ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

بدايات العسكرة
معادلة جامدة
مشكلات تكوينية
السؤال عن الإستراتيجية

العسكرة وارتهاناتها
مشكلات وتحديات

بدأت الثورة السورية باعتبارها ثورة شعبية، وسلمية، وعفوية، ليس وراءها حزب معيّن، ولا يحكمها برنامج محدّد، متمثّلة في ذلك تجارب ما سبقها من ثورات لاسيما في تونس ومصر واليمن وليبيا، إن بمظاهراتها وتجمّعاتها الحاشدة في شوارع العديد من المدن، أو في شعاراتها المتعلّقة بإسقاط النظام، وإقامة نظام ديمقراطي يتأسّس على دستور يضمن الحرية والكرامة والعدالة للسوريين جميعاً.

بدايات العسكرة
وكما بات معلوماً فإن هذه المرحلة من الثورة السلمية لم تعمّر طويلاً، إذ أنها انتهت بعد ستة أشهر، بسبب تعمّد النظام، الذي بدا متأهّباً لهذه اللحظة، التعامل مع الثورة بطريقة عنيفة واستئصالية، مستفيداً من تجارب الأنظمة التي سقطت قبله، وهو ما ظهر في مواجهته الوحشية للمتظاهرين، بالرصاص الحي، وعصابات الشبيحة، والاعتقالات العشوائية، وتحديدا باستخدام الجيش في قمع المتظاهرين في مدن حماه وحمص ودمشق.

التطور الأبرز في مسار تحول الثورة السورية العسكرية تمثّل بقيام مجموعات من "الجيش الحر" بالدخول إلى حلب في يوليو/تموز 2012 وانتزاع أجزاء كبيرة منها من يد النظام

هكذا أخذت الثورة السورية تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى ثورة مسلحة، لاسيما بعد الانشقاقات في الجيش النظامي، التي أفرزت ظاهرة "الجيش الحر"، من رافضي أوامر إطلاق النار على المتظاهرين. وفي حينه أخذ هذا الجيش الوليد على عاتقه مهمة حماية المتظاهرين، والبيئات الشعبية الحاضنة للثورة، التي تطوّرت بعدها إلى حدّ شنّ هجمات على قواعد النظام الأمنية لإضعافها وضعضعتها.

ومعلوم أن هذا التطوّر أدى بدوره إلى قيام النظام بإدخال سلاحي الطيران والمدفعية وقوات النخبة في عملياته العسكرية، الأمر الذي نجم عنه إشاعة الخراب في كثير من أحياء المدن السورية، وتدمير ممتلكات السوريين في الأحياء الثائرة، وتشريدهم، في محاولة منه لرفع كلفة الثورة، وحرمانها من البيئات الشعبية الحاضنة لها.

لكن التطور الأبرز في مسار تحول الثورة السورية نحو الثورة المسلحة تمثّل بقيام مجموعات من "الجيش الحر" بالدخول إلى مدينة حلب (يوليو/تموز 2012) وانتزاع أجزاء كبيرة منها من يد النظام، الأمر الذي أكد تطوّر القدرات العسكرية للثورة السورية، وتمكّنها من كسر شوكة "النظام" في مدينة كبيرة. وبالمحصلة فإن ما حدث في حلب حدث مثله في محافظات الشمال والشرق السوريين (إدلب والرقة والدير)، والأهم أنه حصل في بعض أحياء دمشق وريفها ثم في درعا.

معادلة جامدة
اللافت أن كل هذه التطوّرات، على أهميتها، لم تحدث بعد فرقاّ كبيراً في الصراع الدائر، فما زال النظام موجودا في حلب، رغم إعلان "الجيش الحر" مراراً أنه سينهي الأمر نهائياً خلال أيام. فضلاً عن ذلك فإن المدن الكبيرة مازالت تحت سيطرة النظام، وضمنه مدن الساحل وحمص وحماه، ناهيك عن سيطرته في العاصمة دمشق، رغم كل التضحيات والمعاناة والبطولات، والمشكلة أن هذا الواقع بات له حوالي ثمانية أشهر، أي أننا إزاء حالة "جمود"، أو توازن، في الصراع بين الطرفين، أقله في المدى المنظور.

أما تفسير ذلك فيمكن إحالته إلى عدّة أسباب، أولها، أن "الجوزة" الصلبة لهذا النظام لم تنكسر بعد إلى المستوى المطلوب، لاسيما بسبب الدعم الذي يلقاه من إيران وروسيا. وثانيها، أنه لا يوجد قرار دولي بتغيير هذه المعادلات، حتى الآن، لاعتبارات مختلفة تخصّ كل طرف من الفاعلين الدوليين والإقليميين.

وثالثها، أن ثمة إنهاكا واستنزافا كبيرين للمجتمع السوري، بسبب تعمّد النظام رفع كلفة الثورة، بقصفه الأحياء الشعبية بالصواريخ من الجو والبر، مع تدمير الممتلكات والعمران وتشريد الناس وتوقّف الأعمال، وهو واقع صعّب عل كتل مجتمعية واسعة الانخراط في هذا الصراع، والتعجيل بحسمه.

على هذا النحو إذاً دخلت الثورة السورية في مجال التسلّح والعسكرة والعنف، والمشكلة أن ردّ الفعل هذا كان من طبيعة الثورة ذاتها، أي أنه جاء عفوياً، ويفتقر إلى التنظيم، وليست له هيكلية واضحة، ولا مرجعية قيادية محدّدة، وأنه تغذّى فقط من غضب السوريين، على النظام القائم، ومن توقهم إلى الحرية والكرامة.

مشكلات تكوينية
ومن الناحية التكوينية، مثلاً، فإن مشكلة المكوّن العسكري في الثورة السورية تنبع من كونه تألف من قطعات غير متجانسة. فثمة الوحدات العسكرية للمنشقين من جيش النظام، وثمة جماعات مسلّحة نشأت في بعض الأحياء والضواحي في المدن والأرياف بمبادرة من الأهالي، إلى درجة أن بعضها بات يشكّل وحدات عسكرية قائمة بذاتها، مع مصادر تمويل وإمداد مستقلة (خذ مثلاً حالة أبو إبراهيم في إعزاز). وإذا كان هذان الرافدان قد ظهرا بشكل طبيعي، فثمة رافدان آخران ظهرا بطريقة قصدية، أي لأغراض سياسية: أولهما التشكيلات العسكرية التي تتبع حركة الإخوان المسلمين، وهو أمر مفهوم من حركة تحاول إثبات ذاتها في معركة إسقاط النظام.

وضع التشرذم، وعدم التجانس، وتضارب الأهداف، شكّل معضلة كبيرة للثورة، السورية في فاعليتها العسكرية ضد النظام، وكذلك صورتها إزاء شعبها والعالم

وثانيهما، الجماعات العسكرية المعطوفة على الإسلام السياسي الجهادي، العابر للحدود. والفرق بين هذين الرافدين أن الأول يعمل وفق مقاصد الثورة السورية، ويهدف إلى تعزيز دور جماعة سياسية سورية، في حين أن الثاني يعمل وفق مقاصد خاصة، ترتبط بالإسلام السياسي الجهادي، وإقامة الدولة الإسلامية العابرة للحدود الوطنية.

والحال، فإن هذا الوضع من التشرذم، وعدم التجانس، وتضارب الأهداف، شكّل معضلة كبيرة للثورة، في فاعليتها العسكرية ضد النظام، وبالنسبة إلى صورتها إزاء شعبها والعالم.

ظاهرة أخرى باتت تعاني منها هذه الثورة، هي ظاهرة العسكرة، وهذه ليست لها علاقة بمقاومة النظام بالسلاح، بقدر ما لها علاقة بتسيّد المكون العسكري على المكون السياسي، وطغيان الطابع العسكري على الطابع الشعبي، وسيادة لغة العنف، أو التهديد بالعنف، في التعامل مع البيئات المجتمعية.

السؤال عن الإستراتيجية
يبقى السؤال عن إستراتيجية "الجيش الحر" المتعلقة بدخول أحياء بعض المدن المكتظة بالسكان، إذ لا تبدو موفقة، ولا مدروسة، بقدر ما أنها كانت متسرّعة، ولم تأت بالنتائج المرجوّة منها. وإذا أعدنا ما ذكرناه سابقاً بشأن عدم وجود جيش بمعنى الكلمة، يصبح مفهوماً عدم وجود إستراتيجية أو طريقة مدروسة لوضع الخطط وصنع القرارات.

والحاصل أنه ترتبت على سياسة "تحرير" أحياء المدن نتائج خطيرة، ومؤذية، إذ حرمت الثورة من حواضنها الشعبية، وتم تدمير مجتمع الثورة، من حلب إلى حمص ودمشق ودرعا، بعد أن ترك السكان بيوتهم خوفاً من تدميرها على رؤوسهم من جانب النظام، وهو عدد بحجم أربعة ملايين شخص.

وفي ذلك ارتاح النظام من البيئات الشعبية المعادية له في هذه المناطق، لا سيما بعدما بات سكانها من دون بيوت وموارد، وفي حالة مأسوية لا تمكّنهم من رفد الثورة. طبعاً ثمة خيارات بديلة ضمنها التركيز على مهاجمة الأهداف العسكرية للنظام وإحكام السيطرة على الأرياف، لإضعاف النظام في حلقاته الضعيفة.

العسكرة وارتهاناتها
أيضاً، فإن العسكرة يلزمها متطلّبات، وينجم عنها ارتهانات، إذ يصبح ثمة مقاتلون محترفون، وهؤلاء بدورهم بحاجة لموارد مالية، ومصادر تسليح، ودعم لوجستي، وهي أمور تدخل الثورة، أية ثورة، في حسابات ومداخلات إقليمية ودولية، ما ينتج عنها ارتهانات وبالتالي توظيفات سياسية، ربما تتقاطع مع الثورة أو تفيض عنها، وربما تقيّدها أو تثقل عليها.

بديهي أن كل ذلك لا يقلّل من شرعية ثورة السوريين، العفوية والصعبة والمعقّدة، ولا من نبل مقاصدها، ولا من الأمل المعقود عليها، فليس ثمة ثورات نظيفة أو كاملة أو ناجزة، وإنما القصد هنا التوضيح بأن الثورة السورية دخلت هذا المعترك، وباتت تكابد من مشكلاته، أي من شروطه وتوظيفاته، تماماً مثلما كابدت قبلها حركة المقاومة الفلسطينية، والحركة الوطنية اللبنانية.

وبكلام أكثر تحديداً، فإذا تجاوزنا تفوّق النظام في مجال التسلح والتنظيم والإدارة والتأهيل، وتحلّله من أية معايير، باستخدامه بشكل وحشي كل ما في ترسانته العسكرية من أسلحة، فإن المكوّن العسكري للثورة السورية يعاني من مشكلات عديدة، ضمنها عدم حيازته على أسلحة دفاعية مناسبة، وافتقاده لموارد تسليحية منتظّمة، وفوقها فإن هذا المكوّن مازال يشتغل من دون هيكلية تنظيمية، وبلا هيئة أركان فاعلة، ودون خطّة عسكرية واضحة، وفي ظلّ غياب علاقات الترابط والتكامل بينه وبين المكوّن السياسي، وفاقم من كل ذلك ظهور جماعات عسكرية تحمل أيديولوجيات ورؤى لا تتوافق مع إجماعات السوريين.

مشكلات وتحديات
بالنتيجة فقد بدت الثورة السورية بوجهها العسكري، في الأشهر الماضية، كأنها تعاني من تضخّم وفوضى وانفلات، الأمر الذي تجلّى في عمل بعض الجماعات المسلحة، في كثير من المناطق، بمعزل عن وجود خطّة عسكرية واضحة، ومن دون تنسيق مع غيرها، وحتى من دون التساؤل عن الكلفة والمردود، أو حسابات الجدوى، في أي خطوة عسكرية.

التحدّي الناجم عن تزايد الوجود العسكري لـ "جبهة النصرة"، يظل الأكثر تعقيداً وكلفة، لاسيما أن هذه الجبهة أكدت بأنها غير معنيّة بأية هيكلية، لا سياسية ولا عسكرية، في الثورة السورية

الأنكى أن المكوّن العسكري للثورة السورية بات معنيّا، أيضاً، بمواجهة تحدّيات أخرى، ضمنها وضع حدّ للجماعات المنفلتة، والخارجة عن القانون، والتي تتحرّك باسم "الجيش الحر"، مستغلّة احتدام الصراع المسلح والفراغ الأمني، لكونها تسيء إلى صورتها وصدقيتها، مثلما تسيء إلى السوريين.

ويبقى التحدّي الناجم عن تزايد الوجود العسكري لـ "جبهة النصرة"، بوصفه الأكثر تعقيداً وكلفة، لاسيما أن هذه الجبهة أكدت بأنها غير معنيّة بأية هيكلية، لا سياسية ولا عسكرية، في الثورة السورية، مع عقدها "البيعة" لقيادة تنظيم "القاعدة".

والأهم من ذلك إعلانها بأنها تشتغل وفق أهداف خاصّة، ليس فقط تتجاوز مقاصد ثورة السوريين، إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية، وإنما تتموضع ضدّها، أيضاً، بمعاداتها الديمقراطية التي تعتبرها هرطقة ينبغي وضع حدّ لها، هذا مع الأخذ بالاعتبار أن ثمة حديثا عن وجود أكثر من "جبهة نصرة"، بمرجعيات مختلفة وربما متضاربة.

هكذا، فإن النقد الذي يصحّ على المكونات الأخرى لهذه الثورة، ببناها وأشكال عملها وكيفية صنعها للقرارات، يصحّ على مكوّنها العسكري "الجيش الحر"، ببناه وإستراتيجيته واستهدافاته، بالنظر إلى كلفته الباهظة وتأثيراته في عموم السوريين.

والواقع أنه لم يعد مفهوماً، ولا مقبولاً، وبعد أكثر من عام ونصف العام على نشوء "الجيش الحر"، وبعد كل الأثمان الباهظة التي دفعها السوريون، الاستمرار على هذه الدرجة من التشرذم، وانعدام المرجعية، والافتقار إلى القيادة، والمزاجية في العمل، والافتقاد إلى خطة عسكرية ملائمة وأكثر جدوى. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك