أكرم البني

أكرم البني

أكرم وجيه البني

 

بدأت تطغى في الآونة الأخيرة مواقف واستنتاجات سياسية تعبر عن القلق من انزياح الثورة السورية نحو الطابع الديني، ومن تنامي دور الإسلاميين على مختلف أطيافهم في صفوفها. قلق ربما خلقه انتماء الكتلة الأساسية من الحراك الشعبي إلى الإسلام، واعتماد المساجد محطات لانطلاق المظاهرات وربما بسبب الشعارات الدينية والتوظيف الرمزي لهتاف التكبير، وربما لأن أهم الكتائب المقاتلة حملت أسماء دينية فضلاً عن تنامي دور جبهة النصرة في الميدان العسكري، وربما بسبب خصوصية رياح التغيير العربي التي احتل فيها الإسلام السياسي وزناً كبيراً.

الوجه الإسلامي ما كان ليظهر على الثورة السورية لولا استمرار سلبية قطاعات مهمة من المجتمع وخاصة من الأقليات وإحجامها عن الانخراط في الثورة، ولولا واقع المعارضة السورية الضعيف والمشتت

ثمة أسباب عديدة تضافرت ودفعت الحراك الشعبي السوري دفعاً صوب أماكن لا يريدها ويعرف أنها قد تؤذي حلمه في الخلاص من الاستبداد وبناء دولة المواطنة والديمقراطية، تقع في القلب منها سياسات النظام الحاكم، الذي رفض معالجة الأزمة سياسياً ولم يتوان عن استخدام مختلف وسائل القمع والتنكيل وأكثرها ضراوة كي يعيد الناس إلى الأقفاص ويفرض من جديد مناخات الخوف والرعب، ربطاً بتمرير خطاب وممارسات تستنفر الغرائز المتخلفة لحرف الثورة عن جوهرها السياسي وبعدها الوطني، وتحويلها من ثورة ضد الاستبداد إلى صراع طائفي بين الأكثرية والأقليات.

تكامل ذلك مع قطع سبل التواصل بين الحراك الشعبي وبين الحقلين السياسي والثقافي، بدأت بحصار المعارضة وقوى المجتمع المدني ومنعها من تقديم ما تمتلكه من معرفة وخبرات إلى الشباب الثائر، انتهاء باستخدام الحديد والنار لإجهاض محاولات المتظاهرين التجمع والاعتصام في ساحة عامة تمنح الناس فرصة للتفاعل المباشر، ومروراً باستحضار ما تيسر من خلافات بين الفئات والطوائف، وتشجيع مروجي الأفكار الدينية المتطرفة، وفي الطريق المبالغة في تحميل بعض الهتافات مضامين طائفية حاقدة لاستفزاز الشعور الخاص لدى بقية فئات المجتمع كي تستمر في خوفها من التغيير.

ونضيف بأن الوجه الإسلامي ما كان ليظهر على الثورة السورية لولا استمرار سلبية قطاعات مهمة من المجتمع وخاصة من الأقليات وإحجامها عن الانخراط في الثورة، ولولا واقع المعارضة السورية الضعيف والمشتت، فالخلافات مفهومة ومفسرة بين أطرافها لكن استمرارها غير مبرر أمام عظمة ما يقدمه الناس من تضحيات، وبلا شك حين تكشف المعارضة عن رؤية سياسية واضحة لخصوصية الثورة وتسقط المراهنات على مسار ونتائج مقاربة لما حصل في الثورات العربية الأخرى، وتتمكن من رص صفوفها وكسب ثقة المجتمع، تغدو صاحبة اليد الطولى في توجيه الحراك الثوري وتمكينه، وإفشال محاولات بعض الفعاليات الدينية السلفية إضرام النار في وقود الطائفية أملاً في زعزعة النظام وإحداث تصدعات في مكوناته على أسس مذهبية أو طائفية.

وأيضاً ما شجع الميل نحو الطابع الديني، موقف العالم والعرب من الثورة السورية، وهذا الإهمال المثير للقلق والتخبط فيما يمكن أن يفعلوه تجاه قهر وتنكيل لم يعرفا حدوداً، وربما كرد حانق على تصريحات دولية رفضت حكومة إسلامية في سوريا، أو على أولوية الاشتراطات الغربية حول حماية الأقليات وضمان حقوقها.

ويبقى السؤال، حين يزداد الضغط والضرر والألم، وتتوالى خيبات الأمل من دور محلي أو عربي أو عالمي مساند، ألا يفقد المحتجون صبرهم وتهتز ثقتهم بالآخر أيا يكن؟ وحين يترك الشعب السوري وحيداً في محنته، أليس مفهوماً، أن يجد في الله والدين خير ملاذ ومعين، وأن يستقوي بمخزون إيمانه ليتمكن من الاستمرار والصمود، في مواجهة ما يتعرض له من قمع مروع لا يترك دوراً لمنطق سليم أو عقل يفكر؟!

نعم، علينا أن ننظر إلى الواقع كما هو عليه، لا كما ترسمه تخوفاتنا أو مبالغاتنا، والتمييز بين اضطرار الحراك الشعبي لتوظيف ذخيرته الإيمانية وللاحتماء بالهتافات الدينية والشعارات الإسلامية وبين الخطاب الطائفي الاستدعائي وتداعياته العنفية السلبية، والقصد أن الحديث عن الوجه الإسلامي للثورة السورية هو حديث عن مروحة واسعة من القوى السياسية والجماعات الدينية والأهم عن فئات شعبية واسعة وجدت في الملاذ الديني عزاء روحياً يعينها على مواجهة واقع قائم على الاستبداد والفساد وأوضاع تنموية ومعيشية مذرية كرست تبايناً صارخاً بين قلة من ملاك الثروة والمتسلطين وجموع غفيرة يكويها التمييز والقهر والحرمان.

بداية هناك الإسلام الشعبي العفوي الذي ينمو وينتشر في القرى والأرياف وأحزمة المدن الفقيرة، والذي يثير بطقوسه وشعائره الجمعية حالة من التضامن والتكافل بين الناس تعينهم على ما هم فيه، خاصة وأن الدين يشكل لدى عموم السوريين أحد عوامل الضبط والتماسك الاجتماعيين ويعد عند الكثيرين المعيار القيمي الذي يحول دون الانفلات والتردي الأخلاقي، وهذا النوع من الإسلاميين لا يخضع عادة لأحزاب دينية ولا يحكمه مشروع أو برنامج سياسي محدد، بل يشكل خزاناً بشرياً تتنافس قوى وتنظيمات الإسلام السياسي عليه.
 
علينا أن ننظر إلى الواقع كما هو عليه، لا كما ترسمه تخوفاتنا أو مبالغاتنا، والتمييز بين اضطرار الحراك الشعبي لتوظيف ذخيرته الإيمانية وبين الخطاب الطائفي الاستدعائي وتداعياته العنفية السلبية
ومنه توالدت جموع كان لها دور عفوي كبير في انطلاق الحراك السوري وفي مده بأسباب الاستمرار وبالتضحيات الثمينة، خاصة مع بروز هم جامع وملح لدى غالبيتهم حفزته الثورات العربية في إحداث تغيير في المجتمع يضمن لهم كرامتهم وحقوقهم ويزيل التمييز والفوارق من كل الجوانب الحياتية التي عانوا منها طيلة عقود، وما عزز حضورهم ومشاركتهم الاختيار الرمزي ليوم الجمعة من أجل تسخين الاحتجاجات واعتماد المساجد محطات للتجمع وانطلاق المظاهرات، ولجوء المحتجين إلى بعض الهتافات والشعارات الدينية في مواكب التشييع، والأهم أثر القمع المعمم والعنف المفرط في كسر حياد الكثيرين منهم وجرهم جراً لخوض غمار هذا التحدي!

من جهة أخرى، ثمة إسلاميون شبه منظمين هم أشبه بجماعات تلتف حول بعض المشايخ وعلماء الدين وتمحضهم الولاء والثقة، منها من اقتدت بنجاح النموذج التركي الذي حفر عميقاً في البيئة الإسلامية السورية مشجعاً نمو تشكيلات على صورته ومثاله، انضوت تحت عنوان التيار الإسلامي الديمقراطي، ومنها من انساقت خلف رؤى صوفية أو أفكار تدعو إلى اللاعنف وتسييد لغة الحوار والعقل، ومنها كانت الجماعات السلفية ثم التيارات الجهادية، التي وجدت في الاحتقان غير المسبوق للغرائز الطائفية تربة خصبة لتطورها، لم تحد منه أو تضعفه قوة النقد الذي تعرضت له من الأحزاب الإسلامية وبأنها بتطرفها قد أساءت للحراك الشعبي وأفقدته تعاطف الناس وجرته إلى تحديات خطرة كان في غنى عنها.

فالحق يقال، إنه وطرداً مع ازدياد شدة القمع والتنكيل والانزياح الطائفي، ازدادت الدعوات للتطرف والجهاد، وازداد الرصيد الشعبي لهذه الجماعات، كما الالتفاف حول شعاراتها ورموزها، خاصة من أولئك الذين لم تعد لديهم قدرة على تحمل المزيد من القهر وفقدوا الأمل بأي معين، محلي أو عربي أو أممي يرد عنهم بعض الأذى والضرر، زاد الأمر تعقيدا انعقاد ما سمي بجبهة نصرة الإسلام في بلاد الشام والتي استجرت من شتى بقاع الأرض دعماً من الجماعات الجهادية ومشاركة مباشرة لكوادرها باعتبار ما يجري في سوريا معركة مصيرية يقف على نتائجها استمرار هذا النوع من الإسلاميين ومستقبلهم.

ومن زاوية العمل السياسي المنظم، يحتل الإخوان المسلمون الموقع الأبرز بين الأحزاب الدينية في سوريا، ليس فقط لأن التنظيمات الأخرى غير مؤثرة أو وازنة، كحزب التحرير الإسلامي الذي يبدو ضعيف الحضور والانتشار، وقد تعرض لحملة الاعتقالات طاولت، مطلع الألفية، أهم كوادره في دمشق وحمص وحلب، وإنما أيضاً لأن الإخوان المسلمين كانوا الشغل الشاغل للبلاد في غير مناسبة ولم يغيبوا عن المشهد السياسي، ولأنهم استطاعوا بعد سنوات الملاحقة والقمع الشديد، الوقوف نقدياً من الماضي وتجديد حضورهم عبر رؤية سياسية جديدة استندت إلى مطالب الناس في الحرية والكرامة ودولة المواطنة، ما أهلهم للمشاركة في أكثر من ائتلاف سياسي معارض، في إعلان دمشق وفي جبهة الإنقاذ، ثم المجلس الوطني السوري، وأخيراً في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.

إن تمسك الإخوان المسلمين بالروح التشاركية وانضوائهم في صفوف المعارضة السياسية، إذ يدل على جدية مراجعتهم النقدية وما خلصوا إليه حول احتكامهم للعملية الديمقراطية، فإنه لم يقنع الجميع، وثمة من لا يزال يطعن بصدقية مواقفهم ويثير الشكوك حول جدية تحول جماعة دينية تميزت تاريخياً بعصبيتها الأيديولوجية وبأساليبها العنفية نحو الديمقراطية، خاصة وأنها لا تزال برأيهم تحمل اسما ذا مدلول طائفي يجعلها ساحة خصبة لنمو اجتهادات واندفاعات تهدد خيارها الديمقراطي.

ويعتقد هؤلاء أن هذا التنظيم يضمر عموماً غير ما يظهر وإنه لبس رداء المدنية والديمقراطية لإعادة بناء جسور التواصل شعبياً وسياسياً بعد هزيمته في مطلع الثمانينيات، ولإزالة المخاوف بصورة مؤقتة لدى المجتمعين الدولي والعربي وعند العلمانيين واليساريين والأقليات جراء صعوبة تحقيق انتصار حاسم نحو التغيير في مجتمع تعددي إذا لم يصر إلى كسب هذه الأطراف، محذرين من المستقبل وبأنه لن يمر وقت طويل حتى تتكشف الحقيقة، وتعود حليمة لعادتها القديمة.

يجب على الإسلاميين محاربة كل أشكال التعصب والتطرف وإثبات عمق التزامهم بقيم الثورة في الحرية والكرامة, للرد على محاولات الطعن بصدقيتهم

لكن، مع أخذ ما سبق بعين التفهم وتوخي الحذر واليقظة في التعاطي مع مسألة تحوز هذه الحساسية الخاصة، ثمة من يجد أن الرصد الموضوعي لجماعة الإخوان المسلمين السوريين يظهر تمايزاً وحرصاً على احترام المراجعة النقدية التي أجرتها، إما بسبب مرارة ما عانته في صراعها الدموي مع النظام وإفادتها من تجارب الإسلام السياسي وانتكاساته، وإما بسبب تنوع تركيبة المجتمع السوري وظاهرة التعددية القومية والدينية التي تميزه، وإما اقتداء بنجاح نموذج الجارة تركيا والرغبة في تمثله.

 

ويجد أصحاب هذا الرأي أن ما أعطى هذه المراجعة دفعة كبيرة إلى الأمام أن غالبية قيادة الإخوان المسلمين عاشت في المنافي وترك احتكاكهم لسنوات طويلة بالثقافة الأوروبية بصمات مهمة على أفكارهم ومواقفهم، من دون إغفال أثر تجربة السجون ودورها في تعريف العديد من كوادرهم على الآخر المختلف، ما ساهم في تخفيف غلوائهم وتشجيعهم على بناء الثقة بطرائق الحوار والتفاعل مع الآخرين وتفهم حقوقهم وخصوصياتهم.

والحال، وأياً يكن وزن الإسلاميين على اختلاف أطيافهم في الحراك الشعبي، وأياً يكن دورهم، فإن عليهم مسؤولية كبيرة لا تحتمل التأجيل في خصوصية المجتمع السوري وطابع مكوناته، تتمثل في محاربة كل أشكال التعصب والتطرف وإثبات عمق التزامهم بقيم الثورة في الحرية والكرامة واحترام حقوق الإنسان، للرد على محاولات الطعن بصدقيتهم ولدحض هواجس ومخاوف تتنامى لدى الناس من حالات الفرز الديني أو الطائفي!

لا أحد يرغب في رؤية المزيد من الانتكاسات السياسية والاحتقانات الاجتماعية في الحالة السورية، أو المزيد من الاصطفاف الديني أو الطائفي أو القبلي، وأن يكون لهذه التكوينات ما قبل الدولة دور رئيس في تحريك الحياة السياسية، ولا أحد يرغب في رؤية هواجس ومخاوف تتنامى لدى الناس من تحولات طائفية دراماتيكية تحدث خللاً بنيوياً في البلاد قد يكون مدمراً.

لكن ثمة من يأمل ويسأل، هل ستحمل التجربة السورية جديداً وتغدو بثورتها المتميزة محكاً يثبت بالملموس قدرة الإسلاميين والشباب المتدين في أن يكونوا مصدر غنى للحياة الديمقراطية، وفي أنهم الطرف الأجرأ على رفض أساليب التسلط والإرهاب والاستئثار والأكثر إخلاصاً لقيم الحرية والتعددية والدولة المدنية، والأكثر تفانياً في حمل المسؤولية التاريخية لتجاوز العجز الديمقراطي الذي يسم المجتمعات العربية؟!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك