ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

 

ما من أحد يملك إجابات شافية حول أسئلة المستقبل في سوريا، لا النظام ولا المعارضة ولا روسيا ولا إيران ولا أميركا، بل ولا حتى الكيان الصهيوني الأكثر جنيا للأرباح في هذه المعركة التي تستنزف إيران وحزب الله وتركيا وربيع العرب، وتخلق فتنة سنية شيعية قد تتحول إلى حرب فعلية، فضلا عن تدميرها لبلد له دوره المحوري في الصراع، وكل ذلك بسبب نظام مجرم رفض الإصغاء لصوت الشعب، وساعدته في ذلك إيران وحلفاؤها في موقف لا يمت إلى العقل ولا إلى الأخلاق بصلة.

ربما قدّرنا منذ البداية أن المشهد السوري يحاكي المشهد الأفغاني من حيث الاستنزاف الطويل، وإن أمّلنا أن يكون الحسم أسرع لصالح الثوار، لكن حجم الدعم الهائل من إيران وروسيا، معطوفا على التواطؤ الغربي ضد الثوار، أدى إلى ما نحن عليهم اليوم

لا الثوار قدَّروا أن المعركة ستطول على هذا النحو، ولا النظام وداعموه اعتقدوا بأنهم سينتهون إلى هذا الوضع البائس الذي لا يشك عاقل في أنه أسوأ بكثير من أية تنازلات كان يمكن أن يقدموها في بداية المعركة، وتوفر لهم مخرجا جيدا إلى حد ما.

ربما قدّرنا منذ البداية أن المشهد السوري يحاكي المشهد الأفغاني من حيث الاستنزاف الطويل، وإن أمّلنا أن يكون الحسم أسرع لصالح الثوار، لكن حجم الدعم الهائل من إيران وروسيا، معطوفا على التواطؤ الغربي ضد الثوار بالضغط لمنع السلاح النوعي عنهم، فضلا عن تشتت قوى الثورة، وخلافات الداعمين.. كل ذلك أدى إلى ما نحن عليهم اليوم.

الآن تبدو أسئلة التسوية أكثر إلحاحا على المشهد السياسي من أسئلة الحسم العسكري -أقله في المدى القريب- دون استبعاد مفاجآت غير محسوبة (انقلاب أو انهيار مفاجئ للنظام)، وقد حدث ذلك بسبب بعض التقدم الذي أحرزه النظام خلال الأسابيع الأخيرة في عدد من المحاور، وإن راوح مكانه، وخسر أيضا في أماكن أخرى، الأمر الذي يعود إلى تدخل أكثر وضوحا وقوة من طرف إيران وحزب الله، بعضه جاء لتأمين وضع أفضل في المفاوضات، وبعضه من أجل انتخابات رئاسة إيران منتصف يونيو/حزيران المقبل، وبعضه الآخر من أجل تأمين ممرات الدويلة العلوية كخيار أخير، كما هو حال معارك حزب الله في القصير.

وقد بدت أسئلة التسوية أكثر إلحاحا منذ الاتفاق الروسي الأميركي على عقد مؤتمر دولي لأجل سوريا نهاية مايو/أيار الجاري، قبل أن يتأجل إلى مطلع يونيو/حزيران المقبل، الأمر الذي فَهم منه البعض وجود إرادة لإيجاد حل سياسي للأزمة، ربما لأن العامل الجهادي الذي يجمع هواجس واشنطن إلى هواجس موسكو، قد بات أكثر وضوحا بعد إعلان البغدادي، ومن ثم بيعة الجولاني (زعيم النصرة) للظواهري.

لم يكد الإعلان يصدر من موسكو في لقاء كيري-لافروف حتى عادت الخلافات تطل برأسها من ثنايا التصريحات المتباينة للمسؤولين الأميركيين فيما خصَّ مصير بشار، فضلا عن تفاصيل كثيرة تخص المؤتمر الدولي ومن سيحضرونه.

بمرور الوقت تبدو أسئلة المؤتمر الأولية في طريقها إلى الحل، أعني حضور النظام (أعلنت موسكو أن النظام من حيث المبدأ وافق على الحضور)، ومن ثم حضور المعارضة (أعلن الائتلاف أنه سيحضر إذا وضع تنحي بشار ووقف العنف على جدول الأعمال، ولا يعتقد أن ثمة مشكلة في وضع بندين من هذا النوع)، فضلا عن مواقف تركيا والعرب الداعمين للثورة الذين اجتمعوا في عمّان وخرجوا يؤيدون المؤتمر، وإن أكدوا على ما أعلنوه في اجتماع أبوظبي حول رفض أي دور لبشار الأسد في سوريا المستقبل، دون نفي واضح لاستمرار وجوده في البلد خلال المرحلة الانتقالية. وتبقى قضية حضور إيران للمؤتمر والتي لا يُعتقد أنها ستشكل عائقا أمام انعقاده، بصرف النظر عن النتيجة في ظل حضور وفد عن النظام السوري، وهو لن يبرم أمرا دون استشارتها في واقع الحال.

اتفاق كيري ولافروف في باريس على استثناء الأمن والجيش والمخابرات والبنك المركزي من مباحثات جنيف، يثير أسئلة بالغة الحساسية حول دور الحكومة الانتقالية في هذه المرحلة

هنا، برز تطور لافت يتعلق بتصريح لافروف بأن عقد المؤتمر لن يكون "مسألة سهلة"، ثم الحديث عن اتفاقه مع كيري في لقاء باريس على استثناء الأمن والجيش والمخابرات والبنك المركزي من مباحثات جنيف، الأمر الذي يثير أسئلة بالغة الحساسية حول دور الحكومة الانتقالية في هذه المرحلة.

على أي حال، فإن مجرد عقد المؤتمر قد لا يشكل معضلة كبيرة، وإن تأخر لزمن لا يُعرف مداه، دون استبعاد التأجيل الطويل، أو حتى الإلغاء إذا استمرت التناقضات حول محتواه. لكن السؤال يتعلق بالنتائج التي يمكن أن يتوصل إليها، وما إذا كانت قابلة للتطبيق من الأصل أم لا.

وبينما نتذكر ابتداءً أن الفكرة الجوهرية في المؤتمر تتعلق بحكومة انتقالية كاملة الصلاحيات، فإن أسئلة كثيرة ستكون مطروحة بشأن تلك الحكومة، ودور بشار فيها، وما إذا كانت ذات ولاية على الجيش والمؤسسة الأمنية أم مجرد حكومة عادية على شاكلة حكومات بشار الأسد التقليدية كما فهم من اتفاق كيري-لافروف المشار إليه آنفا.

ونتذكر هنا أن بشار هو من رفض الحكومة الكاملة الصلاحيات عندما كان في وضع أسوأ مما هو عليه الآن، فهل يمكن أن يقبل بها وهو يشعر بأن ميزان القوى بدأ يتغير لصالحه، أقله في المرحلة الأخيرة؟!

ثم، ماذا عن موقف المعارضة؟ هل سيكون بوسعها فرض وقف القتال على المجموعات العاملة على الأرض إذا تم الاتفاق على الحكومة الانتقالية؟ وماذا سيكون الرد لو عجزت عن ذلك -وهي ستعجز على الأرجح- أقله في المرحلة الأولى؟

أسئلة كثيرة لا توجد لها إجابات واضحة، ولما كان الأمر كذلك، فإننا سنكون أمام عملية سلام أشبه بعملية السلام في المسار الفلسطيني (مفاوضات بلا نتيجة)، وقد تكون هناك اجتماعات جنيف3 وجنيف4، ومبادرات أخرى قد لا تتوقف، لا سيما أن الخيار الإسرائيلي الذي يحكم هواجس واشنطن ما زال على حاله في الموقف من إطالة المعركة بوصفها فرصة كبيرة لتحقيق مكاسب كبيرة تحدثنا عنها في البداية.

والحقيقة أن العائق الأكبر الذي سيواجه المؤتمر يتمثل في موقف النظام وداعميه -خاصة إيران- من تفاصيل التسوية، إذ سيرون أن من الضروري ترجمة تقدمهم الأخير في الميدان على طاولة المفاوضات، بينما سيرفض ممثلو الثورة ذلك، لا سيما أنهم ليسوا في وضع هزيمة حتى لو حدث بعض التراجع هنا أو هناك، وإن كانوا حريصين على تسوية توقف شلال الدم والتدمير إذا كانت ستنتهي بتغيير الوضع العام في البلاد نحو تعددية حقيقية لا مكان فيها لعتاة القتلة والمجرمين مثل بشار ومن يحيطون به، لأن التعايش معهم سيكون مستحيلا بكل المقاييس.

عموم الموقف في سوريا قد يفضي في نهاية المطاف إلى مسارات يصعب التكهن بها أيضا، إن كانت هزيمة النظام ودخول حالة من الفوضى, أم هروب العلويين نحو دويلتهم الخاصة

من هنا، يبدو أن الرد على ذلك ينبغي أن يأتي من تركيا والعرب الداعمين للثورة، بحيث يجري تقديم المزيد من الدعم والسلاح للثوار من أجل تغيير ميزان القوى على الأرض بما يسمح بترجمة ذلك في الموقف التفاوضي، لكن عموم الموقف قد يفضي في نهاية المطاف إلى مسارات يصعب التكهن بها أيضا، إن كانت هزيمة النظام ودخول حالة من الفوضى التالية، أم هروب العلويين نحو دويلتهم الخاصة، وتبعا لها دويلة كردية، أم بقاء البلد موحدا مع صراع بين فصائل الثوار قبل الوصول إلى تسوية الوضع من خلال حكومة انتقالية تليها انتخابات.

نعود إلى القول إن أسئلة المستقبل في سوريا باتت أكثر تعقيدا، وهي لم تعد تخص البلد وحده، إذ يمكن أن تشمل العراق ولبنان أيضا، بل وعموم المنطقة، ولا أحد يملك القدرة على التنبؤ بالتداعيات التالية. لكن المؤكد أن تاريخا جديدا يكتب في هذه المنطقة بدماء الشعب السوري، ولن يكون بالإمكان إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وسيدرك من وقفوا خلف الطاغية -ولو بعد حين- أي جريمة ارتكبوها بحق الأمة، وبحق أنفسهم أيضا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك