علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني

 

صورة النكبة المحفورة
1550 شهيداً
الصراخ بوجه القوى والفصائل
بلسمة الجراح

لشهر مايو/أيار من كل عام وَقَعٌ خاص عند عموم أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. ففي أواخر أبريل/نيسان وبدايات مايو/أيار من العام 1948 كانت معظم الأراضي الفلسطينية التي أقيمت فوقها الدولة العبرية الصهيونية قد سقطت بيد العصابات المسلحة من مجموعات الهاغاناه والبالماخ والأرغون وشتيرن، خصوصاً منها المدن الكبرى في فلسطين من مدينة عكا في الشمال إلى حيفا وعلى طول الساحل إلى مدينة يافا وصولاً نحو الداخل الجنوبي لفلسطين في منطقة النقب ومركزها مدينة بئر السبع.

فأين الفلسطينيون اليوم من مايو/أيار لهذا العام، وقد تكاثرت النكبات فوق رؤوسهم خلال رحلة المآسي الفلسطينية الطويلة الممتدة منذ أكثر من تسعةِ عقودٍ متتالية وتحديداً منذ صدور وعد بلفور في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 1917، وآخرها النكبات المتساقطة على رؤوس اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات ومواقع اللجوء فوق الأرض السورية، والذين باتوا الآن من أبرز الضحايا المنسيين في نيران الوضع المشتعل في سوريا؟

صورة النكبة المحفورة
بالفعل، يستقبل اللاجئون الفلسطينيون وعموم أبناء فلسطين من كل عام شهر تشرين الثاني بلوعة وحسرة كبيرة هي حسرة فقدان الوطن والهوية والأرض والخبز والورد والحرية. حسرة ولوعة تَمتَزِجُ فيها مآسي المرحلة الماضية والهزات الارتدادية التي تلتها في مسلسل درامي حزين من التراجيديا لشعبٍ اقتلع من فوق أرضه وكيانه الوطني لتتم بعثرته في دياسبورا المنافي والشتات.

صورة النكبة الكبرى تبقى محفورة كالكتابة على الصخر الصلد في نفوس وأفئدة كل مواطني وأبناء فلسطين في الداخل والشتات وخصوصاً فلسطينيي سوريا

فصورة النكبة الكبرى تبقى هي المحفورة كالكتابة على الصخر الصلد في نفوس وأفئدة كل مواطني وأبناء فلسطين في الداخل والشتات وخصوصاً فلسطينيي سوريا، فهي الحدث الأعمق في الوجدان التي لم تكن لتفارق الذاكرة الجمعية لعموم اللاجئين الفلسطينيين منذ لحظات اللجوء والتعتير الأولى.

فقد بقيت بصمات ووقائع تلك الأيام الحالكة السواد في تاريخ الشعب الفلسطيني راسخة، فلم تغادر ذاكرة الجيل الذي عاش وعي النكبة في سنواتها الأولى لتنتقل من جيلٍ إلى جيل، مع تشتت العائلات الفلسطينية الواحدة، وفقدان عملية التواصل بين من بقي على أرض فلسطين وبين من حطت بهم الأقدار خارج فلسطين إلى دياسبورا الشتات، وكم من العائلات اللاجئة تركت ولداً أو رضيعاً أو أجزاء كبيرة من الأسرة الواحدة على أرض فلسطين.

كما عاشت أعداد إضافية من اللاجئين الفلسطينيين الوافدين إلى سوريا في مناطق أرياف محافظات دمشق وريفها، وحمص، وحماة، وحلب، والجولان، وحوران.. تحت سقف خيام الأونروا والمساعدات الدولية قبل أن تستقر في مخيمات وتجمعات محددة، فعاشت سنوات النكبة الأولى ظروفاً بالغة القسوة في مناطق شديدة البرودة والرياح، وأكثر من مرة اقتلعت الرياح الخيام من فوق رؤوس ساكنيها، إضافة إلى انتشار الأمراض واتساع حالات وفيات الأطفال وكبار السن نتيجة المآل الصعب الذي عاشه اللاجئون الفلسطينيون في سوريا وغير سوريا سنوات اللجوء الأولى.

1550 شهيداً
إذاً، يمر شهر مايو/أيار لهذا العام، بطعمٍ خاص ولون خاص، طعمٍ كالعلقم وأكثر مرارة، ولون كله قتامة، بشكل فاق السنوات الطويلة التي انقضت بالنسبة لفلسطينيي سوريا على الأقل الذين يدفعون اليوم ضريبة كبرى من دمائهم وأرواحهم على مذبح ما يجري في سوريا حيث كرة النار الملتهبة، وقد وصلت أعداد الشهداء من فلسطينيي سوريا نحو 1550 شهيداً حتى نهاية أبريل/نيسان 2013، عدا الأعداد المضاعفة من الجرحى والإصابات المختلفة.

هذا إذا ما تطرقنا لحالة التشرد والهجرة الداخلية وحتى الخارجية التي أصابت الآن غالبية فلسطينيي سوريا وتحديداً في: مخيم اليرموك، مخيم السبينة، مخيم الحسينية، مخيم درعا، مخيم حندرات (عين التل) الواقع شمال مدينة حلب.

كما أصابت عدة تجمعات للاجئين الفلسطينيين في مناطق مختلفة من مدينة دمشق وغيرها كالتجمع الفلسطيني في منطقة برزة بدمشق (حي عائدون) وبلدة دوما الواقعة في ريف دمشق. عدا الحالة العامة المشوبة بالقلق الشديد والتوتر والخوف من مصائر مشابهة في: مخيم السيدة زينب (مخيم قبر الست) في ريف دمشق، ومخيم خان الشيح في ريف دمشق، ومخيم العائدين في مدينة حماة، ومخيم النيرب قرب مدينة حلب.

الأونروا:
يتعرض اللاجئون الفلسطينيون في سوريا للقتل وللإصابة وللتشرد بأعداد أكثر من ذي قبل، وذلك في الوقت الذي يستمر فيه النزاع المسلح بإرباك مخيمات اللاجئين في كافة أرجاء البلاد

وكانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) قد أصدرت بياناُ قبل أيام قليلة، أدانت فيه عمليات التشريد الجماعي للاجئين الفلسطينيين في سوريا، بعد الأحداث الأخيرة التي شهدها مخيم حندرات (مخيم عين التل) الواقع شمال مدينة حلب. وقالت الأونروا في بيانها المشار إليها "يتعرض اللاجئون الفلسطينيون في سوريا للقتل وللإصابة وللتشرد بأعداد أكثر من ذي قبل، وذلك في الوقت الذي يستمر فيه النزاع المسلح بإرباك مخيمات اللاجئين في كافة أرجاء البلاد".

وتقدر وكالة هيئة الأمم المتحدة (الأونروا) أن ما يقارب من 235 ألف لاجئ فلسطيني في سوريا تم تشريدهم داخل سوريا، مضيفة "تشعر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين بالقلق من الحالة المأساوية لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا كمخيم حندرات ومخيم درعا ومخيم اليرموك في دمشق ومخيمات الحسينية وخان الشيح وسبينة والسيدة زينب في محيط دمشق الأوسع".

الصراخ بوجه القوى والفصائل
وعليه، فإن وقائع نكبة مايو/أيار العام 1948، الراسخة في الذاكرة الجمعية لأبناء فلسطين في سوريا وأجيالهم المتعاقبة (حيث بقي منهم على قيد الحياة نحو 13% ممن شهد وقائع النكبة) وبصورتها التاريخية تكاد الآن تصبح واقعاً ملموساً يعيش فصولها المشابهة لها تماماً كل فلسطينيي سوريا الذين كانوا على الدوام طليعة مقاتلة في صفوف الثورة الفلسطينية وكل فصائلها الفدائية منذ انطلاقة الرصاصات الأولى للثورة الفلسطينية المعاصرة.

فمخيم اليرموك على سبيل المثال مطوق الآن بالكامل، يدخل من يريد من سكانه مجازفة في أوقات محصورة بين السابعة صباحاً والواحدة ظهراً فيما يغلق أحياناً بالكامل لعدة أيام، فالمخيم يعيش حالة أشبه بحالة الحصار فيما تتساقط عليه قذائف الهاون من حين لآخر وتدور بين شوارعه الرئيسية اشتباكات متواصلة يدفع ثمنها المواطن الفلسطيني ممن تبقى داخل المخيم، من الذين لم يستطيعوا مغادرته لضيق الحال وضيق ذات اليد، أو لأسباب مختلفة، ومنهم كاتب هذه السطور، الذي لا ملاذ له سوى البقاء داخل المخيم معظم أيام الأسبوع.

إن الواقع الآليم والمُحزن لفلسطينيي سوريا في ظل المحنة الحالية التي يعيشون فصولها على الأرض، تَدفَعَهُم للصراخ بوجه كل القوى والفصائل والأطر الشرعية الرسمية الفلسطينية التي لم تعطِ أوضاعهم الاهتمام الكافي والمطلوب، فالمساعدات المالية التي وصلت لفلسطينيي سوريا من قبل السلطة الفلسطينية في رام الله جيدة، ولكنها لا تكفي دون دور سياسي وعملي أكبر لإنقاذ فلسطينيي سوريا من واقعهم الصعب الحالي عبر الاتصال مع كل الجهات المعنية لتحييد الوضع الفلسطيني كما تؤكد كل يوم كل القوى الفلسطينية، ومنها حركة حماس التي أصدرت بياناً واضحاً قبل أيام خلت دعت فيه كل الأطراف لتحييد الحالة الفلسطينية، مشيرة إلى أن "الفلسطينيين ضيوف في سوريا وليسوا طرفاً في الصراع".

بلسمة الجراح
إن المخيمات والتجمعات الفلسطينية في سوريا، وعموم فلسطينيي سوريا أبناء لواء الجليل (الناصرة وعكا وصفد وبيسان وطبرية) ولواء حيفا ولواء يافا، نالهم نصيب كبير من حجم التضحيات في مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة (هناك نحو عشرة آلاف شهيد من أبناء مخيم اليرموك استشهدوا في صفوف المقاومة بمختلف فصائلها بين عام 1954 وعام 2000) وذاقوا أيضاً نصيباً كبيراً من حجم المأساة الفلسطينية منذ العام 1948.

القيادات الرسمية التي تمثل الشعب الفلسطيني من قوى وفصائل ومنظمة تحرير لم تقم بدورها المطلوب لإنقاذ فلسطينيي سوريا والمساعدة على بلسمة جراحهم

فكما كانوا رواد المقاومة والعمل الفدائي والخزان البشري لعموم الثورة وفصائلها في العقود الماضية، لكنهم الآن تحت مأساة بلون آخر وضحايا منسيون في أزمة عارمة تهز البلاد، في وقت لم تَقُم فيه القيادات الرسمية التي تمثل هذا الشعب من قوى وفصائل ومنظمة تحرير بدورها المطلوب لإنقاذ فلسطينيي سوريا والمساعدة على بلسمة جراحهم، والتحرك على كل الميادين من أجل وقف مسلسل استهدافهم واستهداف مخيماتهم وتجمعاتهم التي كانت لفترة طويلة من عمر الأزمة السورية بمثابة الملاذ الآمن لإخوتهم وأشقائهم من المواطنين السوريين.

وبالاستخلاصات الأخيرة، إن فلسطينيي سوريا وفي ذكرى نكبتهم الكبرى التي وقعت في مايو/أيار 1948، يعيشون الآن فصولاً صعبة في ظل الأزمة السورية الطاحنة في البلاد، في وقت لم تقم فيه الجهات الفلسطينية الرسمية بما هو مطلوب منها لمساعدتهم ومد يد العون لهم من كافة الجوانب، خصوصاً منها الجانب المتعلق بالاتصال مع كل الأطراف المعنية من أجل تحييد مناطق انتشارهم (مخيمات وتجمعات) ليعود دورهم كما كان خلال العام الأول ونصف العام الثاني من اندلاع الحالة السورية الداخلية، دوراً إيجابياً في بلسمة الجراح ومد يد العون لعموم الشعب السوري، حين كانت التجمعات الفلسطينية ملاذات آمنة احتضنت الجميع من أبناء سوريا وخصوصاً مخيم اليرموك الذي احتضن في ذروة الأزمة أكثر من 400 ألف مواطن سوري وفدوا إليه من مناطق التوتر المختلفة المحيطة به وحتى البعيد عنه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك