عمر إبراهيم الترابي

عمر إبراهيم الترابي

​أكاديمي سوداني

إبان إعداد الدستور المصري الحالي أرسلت منظمة هيومن رايتس ووتش الأميركية العاملة في مجال حقوق الإنسان رسالة إلى لجنة الدستور المصري حول مضمون المادة 36 من مشروع الدستور المصري الخاصّة بحقوق المرأة في الدستور، والتي  تنص علي صيانة حقوق المرأة طالما اتفقت مع مبادئ الشريعة الإسلامية. ولقد نصحت المنظمة مصر بأن هذه المادة تتعارض مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وربما بسبب الضغوط التي مارستها المنظمات الغربية والتي ساندتها فيها القوي العلمانية المصرية فلقد سُحبت هذه المادة من مسودة الدستور المصري لاحقا، إلا أن سحبها لم يغير شيئا في السجال بين الغرب والشرق الإسلامي حول الدور الأمثل للمرأة في المجتمعات الإسلامية.

سحب المادة 36 من مسودة الدستور المصري الخاصة بالمرأة, لم يغير شيئا في السجال بين الغرب والشرق الإسلامي حول الدور الأمثل للمرأة في المجتمعات الإسلامية

لأن الإعلان الذي أصدرته منظمة التعاون الإسلامي المكونة من 57 دولة في القاهرة عام 1990 قد نصّ على أن الشريعة الإسلامية هي المرجع الأساسي والوحيد لشرح أو توضيح الحقوق والحريات الواردة في مجال حقوق الإنسان.

وبذلك فما يجري على مصر يجري على كل الدول الإسلامية الأخرى. والسؤال المشروع هنا هل يمثل اشتراط توافق حقوق المرأة مع  مبادئ الشريعة عائقا أمام حصول المرأة على مكتسباتها الواردة في مواثيق حقوق الإنسان الحالية؟

للإجابة عن هذا السؤال ولكي تصبح الصورة أكثر وضوحا يجب التذكير أولا بالاتفاقية الدولية لمنع التمييز ضد المرأة التي دخلت حيز التنفيذ منذ عام 1979 ونصت على مجموعة من المبادئ رأت الاتفاقية أن احترامها كفيل بإيفاء المرأة حقوقها في كل أوجه الحياة.

وتتلخص هذه الحقوق في حق المرأة في المشاركة في العمل السياسي بشقيه: حق الانتخاب والحق في تولي الوظائف السياسية والإدارية، كما نصت على حقها في الملكية وما يتبعه من اعتراف بأهليتها لإبرام العقود وتحمّل الحقوق والواجبات وحقها في العمل والتعليم الذي يؤهلها لأدائه. كذلك تنص الاتفاقية على العدالة بين الرجال والنساء في القوانين المنظمة للأسرة بحيث يصبح الزوجان متساويين في الحقوق والواجبات في كل ما يخص شؤون الأسرة بما في ذلك رعاية الأطفال وإدارة الشؤون المنزلية.

لكن بما أن الدول لا تشغل كل الساحة الاجتماعية والاقتصادية بل تشاركها الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية الخاصّة، فعلى الدولة أن توفر الحماية القانونية للمرأة حتى لا تتعرض للتمييز في ممارستها لهذه الأنشطة.

ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن من سؤال هو: لماذا أبرمت هذه الاتفاقية وماذا تمثل في التاريخ الأوروبي والبشري وما مدى حاجتنا لها كمسلمين؟

في الواقع تمثل هذه الاتفاقية التحول الذي طرأ على وضع المرأة الأوروبية بين نهايات القرن التاسع عشر ووقت متأخر من القرن العشرين. لأن المرأة الأوروبية قبل هذا التاريخ كانت محرومة من الحقوق السياسية كالتصويت في الانتخابات وتولي المناصب السياسية والإدارية رغم أن بعض النساء اعتلت العروش في بعض دول أوروبا، ولم تنل النساء حق التصويت في إنجلترا إلا عام 1919 والولايات المتحدة عام 1920 وفرنسا عام 1945 وسويسرا عام 1971. 

وعلي سبيل المثال حينما أحال ملك فرنسا عام 1789 عريضة تقدمت بها امرأة تطالب بحقوق المرأة السياسية لبرلمان الثورة الفرنسية، لم تنل هذه العريضة من النواب غير التهكم والضحكات المجلجلة. كما أن الحال لم يكن مختلفا في الدستور الأميركي الذي كان يقصر الحقوق السياسية علي الرجال فقط مثل ما ورد في حكم المحكمة الأميركية العليا في قضية ماينر ضد هابرست عام 1872 التي رأت أن الاعتراف بمواطنة المرأة لا يمنحها الحق في المشاركة السياسية.

ولا يزال الدستور الأميركي الحالى لا يكفل حق الحماية القانونية للمرأة في القطاعات غير الحكومية. ولقد تكرر نفس المشهد في البرلمان الإنجليزي حينما تقدم الكاتب والسياسي الإنجليزي جون إستورت مل عام 1867 باقتراح خجول للبرلمان الإنجليزي بتغيير كلمة رجل إلى شخص في قانون الإصلاح الإنجليزي الثاني ليشمل النساء لم يجن من اقتراحه سوى السخرية والهمز واللمز.

والسبب في ذلك أن الفكر السياسي الأوروبي منذ ديمقراطية أثينا وإلى ديمقراطية الغرب الحالية كان مجمعا على  عدم إشراك المرأة في الشؤون السياسية وخاصّة من يطلق عليهم علماء التنوير. وعلى سبيل المثال يقول شارل لوي مونتسكيو، الفيلسوف السياسي الفرنسي ذائع الصيت وصاحب نظرية الفصل بين السلطات، في الفصل الثالث من كتابه روح القانون، في تبريره لعدم إشراك المرأة في العمل السياسي، إن اليونانيين قد اكتشفوا منذ وقت بعيد أن المرأة لا تملك شرف تولي الوظائف العامة. كما يقول الفيلسوف جان جاك روسو، صاحب نظرية العقد الاجتماعي، إن طاعة النساء للرجال جزء من قانون الطبيعة وإن مطالبتهنّ بالمساواة مع الرجال خطأ فادح وإنهن بمحاولتهن التغوّل على حقوق الرجال يثبتن أنهن أقل شأنا منهم.
 
الفكر السياسي الأوروبي منذ ديمقراطية أثينا وإلى ديمقراطية الغرب الحالية كان مجمعا على عدم إشراك المرأة في الشؤون السياسية وخاصّة من يطلق عليهم علماء التنوير
كما لم تكن النساء في أوروبا تتمتع بالحقوق المدنية وخاصّة حق الملكية الذي هو أهمها حتي القرن التاسع عشر حين صدور التشريعات الإنجليزية الخاصة بحق الملكية للنساء المتزوجات.

وأيضا لم يكن مسموحا لها إلا بالعمل المنزلي، وعلي سبيل المثال فحينما رفضت ولاية إلينوي الأميركية طلب امرأة أميركية ممارسة مهنة المحاماة عام 1873 برر القاضي جوزيف برادلي قرار الحكومة بقوله إن طبيعة المرأة الخجولة واللينة تجعلها غير مناسبة للكثير من الوظائف المدنية التي قد تعرضها للفساد وإن العمل المنزلي هو الوحيد الذي يتناسب مع طبيعة المرأة. وبذلك لم يكن للنساء الحق في تعلّم المهن بغرض كسب العيش وإنما يسمح لهنّ فقط بالتعليم الابتدائي لمحو الأمية، أما ما يتجاوز ذلك كالتسجيل للجامعات فكان على النساء الحصول على موافقة الزوج أو الأب.

أما وضعها في الأسرة، فلقد كانت المرأة الأوروبية تحت وصاية الرجل، وعليها طاعته، وهذا ما ورد في المادة 217 من القانون المدني الفرنسي المعروف بقانون نابليون لعام 1804 والذي ظل ساريا حتى القرن العشرين، والذي يلزم المرأة بطاعة زوجها ويضعها تحت وصايته الكاملة في كل ما يتعلق بشؤونها المدنية. والمادة 127 من قانون كانتون زيورخ السابق والتي تنص على عين ما نص عليه القانون الفرنسي.

والسؤال المهم هنا: كيف انقلبت أوروبا في هذا الوقت القصير على نفسها وتبنت فكرة الاعتراف بالحقوق السياسية والمدنية للمرأة بعد أن كان ساستها وفلاسفتها ورجال دينها يجمعون على ضرورة الحفاظ على دور المرأة كأم وزوجة ويعتبرونه جزءا من قانون الطبيعة.

في الواقع لقد وقع هذا الانقلاب دون إرادة أحد، وما حدث هو أن الحرب الأهلية الأميركية وحروب أوروبا الكبرى أدت إلى خروج الرجال للقتال مما خلق فراغا في القطاعات الإنتاجية والإدارية، واضطرت الإدارات الغربية لملء الفراغ بالنساء، ولكي تملأ النساء الفراغ كان يجب أن يخضعن للتعليم والتدريب، وبحصول النساء على التعليم الاكاديمي والمهني ودربتهن في العمل العام اكتشفن أنهن لسن بأقل كفاءة من الرجال. وبذلك رفضت الكثير من النساء النظام الاجتماعي القائم في الغرب وبدأت المطالبات بتغيير دور المرأة في المجتمع.

بذلك فحقوق المرأة الحالية في أوروبا هي نتيجة صدف تاريخية وليست نتيجة تطور فكري أو ثورة كالثورات الكبرى التي عرفها التاريخ والتي تتفق جميعها على أنها ردة فعل على مظالم اجتماعية كالثورة الفرنسية والثورة الروسية البلشفية والثورات العربية الحالية لأن كل هذه الثورات كانت موجهة إلى مصدر الظلم وهدفها تحقيق العدل الاجتماعي، بينما الحركة النسوية ليست موجهة ضد الرجال وإنما ضد النظام الاجتماعي، ولا ترمي للعدالة الاجتماعية بل ترمي إلى مراجعة التوازن المجتمعي، بإعادة تقسيم الأدوار بين الرجال والنساء في الحياة وإعادة ترتيب الحقوق والواجبات بحيث لا تترك مجالا لسلطة وسيطة بين المرأة والدولة يمثلها الرجال. وجوهر الحركة النسائية هو إزالة هذه السلطة الوسيطة.

ومعلوم أن النظام الاجتماعي لا يخلقه الرجال وإن كانوا يقومون عليه بل ينشئه كل المجتمع برجاله ونسائه، وفيه من الميزات للطرفين مثل ما فيه من السلبيات، وعلي سبيل المثال في النظام الاجتماعي الأوربي السابق كان على الرجال أن يموتوا دفاعا عن المجتمع بينما كانت النساء معفيات من هذا الواجب.

وبذلك فالمساواة بين النساء والرجال لا تعني فقط منح حقوق إضافية للمرأة بل إلزامها أيضا بواجبات جديدة، مثلما لا تعني فقط سحب بعض الحقوق من الرجال ولكن أيضا إسقاط بعض الواجبات عنهم.

وبالعودة لاشتراط توافق حقوق المرأة في المواثيق الدولية مع الشريعة الإسلامية لتصبح واجبة النفاذ في الشرق الإسلامي، فالغرض منه لمن يتفكّر هو تطبيق هذه الحقوق وفقا لثقافة ومعتقدات المجتمع الإسلامي حتى لا تستخدم حقوق المرأة ذريعة لتدمير الأسرة نواة المجتمع الشرقي.
 
اشتراط توافق حقوق المرأة في المواثيق الدولية مع الشريعة الإسلامية, ليس الغرض منه الهروب من الالتزامات تجاه النساء, فالدين الإسلامي لا ينكر حقوق النساء كما تتوهم المنظمات الغربية
وليس بغرض الهروب من الالتزامات تجاه النساء، لأن الدين الإسلامي لا ينكر حقوق النساء كما تتوهم المنظمات الغربية. ولأن حقوق المرأة السياسية في مجتمعاتنا منصوص عليها في القرآن في آية بيعة النساء في سورة الممتحنة الآية 12، وكذلك حقها في الملكية منصوص عليه في القرآن، وحقها في العمل خارج المنزل لا يحتاج لثورة لأن السيدة خديجة أم المؤمنين كانت تاجرة وبأموال تجارتها هذه قدر الله للإسلام أن يبقي، ولأن الصحابيات خرجن في الغزوات وداوين الرجال، ولأن طلب العلم فريضة على المرأة وتعليمها واجب علي المجتمع، ولأن وضعها في الأسرة لا يسقط اسمها ولا يضع حقوقها السياسية والمدنية والشخصية تحت وصاية الرجال.

وأخيرا لأن حق المرأة  المساوي لحق الرجل في الحماية القانونية لم يكن أبدا محل جدل في الشرق الإسلامي. وإذا حدث أن انتهكت سلطة سياسية في دولة إسلامية حقوق النساء فلن يغير ذلك في أحكام القرآن ولا في تعاليم الدين الثابتة، بل يظل فسادا محدودا في إدارة مجتمع إسلامي بعينه.  
أما عن رسالة منظمة هيومن رايتس ووتش الأميركية حول المادة 36 السابق ذكرها وقولها بأنها تتعارض مع مبادئ القانون الدولي فهو خاطئ في كل نواحيه، لأن القانون الدولي لحقوق الإنسان لا يلزم الدول غير الموقعة علي الاتفاقيات أو المتحفظة عليها بتنفيذها إلا إذا تعلق الأمر بقاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العرفية، وهذا ما لا ينطبق على هذه الحالة.

وربما لو راجعت هيومن رايتس ووتش اتفاقية عدم التمييز ضد المرأة لاكتشفت أن مصر قد تحفظت على هذه الاتفاقية بنفس العبارات الواردة في المادة 36 واشترطت في تنفيذها عدم تعارضها مع قواعد الشريعة الإسلامية، مثلها مثل المملكة العربية السعودية والعراق ودولة الإمارات وماليزيا وغيرها من الدول الإسلامية.

وربما كان علي هيومن رايتس ووتش أن تقنع أولا دولتها الأم (الولايات المتحدة) بالمصادقة على اتفاقية إزالة كل أشكال التمييز ضد المرأة التي لم تصادق عليها بعد، قبل أن تبدأ بإسداء النصح للدول الإسلامية التي نصت شريعتها على حقوق المرأة قبل ثلاثة عشر قرنا من اعتراف الغرب بها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك