مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني

اتجاهات ثلاثة
واقع مرتبك
نظرية وطنية جديدة

تتوزع حركة حماس بين جواذب ثلاثة تشدّها في مسارات مختلفة في غمرة التحديات العاصفة التي تفرضها المرحلة الراهنة، ما أقحم الساحة الفلسطينية في أتون مرحلة ارتباك إستراتيجي، وخصوصا في ظل الفراغ الهائل الذي خلّفته حركة فتح بفعل فشل مشروعها الوطني، في وقت كان يُفترض فيه منح الأولوية المطلقة لإنفاذ مرحلة التحرر الوطني ومتطلباتها المختلفة بعيدا عن اختلاط الاتجاهات والمسارات الذي باعد بين الفلسطينيين وبين هدف التحرير المنشود.

وهكذا، فإن حركة حماس التي تتطلع إلى قيادة المشروع الوطني الفلسطيني تجد نفسها مجبرة اليوم على إعادة صياغة أولوياتها وأنماط تفكيرها الإستراتيجي بعيدا عن تشتت الاجتهادات والخيارات المتحركة التي أربكت اتجاهات البوصلة الوطنية الفلسطينية طيلة المرحلة الماضية.

اتجاهات ثلاثة
الجذب الأول يشدّ حماس في اتجاه أصلها وجذورها ومنابتها كحركة إسلامية انطلقت من أجل تغيير الواقع، وتكريس القيم والأخلاق الدينية، واستئناف الحياة الإسلامية في المجتمع. أما الجذب الثاني فيشدّها في اتجاه مواكبة المتغيرات السياسية التي طرأت على المعادلة الفلسطينية الداخلية عبر انخراط حركة حماس في المشهد الانتخابي وفوزها بالأغلبية البرلمانية واقتحامها للنظام السياسي الفلسطيني من أوسع بواباته، وما تلا ذلك من تشكيل حكومة منفردة وأخرى وحدوية وغير ذلك من تجليات العمل السياسي الذي اكتسى بالصبغة الرسمية، وما اقتضاه ذلك من حرص على التهدئة مع الاحتلال لصالح الحفاظ على البناء والمنظومة السلطوية.

لم يأتِ تشتت الخيارات والاتجاهات الوطنية في إطار التفكير الإستراتيجي لحركة حماس إلا بثمار مشوهة ونتائج عكسية تجلت في قرارات غريبة وسلوكيات قاسية

بينما يشدّها الجذب الأخير إلى أسباب ومبررات النشأة والانطلاق وطنيا، وينحاز بها إلى الوفاء لمقتضيات مرحلة التحرر الوطني من الاحتلال التي تعطي الأولوية المطلقة لمسار المقاومة والكفاح حتى نيل الحرية ودحر الاحتلال.

واقع الحال أن اتساع الوعاء التنظيمي للحركة الإسلامية الفلسطينية قد أسهم في تعدد الاتجاهات الناظمة لتفكيرها الإستراتيجي، وخصوصا في السنوات الأخيرة التي تلت الانخراط في النظام السياسي الفلسطيني وبنى ومؤسسات السلطة الفلسطينية، ما أوقع الحركة في أتون مرحلة رمادية ذات خيارات متحركة بعيدا عن الحسم الإستراتيجي.

قد يكون من الخفّة والسذاجة بمكان تحديد خيار أو اتجاه إستراتيجي وحيد بمعزل عن الخيارين والاتجاهين الآخرين، وذلك بحكم الواقع الفلسطيني كثير التشابك والتعقيد، وما أرسته المعادلة الفلسطينية الداخلية من إفرازات مؤثرة خلال المرحلة الماضية يستحيل كشطها بجرة قلم أو تجاوزها برغبة مجردة معزولة عن سيرورة الأحداث وسياقات الواقع.

لكن مقتضيات المرحلة واعتبارات الواقع تفرض –في المقابل- نزوعا نحو تحديد الأولوية الأكثر إلحاحا التي تتوافق مع المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني وقضيته، والمصلحة العليا لحركة حماس في ذات الوقت، وضمان تطويع الاتجاهين الآخرين وتكييفهما قدر الإمكان وفق مقتضيات الأولوية الأكثر إلحاحا دون إخلال أو ارتباك.

ولا جدال في أن أولوية التحرر الوطني ينبغي أن تحتل موقعها المتقدم على الساحة الفلسطينية، وأن يُفرد لها من الرؤى والآليات الكفيلة بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وإعادة صياغة الواقع الفلسطيني من جديد بما ينسجم مع هذه الأولوية ومقتضياتها الكبرى.

لم يأتِ تشتت الخيارات والاتجاهات الوطنية في إطار التفكير الإستراتيجي لحركة حماس إلا بثمار مشوهة ونتائج عكسية تجلت في قرارات غريبة وسلوكيات قاسية على المستوى الاجتماعي من جهة، وممارسة سياسية دارت في فلك واقع موبوء وهياكل خربة، وتغولت في كثير من الأحيان على ضرورات استمرار الفعل الكفاحي المقاوم من جهة أخرى.

يصعب أو يستحيل الجمع بين مفاعيل الاتجاهات الثلاثة في قالب واحد، فقد رأينا كيف يمكن لحملة ذات صفة قيمية وأخلاقية تقودها وزارة الداخلية في غزة أن تضر بالأسهم الشعبية للحركة، وتثير انتقاد العديد من الشرائح المجتمعية في هذه المرحلة التي يطغى فيها الاحتلال، في وقت يُفترض أن تكون فيه الأكثر حرصا على تحشيد كافة الشرائح المجتمعية دون استثناء في معركة التحرر الوطني ضد الاحتلال.

كما رأينا كيف يمكن للإفراط في التمسك بالكيان السلطوي والاستغراق في دوامة العمل السياسي أن يحدّ من الجهد المقاوم، ويقصره على البعد الدفاعي، في وقت يُفترض فيه تطوير كافة أشكال وآليات العمل المقاوم ضد الاحتلال.

واقع مرتبك
تأسيسا على ذلك، عاشت الساحة الفلسطينية الداخلية ارتباكا إستراتيجيا، واختلالا في القدرة على ضبط البوصلة الوطنية في اتجاه هدف التحرير المنشود. وحين ندرك حجم الفراغ الهائل الذي تركته حركة فتح على ساحة العمل الوطني الفلسطيني إثر انكفاء مشروعها الوطني الذي نافحت عنه طيلة العقدين الماضيين، وعجز بقية الفصائل الفلسطينية عن ملء الفراغ وتصدّر المشهد الوطني، يمكن –حينها- إدراك حجم المأزق الذي تتخبط فيه الساحة الفلسطينية هذه الأيام.

عجزت الفصائل الفلسطينية عن تقديم نموذج قيادي بديل يتولى طيّ صفحة المرحلة الماضية بكل نواقصها وسلبياتها، وخلق آليات وطنية جديدة تنسجم مع متطلبات مرحلة التحرر الوطني

لقد عجزت الفصائل الفلسطينية عن تقديم نموذج قيادي بديل يتولى طيّ صفحة المرحلة الماضية بكل نواقصها وسلبياتها، وخلق آليات وطنية جديدة تنسجم مع متطلبات مرحلة التحرر الوطني بمعزل عن النوازع الفصائلية والأجندة السياسية التي حرفت المسار الوطني الفلسطيني عن أهدافه الحقيقية، وخصوصا في مرحلة تشكيل السلطة الفلسطينية التي خلقت نظاما وهياكل وإطارات تتعاطي مع الاحتلال وتحمي كيانه وتقر بشرعية وجوده على الأرض الفلسطينية.

تبعا لذلك، تاهت بوصلة التحرير في خضم الاجتهادات الوطنية التي أنتجت رؤى متعددة تعاطت مع الواقع الاحتلالي بآليات غير مناسبة من خلال الانخراط في نظام سياسي محكوم بقواعد أوسلو، ما أثمر عن إطالة أمد مرحلة التحرر الوطني بدلا من تقصيرها، والدخول في دوامة من الإشكاليات التكتيكية والمعوقات الإستراتيجية عقب تقلد حماس زمام العمل الحكومي وتحمل المسؤولية عن مصائر الناس وحياة المجتمع.

كل ذلك، جعل كلفة الحفاظ على كيان السلطة التي أنتجتها أوسلو، وحاولت حماس إعادة صياغة دورها وظيفيا، باهظة الثمن، فقد دخلت على خط المعادلة الفلسطينية عناصر ومتغيرات جديدة قيدت حماس وأثقلت كاهلها وحدّت من قدرتها على إنجاز مشروعها الوطني، وأنهكت مخزون قواها في صراعات داخلية عقيمة، واستنزفت فكرها في الانشغال في كيفية تأمين احتياجات المجتمع الفلسطيني، في وقت كان يفترض فيه حثّ الخطى صوب أشواط أوسع في إطار مسيرة التحرر من الاحتلال.

لم يكن واضحا من قبل أن الحركة قد تبلغ شوطا بعيدا في سياق استغراقها في العمل السياسي، وأنها قد تفقد التوازن المطلوب بين السياسة والمقاومة في يوم من الأيام، إذ لعب ضعف الخبرة السياسية لديها دورا هاما في إضعاف القدرة على إنضاج تقديرات إستراتيجية تحمي من تشعبات المرحلة وتحديات الواقع، وتشدّ الحركة في اتجاه التحرر الوطني كاتجاه رئيس ومحور ارتكاز أساس دون إغفال لمتطلبات العمل السياسي وتكتيكاته المعروفة.

لا يمكن تصور مسيرة تحرر وطني لا يظللها العمل السياسي الجاد القاطف للثمار، لكن الفرق أوسع ما يكون بين مسيرة تحرر وطني ذات أولوية وأقل تأثرا بالاعتبارات والقيود السياسية الضارة، وبين مسيرة تحرر وطني متعثرة ومثقلة بهموم وأعباء السياسة وتحديات الحفاظ على السلطة والمجتمع.

في غمرة المرحلة الراهنة تراجع خيار المقاومة قسريا إلى المرتبة الثانية بعد الخيار السياسي، واكتست التعقيدات جوانب المرحلة وتفاصيل الواقع، وطفت إلى السطح أمراض سياسية واجتماعية وتربوية خطيرة أضافت إلى المشهد الوطني الفلسطيني الراهن مزيدا من التشتت والتعقيد فوق تشتته وتعقيداته الحالية. 

وبطبيعة الحال، فإن هناك الكثير مما قيل عن ضرورة إعادة الاعتبار للمقاومة كي تأخذ دورها المبادر وليس الدفاعي في إطار التدافع والصراع مع الاحتلال بين ثنايا مرحلة الانقسام الراهنة، لكن تقدم الاتجاه السياسي كأولوية واقعية يجعل من هذا الطموح أمرا غير واقعي، ومحاولة لمحاكاة الأماني المجردة بعيدا عن المعطيات الصادمة.

نظرية وطنية جديدة
في سبل إعادة الاعتبار لمسيرة التحرر الوطني الفلسطيني في فهم وأجندة حركة حماس ضرورة ماسة لصوغ نظرية وطنية جديدة تسهم في حل الإشكاليات وفك التناقضات الحاصلة بين اتجاه التحرر الوطني، واتجاه العمل السياسي السلطوي، واتجاه الأسلمة واستئناف الحياة الإسلامية في المجتمع، وتمنح الحركة القدرة على ملء الفراغ الواسع الذي خلّفته حركة فتح، وتكريس ذاتها كحركة قائدة للمشروع الوطني الفلسطيني على أسس سليمة.

النظرية الوطنية الجديدة المتوخاة ذات أضلاع سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية أساسية، ولن يكتمل مسير التحرر الوطني الفلسطيني على النحو المطلوب إلا بتضافرها جميعا كوحدة واحدة دون أي بخس أو انتقاص.

سياسيا، لا مناص من تكريس رؤية سياسية جديدة لدى حماس تعتمد على إعادة بلورة الأهداف والوسائل السياسية بما يتفق مع مسار التحرر الوطني، وإعادة بناء الموقف السياسي تجاه الأحداث والقضايا المختلفة وفقا لمدى وطبيعة القرب من هدف التحرر المنشود.

تكريس قيم التوافق والشراكة الوطنية يشكل إحدى القواعد الأساسية المعضدة لنجاح أية رؤية سياسية جديدة، فالثابت أن مرحلة التحرر الوطني تستلزم بناء المواقف وتحشيد مختلف الطاقات الوطنية، شعبيا وفصائليا، دون استثناء، في إطار المعركة الكبرى مع الاحتلال، وانتهاج سبل التنسيق الجاد والتعاون المثمر مع الكل الوطني على أرضية المشتركات الكبرى التي يوفرها العمل المشترك في مواجهة الاحتلال.

إعادة تقدير الموقف من مسألة الانخراط غير المحسوب في مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني تشكل –أيضا- حاجة بالغة الضرورة على طريق إعادة ضبط بوصلة الرؤية والخطاب السياسي في الاتجاه التحرري المنشود، فقد بات واضحا لكل ذي عينين أن حماس لا تقوى على استمرار تجرع كلفة الانسياق مع متطلبات المرحلة السلطوية ذات الكيان الإداري المرتبط عضويا بأوسلو في ظل تحكم الاحتلال بالكمّ الأكبر من المقومات الاقتصادية والموارد الحياتية اللازمة لتسيير حياة الفلسطينيين.

المهمة الأكثر إلحاحا التي تنتظر حماس تكمن في إعادة صوغ الدور الوظيفي للسلطة ومؤسساتها المختلفة، وضمان نزع أبعاده السياسية الخادمة للاحتلال ومشروعه الأمني لصالح أبعاد إدارية بحتة خادمة للشعب الفلسطيني ومعززة لمشروعه التحرري.

يتأسس على ذلك رؤية إبداعية خلاقة تنأى بالحركة ورموزها عن التماس المباشر مع هياكل السلطة وإطاراتها المختلفة لصالح اعتماد مرشحين أكفاء أكثر ابتعادا عن الروح الحزبية في ظل رقابة صارمة تضمن حسن وسلامة الأداء المهني وإعمال مبادئ العدالة من جهة، والتحلل من آثار الروابط والالتزامات السياسية مع الاحتلال من جهة أخرى.

المهمة الأكثر إلحاحا التي تنتظر حماس تكمن في إعادة صوغ الدور الوظيفي للسلطة ومؤسساتها المختلفة، وضمان نزع أبعاده السياسية الخادمة للاحتلال ومشروعه الأمني

اقتصاديا، ينبغي قولبة العمل الاقتصادي الفلسطيني وإطاراته المختلفة في الاتجاه الوطني الخالص بعيدا عن الارتباط بقيود الاتفاقيات الاقتصادية مع الاحتلال، وتوطين الذات الاقتصادية على الاعتماد على الموارد المحلية قدر الإمكان، وتهيئة البنى والهياكل الاقتصادية الفلسطينية للانسجام مع متطلبات الاقتصاد المقاوم الذي يتناسب مع مرحلة التحرر الوطني ويخدم أهدافها.

اجتماعيا، يجب إعمال منطق الحكمة في ترتيب الأولويات بما يخدم أهداف التحرر الوطني، والبحث في كل ما يضمن تجنيد وتحشيد كافة الشرائح الشعبية الفلسطينية في معركة التحرر ضد الاحتلال على كافة مستوياتها، ما يعني حسن التعامل والتواصل مع الناس على قدم المساواة وتوطيد العلاقات معهم بعيدا عن المحاباة الشخصية أو الولاء الحزبي، وتلمس همومهم ومعاناتهم وشؤون معاشهم، وتأجيل الأفكار والسياسات ذات الطابع القيمي الخاصة بأسلمة المجتمع إلى ما بعد إنجاز الحرية والتحرير، وخصوصا في ظل التدين الفطري للمجتمع الفلسطيني، واستجابته الطبيعية لمظاهر التوعية والدعوة والإرشاد بعيدا عن منطق الفرض والإكراه المنبوذ.

ثقافيا، يُفترض التحلي بأكبر قدر من التواضع الفكري والثقافي والأيديولوجي مع الجميع، وخاصة مع المخالفين، وتجنب التعاطي الفوقي مع هؤلاء، وعدم الانعزال أو الابتعاد عنهم، والحرص على إبداء المحاججة الثقافية والحوار السياسي والفكري الهادئ الذي يسهم في ترطيب الأجواء وتأليف القلوب، ما يعبّد الطريق نحو استيعاب مختلف فئات وشرائح المجتمع لصالح النهج المقاوم ومسار التحرير.

باختصار.. فإن اختيار أولوية التحرر الوطني يقتضي من حماس إعادة صياغة كاملة لكثير من الرؤى والإستراتيجيات والآليات والبنى والهياكل القائمة، وهي –بلا شك- جهد ضخم ومهمة جليلة ذات تكاليف ثقيلة، إلا أنها تعيد رسم خارطة العمل الوطني الفلسطيني من جديد على أسس سليمة، كما تعيد ضبط البوصلة الوطنية في اتجاه الاحتلال، وتضمن تحشيد كل الجهود الشعبية والفصائلية وتوظيف كل الطاقات الوطنية الفلسطينية في مسار معركة التحرر ضد الاحتلال بعيدا عن المعارك الجانبية والمسارات الفرعية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك