لم يكن حضور التيار السلفي قبل الثورة ظاهرا في المشهد السياسي السوري، خاصة بعد الحملة التي شنها النظام على هذا التيار عام 2005 بدعوى محاربة الوهابية والفكر الظلامي التكفيري، بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وانفجار الخلاف بين النظام والسعودية على خلفية اتهامها النظام باغتياله.

غير أن عوامل محلية وإقليمية ودولية ساعدت ليس فقط على ظهور التيار السلفي في المشهد خلال الثورة بل على تصدره، لعل أهم هذه العوامل هو:

بدأ الخطاب الديني الظهور في فعاليات الثورة بصيغ شعبية وعامة عبر التكبير وشعارات حول التضحية والشهادة، ثم تنسيقيات بخلفية إسلامية، وكتائب مقاتلة بعقيدة إسلامية، لينتهي عند طرح برنامج سياسي إسلامي صريح

1- عنف النظام ووحشيته في الرد على الاحتجاجات.
2- عسكرة الثورة.
3- الحالة الروحية للسلفي واستعداده العالي للتضحية بالنفس في سبيل العقيدة.
4- انحياز المؤسسة الدينية التقليدية إلى جانب النظام أو بقاؤها على الهامش.
5- ضعف الشخصيات الدينية المعتدلة وفرارها إلى الخارج.
6- الدعم المالي والعسكري الكبير من الأفراد والدول دفع حتى الكتائب غير السلفية إلى الالتحاق بالسلفية للاستفادة من هذا الدعم.
7- الدعم السياسي والإعلامي (تجند دعاة سلفيين وتسخير أقنية تلفزيون للترويج للخطاب السلفي).
8- إيران ووقوفها هي وحكومة العراق وحزب الله إلى جانب النظام أعطى قوة ومصداقية لخطاب السلفية حول طبيعة الصراع: صراع مذهبي.
9- تقاعس المجتمع الدولي وإخفاقه في وقف سفك الدم السوري عزز خطاب السلفية المناوئ للغرب باعتباره شريكا سلبيا في جرائم النظام.

بدأ الخطاب الديني في الظهور في فعاليات الثورة بصيغ شعبية وعامة عبر التكبير ورفع شعارات تدور حول التضحية والشهادة والجنة، واللجوء إلى الله وطلب النصر والمساندة منه (لبيك.. لبيك يا الله، شهداء بالملايين عالجنة رايحين، يا الله مالنا غيرك يا الله) قبل أن يأخذ شكل تنسيقيات بخلفية إسلامية، وكتائب مقاتلة بعقيدة إسلامية تاليا، تعلن عن إسلاميتها بدءا من أسماء الكتائب (كتيبة الأنصار، كتيبة أحفاد الرسول، كتيبة الصحابة، كتيبة عائشة أم المؤمنين، كتيبة صقور الإسلام، كتائب الإيمان المقاتلة.. إلخ) لتنتهي عند طرح برنامج سياسي إسلامي صريح.

ولقد قاد تصاعد المواجهة في ظروف نقص الإمكانيات إلى التعاون والتنسيق بين الكتائب المتقاربة فكريا والقريبة من بعضها جغرافيا إلى تشكيل ألوية من اتحاد مجموعة كتائب (لواء التوحيد/حلب، ولواء أحرار الشمال/حلب، ولواء الحق/حمص، ولواء الإسلام/ريف دمشق-دوما.. إلخ) وجبهات عسكرية (الجبهة الإسلامية السورية، والجبهة الإسلامية الموحدة، وجبهة تحرير سوريا، وحركة الفجر الإسلامية، وحركة الطليعة الإسلامية)، وإطلاق برنامج نضالي يتحدث عن نظام إسلامي ودولة إسلامية، وأخيرا الدعوة إلى إقامة الخلافة وتطبيق الشريعة.

يمكن اعتبار "الجبهة الإسلامية السورية" مثالا نموذجيا للتيار السلفي الجهادي السوري وخياراته الفكرية والسياسية والاجتماعية، فالجبهة التي تكونت من أحد عشر لواء نشرت يوم 17 يناير/كانون الثاني 2012 شرحاً مستفيضاً لأهدافها بصورة ميثاق مكون من سبع صفحات، عرضت فيه لمنطلقاتها الفكرية وأهدافها السياسية والاجتماعية بعد الإطاحة بالنظام، وهي:

أولا: الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع.
ثانيا: تمكين الإسلام في المجتمع، وذلك عن طريق إعداد الأفراد لتولي أدوار قيادية في عدة مجالات خلال الفترة الانتقالية.
ثالثا: اتخاذ القرارات وفقاً لمبادئ الشورى وفي ضوء أحكام الشريعة الإسلامية.
رابعا: إعادة بناء سوريا على أساس الوحدة والشفافية، ومحاربة الفساد والاستغلال وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية.
خامسا: دور المرأة تكميلي، رفض الاختلاط، واعتبار المفاهيم الغربية المتعلقة بحقوق المرأة غير مقبولة.
سادسا: اعتماد العدل والإنصاف في التعامل مع غير المسلمين.
سابعا: رفض التبشير بين المسلمين.
ثامنا: تنفيذ البرنامج بشكل تدريجي.

كما برزت الدعوة إلى إقامة نظام "الخلافة" كجزء من تصور مجموعات سلفية سورية أخرى لنموذج الدولة في سوريا، حيث أصدرت مجموعة من الكتائب المسلحة والتنسيقيات "ميثاق العمل المشترك لإقامة خلافة إسلامية" جاء في مقدمته: "إيمانا منا بوجوب العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية واستئناف الحياة الإسلامية وتحقيق بشارة الرسول (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، نعاهد الله تبارك وتعالى على العمل وإسقاط مشروع الدولة المدنية الديمقراطية في سوريا وإقامة خلافة إسلامية". وقد وقع على هذا الميثاق عدد من قادة الكتائب والتنسيقيات، وما زال باب التوقيع مفتوحاً للراغبين، وقد تبنى أصحاب الميثاق مشروع الدستور الذي اقترحه حزب التحرير الإسلامي لدولة "الخلافة" الموعودة، كما رفعت شعارات في بعض التظاهرات تقول: "الشعب يريد خلافة إسلامية".

التصورات السلفية غير قادرة على التعاطي مع الحاضر والمستقبل، وغير قادرة على طرح نموذج سياسي مقنع وجذاب، ما لم تكسر قواعد نظرتها، وتنطلق من فهم التاريخ واكتشاف السنن والتطلع إلى المستقبل

غير أن صعود التيار السلفي السوري قد طرح عليه تحديات كبيرة وخطيرة وضعت مستقبله، ومستقبل المشروع السلفي بعامة، على المحك، لجهة النجاح في التعاطي مع مترتبات هذا الصعود وإعطاء أجوبة فقهية وسياسية تقنع المجتمعين السوري والدولي بأن تكون سورية دولة مستقرة يعيش مواطنوها بأمان ومساواة في ظل سيادة القانون والحريات العامة والخاصة.

يستدعي هذا أن تنجح جماعات التيار السلفي السوري في حل الإشكالات التي تنطوي عليها منطلقاتها وخياراتها الدينية والسياسية، وأهمها:

أ- قراءتها للنص الديني وتمسكها بظاهر النص وتجاهلها لأسباب النزول والمقاصد العميقة للنص الديني التي تجعله منفتحا على الزمان والمكان عبر ترك هوامش واسعة في المجالات غير العقدية لتحرك البشر واجتهاداتهم والتفاعل مع التغيرات التي تطرأ على المجتمع الإنساني والإسلامي، وقفزها فوق حالة المجتمع الإسلامي الراهنة إن على صعيد تعاطي المسلمين مع قضايا الإيمان أو ثقله في ميزان القوى العالمي، وعلى كل الأصعدة، مما يجعله الطرف الأضعف والذي يحتاج إلى ما في أيدي الآخرين من علم وتقنية ليحل مشكلاته المعيشية والخدمية والصحية.

ب- رفضها للقراءات والاجتهادات الأخرى مما يضعها في مواجهة فقهية مع أصحاب هذه القراءات ويحول دون مد جسور التفاهم والتعاون والتعاضد والتعايش تحت سقف مجتمع واحد، والانزلاق إلى الصدام معها.

ت- عدم وجود تصور سلفي يلحظ ما في العالم المعاصر من قضايا ومسائل ومشكلات تؤثر على حياة الإنسان بشكل عام والمسلم بشكل خاص، فالتصور السلفي فقير في مكوناته وغريب عن عالم اليوم نتيجة استغراقه في الماضي والانطلاق من نظرة نكوصية ترى القرون الأولى أفضل القرون وتبدأ الحالة بالانحدار مع التقدم في الزمان، ولذا فهي غير قادرة على التعاطي مع الحاضر والمستقبل وغير قادرة على طرح نموذج سياسي مقنع وجذاب ما لم تكسر قواعد نظرتها، والانطلاق من فهم التاريخ واكتشاف السنن والتطلع إلى المستقبل من خلال احتياجات الإنسان الذي بُعث الأنبياء لمساعدته على التحرر والعيش في ظروف مريحة وإيجابية، فالدين جاء لخدمة الإنسان وليس العكس.

ث - دعوة مجموعات سلفية إلى إقامة الخلافة (دولة أمة المسلمين/ دولة فوق وطنية) باعتبارها فرضاً إسلاميا مما يجعلها أصلاً من أصول الدين، وهو مخالف لما تواضع عليه المسلمون من أصول: الألوهية، الرسالة، الميعاد، وليس لها سند صلب وواضح من النص الديني (القرآن الكريم)، حيث لم ترد في النص لا صراحة ولا مداورة، فالتسمية وُلدت عفوياً من وصف طبيعة دور الإمام الذي تلا الرسول (خلفه في موقعه في قيادة المسلمين فهو خليفة، ومنه وصف النظام السياسي بالخلافة)، وقد تخلى عنها عمر بن الخطاب إلى أمير المؤمنين، لأنه اعتبر نفسه خليفة أبي بكر وليس خليفة الرسول، ورأى أن وصفه سيكون خليفةَ خليفةِ رسول الله وأن في ذلك ركاكة وتكلفا.

أما الحديث الشريف (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) الذي يستند إليه هؤلاء الدعاة فبحاجة إلى تدقيق لأنه لا يتسق مع منطق القرآن الكريم الذي يجعل من الغيب مساحة خاصة بالله عز وجل، وقد منع النبي عليه الصلاة والسلام من الخوض فيه. كما أن وقائع التاريخ في العهد الراشدي تشير إلى الضد من ذلك، حيث تباين منهاج الخلافة أيام عثمان وعلي عنه أيام أبي بكر وعمر تبايناً شديداً.

لقد أخطأ دعاة إقامة دولة الخلافة عندما لم يميزوا بين ضرورة الإمامة، التي نادت بها كل المذاهب الإسلامية، وطبيعة الدولة وارتباطها بشروط وسمات العصر الذي تقوم فيه، حيث لا يمكن فصل الدولة عن العصر الذي تنشأ فيه. كان التمييز بين ضرورة "الإمامة" وشكل "الإمامة" حرياً بوضع حد لهذه الدعوة غير المنطقية والتي لن تقود إلى مكان لأنها تتناقض مع روح العصر ومع الدولة الحديثة، حيث لم يعد للدولة الإمبراطورية وجود بعد أن قاد التطور السياسي والاجتماعي العالمي إلى إلغاء "حق الفتح" عام 1919 في عهد عصبة الأمم (كان حق الفتح قد ألغي في أوروبا قبل قرون من هذا التاريخ في معاهدة وستفاليا 1648 لكنه بقي اتفاقاً أوروبياً)، مما جعل الدولة الإمبراطورية بسماتها المعروفة: عدم ثبات حدود الدولة والشعب والسيادة -لأنها عرضة للتغير الدائم بحسب نتائج الحروب والغزوات- غير شرعية ولا تمتلك فرصاً للنهوض لأنها ستُواجَه من قبل دول العالم قاطبة، وأمامنا أمثلة معاصرة: الإمبراطورية السوفياتية المنهارة، والأميركية التي تلقى مقاومة دولية للحد من ممارساتها الإمبراطورية.
  
أخطأ دعاة إقامة دولة الخلافة عندما لم يميزوا بين ضرورة الإمامة، التي نادت بها كل المذاهب الإسلامية، وطبيعة الدولة وارتباطها بشروط وسمات العصر الذي تقوم فيه
ج‌- موقع المرأة في التصور السلفي أو دورها في حياتنا، والذي يصفه بالتكميلي، فيه انتقاص من مكانتها ودورها الذي حدده الشرع الإسلامي، فهو يمنحها موقعا أفضل فهي مساوية للرجل في آدميته، ومكلفة مثله، ودورها تكاملي مع دور الرجل وليس تكميليا، في ضوء اعتباره الأسرة الوحدة الأساسية للمجتمع، وعدم تحديده سقفا أو محرمات أمام دور المرأة، وقد كان لافتا أن القرآن الكريم في روايته لقصة بلقيس ملكة سبأ مع النبي سليمان أنه لم يعكس أي تحفظ حول موقعها في رأس هرم السلطة، ملكة في بلدها، بل نقل صورة إيجابية عن قيادتها لبلدها أنها لا تأخذ قرارا إلا بعد مشاورة مجلس حكماء في المملكة، وأن كل ما يقال عن أدوار وقيود وحدود لدور المرأة في المجتمع هو من وضع فقهاء المسلمين، فهو رأي واجتهاد بشر قابل للطعن والتعديل.

ح - عدم وجود تصور سلفي مرن للتعاطي مع المختلف دينيا ومذهبيا، وتمسك التيار بفقه أزمات قائم على فكرة الدفاع والمواجهة مما جعله عاجزا عن التعايش في مجتمع تعددي ومفتوح وانحيازه للصدام والعنف، حالة خوارج جدد تدفع للانقسام والتمزق الاجتماعي والسياسي.

خ - انقسام هذه الجماعات بين تيار لا يعترف بالأوطان، وله برنامج جهاد عالمي، وآخر وطني، وله برنامج جهاد محلي فقط، وهذا سيربك المجتمع السوري بسبب تضارب الخيارات والبرامج وصعوبة التمييز بين التيارين من حيث الظاهر، ناهيك عن احتمال الدخول في صراعات بين الجماعات السلفية على هذه الخلفية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك