عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي

الحرب الباردة والرهان الجيوستراتيجي
عالم جديد في طور التشكل
من الحرب الباردة إلى الثورات العربية

يشهد العالم تحولات عميقة على مستوى العلاقات الدولية هي في الواقع جملة ارتدادات للنقلة الكبيرة التي تمت مع نهاية الثمانينات من القرن الماضي والتي تمثلت في سقوط المعسكر الشرقي ونهاية الحرب الباردة.

لكن وبالرغم من أن مجمل هذه التحولات أصبحت بارزة للعيان، إلا أن عديد التحليلات التي نقرأها اليوم على أعمدة الصحف والمواقع العربية مازالت تحافظ على نفس آليات التحليل القديمة من خلال تضخيم دور الرهان الجيوستراتيجي ومقولة مناطق النفوذ وكأن الحرب الباردة واقع متواصل.

أنماط هذا التحليل القديم تعكس فجوة بين النسق السريع لهذه التحولات وبين القدرة على التأقلم الفكري لفهمها وعلى إيجاد الآليات النظرية للتفكير فيها.

الحرب الباردة والرهان الجيوستراتيجي
كي نفهم أكثر ما يجري حاليا من تحولات، ومن ضمنها الثورات العربية، لا بد من العودة إلى الحقبة الماضية التي هيمن خلالها مفهوم الحرب الباردة والمواجهة بين المعسكرين للتذكير ببعض المعطيات.

لقد طغى على حقبة الحرب الباردة مفهوم المواجهة بين معسكرين فصلت بينهم خيارات اقتصادية، أيديولوجية وسياسية مختلفة. كان الظاهر أن هناك اختلافا بين نموذجين اقتصاديين أحدهما اشتراكي يعتمد على التخطيط وعلى القدرات الذاتية في التصنيع وذلك تحت إشراف الدولة، في حين واصل المعسكر الثاني نمط الاقتصاد الرأسمالي الذي ترسخ منذ الثورة الصناعية الأولى لبداية القرن التاسع عشر.

سياسية البحث عن حلفاء تفسر الوضع الشاذ الذي عاشه العالم خلال تلك فترة الحرب الباردة والمتمثل في تراجع الرهان الاقتصادي لصالح الرهان الأمني والجيوستراتيجي

أما على المستوى السياسي وبما أن الدولة كانت هي الحاضنة الرئيسية للعملية الاقتصادية فكان لا بد لإطار سياسي موحد يسند هذه الدولة. هكذا كانت هيمنة الحزب الواحد وهو الحزب الشيوعي، أو الأحزاب القومية أو الوطنية التي قادت المعركة ضد الاستعمار في حالة بلدان العالم الثالث (جبهة التحرير الجزائرية مثلا). مقابل ذلك حافظت البلدان الغربية كما نعلم على نموذجها التعددي المعتمد على الديمقراطية الانتخابية.

لقد مثل هذين البعدين، الاقتصادي والسياسي، المادة الأساسية للمواجهة الأيديولوجية بين النموذجين. وكانت القوى الفاعلة قد جندت في تلك الفترة كل جهودها لكسب هذه المواجهة سواء من خلال وسائل الإعلام والإنتاج الثقافي أو حتى من خلال المناسبات الرياضية الدولية. هذا ما يفسر انتشار تهم مثل الدعاية الشيوعية في البلدان الغربية والدول النامية التي تدور في فلكها أو تهم الدعاية الليبرالية والعمالة للغرب في حالة المعسكر الشرقي وحلفائه.

إن المواجهة بين المنظومتين الأيديولوجيتين يفسر ذلك السباق المحموم نحو ضمان أوسع انتشار ممكن لضمان التأثير، وهو ما أعطى للصراع بعدا مجاليا جغرافيا ترجم من خلال مقولات مثل مناطق النفوذ.

ضمن هذه المعادلة نفهم إذن هيمنة الهاجس الجيوستراتيجي الذي تمثل في السباق نحو التأثير على أوسع نطاق جغرافي ممكن وجمع الحلفاء، كما دل على ذلك بوضوح حلف بغداد سنة 1955 أو الصراع الأميركي السوفياتي حول كوبا. في تلك الفترة كانت كل نقطة جغرافية في العالم تكتسي أهمية جيوستراتيجية مهما كانت هامشيتها.

من جهة أخرى لم يكن بالإمكان ضمان هذا السباق الجيوستراتيجي دون اعتماد وسائل ضامنة للحفاظ على كل مجال تم إلحاقه. وضمن هذا الهاجس نفهم ذلك السباق نحو التسلح الذاتي ونحو تسليح الحلفاء كما نفهم تشكل المواجهة في صورة قطبين عسكريين هما حلف وارسو السوفياتي وحلف الناتو حول الولايات المتحدة. يفسر هذا البعد العسكري كذلك ما سمي آنذاك بتوازن الرعب اعتمادا على مختلف أسلحة الدمار الشامل ومن بينها الترسانات النووية.

مجمل هذه المسائل السياسية (البحث عن حلفاء) والعسكرية تفسر ذلك الوضع الشاذ الذي عاشه العالم خلال تلك الفترة والمتمثل في تراجع الرهان الاقتصادي لصالح الرهان الأمني والجيوستراتيجي أو لنقل أن الرهان الاقتصادي كان موجودا لكنه محتجب وراء الهاجس الأمني والمنافسة حول مناطق النفوذ. هناك جوانب أخرى بقيت مخفية بدورها وراء الستار الحديدي.

إذ كان من المفروض بعد الحرب العالمية الثانية أن يتم القطع مع منافسات الدول الوطنية التي أنتجت حربين مدمرتين. لكن ما حصل لم يكن في الواقع قطعا مع هذه المنافسة التقليدية بل كان في عمقه منافسة روسية أميركية بالرغم من وجود مفهوم المعسكر الذي يعني وجود تحالفات.

وقد أدت الحروب الإقليمية التي تسببت فيها هذه المنافسة إلى دخول العالم من جديد في شبح الحرب الشاملة، كما تعددت معاناة شعوب لم تكن في الواقع معنية بالمنافسة مثل فيتنام وكوريا أو تحت ظل الدكتاتوريات المدعومة من هذا الطرف أو ذاك. بهذا المعنى كانت العلاقات الدولية زمن الحرب الباردة نوعا من الخيانة لمفاهيم حقوق الإنسان والحريات التي تمخض عنها صلح الحرب العالمية الثانية.  

هكذا نفهم التغييب الكلي للرأي العام الداخلي في كل البلدان تقريبا ما عدا حركة مايو/آيار 1968 في فرنسا وحركة الحقوق المدنية ومناهضة الحرب في الولايات المتحدة. إذ لم تمثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان أولوية لا بالنسبة للأمم المتحدة التي انشغلت بضمان السلم العالمي ولا بالنسبة للدول الديمقراطية التي كان هاجسها الأول محاصرة المد السوفياتي. وهي معطيات مهمة لفهم ما يحصل الآن من أحداث وتحولات كما سنرى لاحقا.

بتراجع الهاجس الأمني والمنافسة حول النفوذ المجالي أصبح الاقتصاد هو الرهان الأساسي على مستوى العلاقات الدولية خاصة وأن هذا الاقتصاد يتم ضمن منظومة موحدة هي الليبرالية

عالم جديد في طور التشكل
مع نهاية الثمانينات كان انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه كما نعلم، وبدأت تظهر بموازاة مع ذلك بوادر تشكل عالم جيد. لكن انهيار الاتحاد السوفياتي والمرور نحو عالم أحادي القطب خلق في بداية الأمر نوعا من الفراغ السياسي الدولي مع هيمنة للبرالية متطرفة كان قد هيئ لها رونالد ريغان ومارغريت تاتشر.

وقد صاحب ذلك خلال مرحلة التسعينات من القرن الماضي تراجع كبير في أيديولوجيات الاحتجاج الاجتماعي (العمل النقابي مثلا). كما ساهمت الهجمات "الإرهابية" في سبتمبر/أيلول من سنة 2001 في زيادة خنق الحريات بدفع المحافظين الجدد بدعوى الحرب ضد الإرهاب. لكن هذه التوجهات تعد استثنائية ووليدة أحداث فجائية مثل غزو العراق للكويت أو هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. أي أنها لم تمس التوجه العام بعد نهاية الحرب الباردة باتجاه أسس ورهانات جديدة.

لم يعد للصراع الإيديولوجي مكانه، وتراجعت معه المنافسة الجيوسياسية لتفتح المجال أمام التعاون الاقتصادي والعسكري والتقني وخاصة في فترة رئاسة بوريس يلتسين. وقد برز ذلك بشكل واضح من خلال التعاون لتفكيك الترسانة النووية في روسيا وفي الولايات المتحدة.

بتراجع الهاجس الأمني وهاجس المنافسة حول النفوذ المجالي أصبح الاقتصاد هو الرهان الأساسي على مستوى العلاقات الدولية خاصة وأن هذا الاقتصاد يتم ضمن منظومة موحدة هي المنظومة الليبرالية وفي كل أنحاء العالم بما فيها الصين، الشيوعية سياسيا والرأسمالية اقتصاديا.

في هذا السياق نفهم حل حلف وارسو وتراجع الاعتمادات المالية المخصصة لحلف الناتو وتغير أولوياته، كما نفهم تراجع دور الجيش في بعض الأنظمة الحليفة للغرب مثل حالة الجيش التركي وتراجع الاهتمام بعدة جهات من العالم إلا في حدود ما تسمح به الربحية الاقتصادية ومثال أنغولا التي كانت مسرحا من مسارح الحرب الباردة، خير دليل على ذلك.

لم تعد الحروب خيارا محبذا لأنها مكلفة وتتسبب في زيادة النفقات العمومية، وهو ما لم تعد تسمح به وضعية الاقتصاد العالمي بعد أزمة سنة 2008 المالية وانعكاساتها على الأوضاع الاجتماعية الداخلية. 

من جهة أخرى فإن هذا الهاجس الاقتصادي لم يسترجع تلك المنافسة التقليدية بين اقتصاديات قومية لها هامش كبير من المناورة الوطنية. فالمنافسة الجديدة تتم في إطار اقتصاد مالي معولم أصبح توازنه وازدهاره شأن كل القوى الاقتصادية الفاعلة، وهذا ما يفسر تدخل الصين خلال الأزمة المالية الأخيرة لضخ أموال سيادية في البنوك المركزية الأوروبية بهدف الحفاظ على توازناتها خاصة وأن أوروبا تعد السوق الأولى للمنتجات الصينية.

من نتائج هذه التحولات كذلك عودة نوع من الحراك المجتمعي والسياسي الداخلي في أغلب البلدان وخاصة منها دول العالم الثالث نتيجة تراجع هاجس العلاقات الدولية مما سمح بالالتفات أكثر إلى الشأن الداخلي وإلى الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان. هكذا نفهم انتشار موجة من الدمقرطة في هذه البلدان مع نهاية التسعينات وبداية القرن الحالي.

بشكل غير مباشر صاحبت هذه التحولات العميقة تحولات أخرى على مستوى منهجية وآليات تحليل الأحداث العالمية. إذ لم يعد الأمر متركزا فقط على فهم دور العوامل الخارجية في تشكيل الأوضاع الداخلية للدول بل بفهم آليات الحراك الداخلي وطبيعته ثم العامل الخارجي كعامل مكمل أو ثانوي.

قد نضيف إلى ذلك أنه بسبب طبيعة هذه الرهانات الجديدة وترابط وتشابك العلاقات الاقتصادية وبفعل ثورة وسائل الاتصال، لم تعد الحدود واضحة بين الداخل والخارج، وأصبح ما هو داخلي هو بالضرورة خارجي ولكل خارجي امتدادات في الداخل.

من الحرب الباردة إلى الثورات العربية
بطبيعة الحال كان العالم العربي جزءا من هذه التحولات. ويمكن اعتبار تبعات الاجتياح العراقي للكويت سنة 1990 البداية الفعلية لدخوله نسق إعادة التشكل الجديد للعلاقات الدولية. فقد شاهدنا خلال حرب تحرير الكويت تحالف أعداء الأمس مثل المملكة السعودية، حليف الغرب، وسوريا البعثية، حليف الشرق، ضد صدام حسين.

تحولت الدولة العربية مع نهاية الحرب الباردة من طرف منظم للاقتصاد إلى وسيلة للإثراء السريع مع ما رافق ذلك من انتشار للفساد والتوريث, وهذه التحولات هيأت الظروف الموضوعية لاندلاع الثورات العربية

لكن هذا التحالف العربي الجديد كان ظرفيا بسبب اختلاف وجهات النظر من القضية الفلسطينية ومن المحادثات مع إسرائيل، وهو ما أعطى انشقاقا جديدا بين ما سمي بجبهة الممانعة وجبهة التفاوض. كان هذا على المستوى السياسي العام، لكن العالم العربي عاش نهاية الحقبة الشيوعية وانتصار الليبرالية بشكل مختلف. فعلى المستوى الاقتصادي بدأت الدولة تتراجع شيئا فشيئا عن دورها الاقتصادي، وفتحت المجال أوسع للاستثمار الخاص مما أنتج عقلية جديدة مبنية على الربح السريع كرمز للنجاح الاجتماعي.

وتحولت الدولة في حد ذاتها من طرف منظم للاقتصاد بشكل محايد إلى وسيلة للإثراء السريع، مع ما رافق ذلك من انتشار للفساد ومن توريث للدولة من الرؤساء لأبنائهم (أحمد علي عبد الله صالح، جمال مبارك، بشار الأسد، سيف الإسلام القذافي...) كانت مجمل هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قد هيأت الظروف الموضوعية لاندلاع الثورات العربية مع نهاية سنة 2010 في تونس.

لكن انتشار الفساد وخصخصة الدولة وتوريث الحكم بما يعنيه من انسداد للأفق السياسي في البلاد العربية لم يكن النتاج الوحيد للمتغيرات الدولية. ذلك أن تراجع الهاجس الخارجي، كما رأينا ذلك أعلاه، كان من ضمن نتائجه توجيه الاهتمام إلى الشأن الداخلي في ظل وضع إعلامي جديد تميز بسهولة النفاذ إلى المعلومة وسهولة نشرها.

ضمن هذه السياقات نفهم إذن حراك الثورات العربية باعتباره قبل كل شيء نتاجا لتراكمات داخلية هيئت الظروف الموضوعية العامة لانفجارها وربما بشكل لم يكن متوقعا خاصة في الحالة التونسية. أقول هذا كي لا نسقط في التحاليل البسيطة التي لا تكلف الفكر عناء البحث، وتفسر كل شيء بذكاء الخارج والآخر، وبعقليتهم المؤامراتية ضد مجتمع تم تجريده من أي قدرة على الفعل في واقعه وصناعة تاريخه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك