة من دفعه جهله أو حساباته إلى المشاركة في الحالة العبثية السورية، ولا بد أن يقف الصراع فوراً، وأن تشرف الدول التي ليست طرفا في الصراع على وقفه وعلى التسوية، وأن يلتقط الشعب السوري أنفاسه بحكومة تتعاون مع الكتلة العربية غير المتورطة، وأن تجرى انتخابات حرة في سوريا بعد عدة أشهر، وأن يرحم الجميع السوريين، وكفى ما عانته سوريا عندما دخلت دائرة الصراع الجهنمية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك