غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري

 

تقف طهران في هذه المرحلة أمام مفترق مصيري حاد، تعتقد معه قيادتها السياسية أنها إما أن تعبر من خلال معطيات هذه المرحلة إلى بر الأمان بوصفها قوة إقليمية دولية وازنة ومؤثرة في صناعة السياسة الدولية وصياغة المشهد الدولي القادم، وإما أنها ستبدأ من هنا رحلة العودة إلى الانغلاق بين جبال فارس بعد مشوار طموح امتد لثلاثين عاماً.

تعمل طهران على استثمار كل ما هو إيجابي ومساعد لدورها ومكانتها، وإزاحة كل ما تعتقد أنه يحمل شبهة التأثير في وضعها، مستنفرة في سبيل ذلك كل طاقاتها

تشكل الثورة السورية واحتمالاتها ومآلاتها العتبة الرئيسية لهذا العبور الإيراني في الاتجاهين، لذا تعمل طهران في هذه الآونة على استثمار كل ما هو إيجابي ومساعد لدورها ومكانتها، وإزاحة كل ما تعتقد أنه يحمل شبهة التأثير في وضعها، مستنفرة في سبيل ذلك كل طاقاتها وإمكانياتها.

من الناحية العملية، تسعى طهران في ضوء التطورات الراهنة، واستباقاً للقمة الأميركية الروسية الشهر المقبل، إلى تغيير الواقع الميداني والسياسي في سوريا. وتعتقد طهران أن هذه القمة ربما تحاول رسم "وجه العالم الجديد"، وفق حسابات خاصة تضع فيها طهران الأزمة السورية بمرتبة الحدث الأكثر تأثيراً في مخرجات السياسة الدولية في الوقت الحاضر، لذلك فهي تتخذ خطوات على أكثر من صعيد للتأثير في نتائج هذه القمة الموعودة، وذلك بالتعاون من الأطراف المتحالفة معها، وتحديداً النظام السوري وقيادة "حزب الله" والحكومة العراقية.

وفي هذا السياق، تعمل طهران على تغيير الواقع الميداني في سوريا لمصلحة النظام، وكشفت مصادر إعلامية مؤخراً أن السلطات الإيرانية "استطاعت إقناع الرئيس بشار الأسد بإعطاء دور غير محدود لحزب الله، ووضع كل إمكانات الجيش السوري في متناول قيادته"، لأن المنطقة لا تتحمل سقوط الحكومة السورية.

وتؤكد المصادر أيضاً أن إيران أقنعت دمشق "بفتح باب الجهاد لمن يريد من العرب والمسلمين لمقاتلة إسرائيل انطلاقاً من الجولان، وتحويل هذه المنطقة إلى جبهة مواجهة مع إسرائيل بالشكل الذي يعد تحولاً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي".

وتطبيقاً لهذا الأمر فقد دفعت طهران مليشيات موالية لها في العراق ولبنان، منها "حزب الله"، إلى إرسال مقاتلين للوقوف إلى جانب قوات النظام ضد تنظيمات الثورة السورية المسلحة من الجيش الحر وخاصة على جبهة حمص القصير وسط سوريا، وفي دمشق ومحيطها قرب المقامات "الشيعية" ومنها حول مقام السيدة زينب جنوب شرق دمشق، وكذلك في منطقة حوران جنوب سوريا على طول الشريط الحدودي مع الأردن، وبالتأكيد فإن مساهمة المليشيات في هذا الجانب شملت خبرات ومعدات خاصة تم تقديمها إلى النظام الحاكم في دمشق لكسب معركته مع معارضيه وقوات الجيش الحر.

هذه الإجراءات الإيرانية تأتي في إطار إستراتيجية أوسع، تقوم على مرتكزات عدة، القاعدة الأساسية فيها تقوم على تقديم كل أنواع الدعم الممكن في سبيل احتفاظ نظام الأسد بالسلطة في سوريا، وتحت هذا العنوان الأساسي تندرج الكثير من الإجراءات اللازمة لتأدية هذه الوظيفة، منها القيام بحملة دولية من أجل تخفيف التأييد الدولي للثورة السورية، وذلك من خلال العمل في الساحات الدولية التي تملك طهران فيها تأثيراً مالياً وأيديولوجياً، وخاصة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وقد ظهرت نتائج ذلك في التصويت لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين عنف النظام ويعترف بالائتلاف الوطني ممثلاً شرعياً للشعب السوري.

تعمد طهران إلى إتباع تكتيك اللعب في موضوع كسب الوقت للنظام عبر محاولاتها الدؤوبة طرح تصورات معينة للحل، وهو الأمر الذي حاولته من النافذة الروسية

في الإطار ذاته، تعمد طهران إلى إتباع تكتيك اللعب في موضوع كسب الوقت للنظام عبر محاولاتها الدؤوبة طرح تصورات معينة للحل، وهو الأمر الذي حاولته من النافذة الروسية عبر التلميح للراعي الروسي بإمكان القبول بتنحي بشار الأسد عبر المفاوضات المسماة جنيف 2، التي يعتقد البعض أنه إذا قيد لها أن تنطلق فلسوف تدخلها إيران في دهاليز الزمن الكافي باعتقادها لانتصار حليفها الأسد على الشعب السوري وكسر ثورته، على أن يسمح لها ذلك بإنجاز تسوية تحقق بقاء النظام واستمراره مع تأكيد على ضرورة أن يكون الواقع الميداني هو الذي يحدد سقف التسويات أو التوافقات الدولية من خلال إعادة ترتيب أوراق المواجهة مع المعارضة المسلحة واتخاذ برامج واضحة، مما انعكس على العديد من المواقع سواء في ريف دمشق أو حمص أو حلب.

وعلى ضوء هذه النتائج، يتم في الوقت ذاته التخفيف قدر الإمكان من الكلام عن جرائم النظام الحاكم وارتكاباته بحق السوريين بل الوصول إلى مرحلة تجاوزها وذلك من خلال خلق بديل يخطف الأضواء ويحول بوصلة الحدث إلى مكان آخر، عبر تسخين جبهة الجولان وفتحها كنافذة مقاومة تتشكل على عجل من بقايا فصائل تعمل تحت إمرة إيران وبمعرفتها، وهو الأمر الذي سيدفع بالثورة إلى مرتبة الحدث الداخلي أو إلى حالة تشبه التمرد في أحسن الأحوال.

بالتزامن مع ذلك تعمل إيران على خطين متوازيين في علاقاتها مع البيئة الإقليمية المحيطة بالثورة السورية، فمن جهة تسعى إلى ممارسة الضغوط على الأطراف ذات الاحتكاك المباشر مع الداخل السوري لإحداث تبديل في مواقفها من الثورة السورية، مثل الأردن وتركيا، وفي هذا الإطار رشحت معلومات عن مباحثات وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي مع المملكة الهاشمية تفيد بأن "إيران وجهت تحذيراً إلى الأردن من خطر الانزلاق في فخ تحيكه إسرائيل والولايات المتحدة لتوريطه في الأزمة السورية".

وبحسب هذه المعلومات فإن صالحي حمل استعداد إيران لتقديم ما يلزم للأردن من مساعدات وبالتعاون مع الحكومة العراقية لتجاوز الأزمة الاقتصادية والقبول بالانضمام إلى المحور الإيراني السوري العراقي.

ومن جهة أخرى تحاول إيران فتح خطوط وبناء مقاربات جديدة مع دول أخرى على علاقة مع الحدث السوري، فقد طرح صالحي خلال زيارته للمملكة العربية السعودية، حيث التقى في جدة الأحد الأمير سعود الفيصل، مشروعاً للتفاهم يستند إلى قاعدة الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة بعيداً عن محور الحرب على سوريا.

كما كشفت مصادر عربية أن "الحكومة الإيرانية عرضت على الوفد الرئاسي المصري الذي زار طهران بداية الشهر الجاري المساعدة لعودة الدور المصري الفاعل إلى الساحتين العربية والإسلامية ودعم الحكومة المصرية اقتصادياً وسياسياً".

لا شك أن الهم الأكبر لإيران في هذه الآونة هو تعزيز بنية إقليمية حاضنة، لا تدعم موقف إيران من سوريا فقط وإنما من قضايا مهمة في إستراتيجية إيران الإقليمية، ومنها الملف النووي وأمن الشرق الأوسط والسيطرة في الخليج، ولنظام سوريا -كما يراه نظام إيران- حضور مهم في تلك الإستراتيجية، لذا فإن إيران تبذل كل مساعيها وتستنفر كل طاقاتها من أجل تثبيت نظام الأسد في حكم سوريا على اعتبار أنه يشكل حجر الزاوية في كل مشاريع إيران، من دونه تصبح كل أوراق إيران الأخرى مكشوفة وفي مهب الريح.

لكن إلى أي مدى مقدر نجاح هذا المشروع، في خضم ساحة تتصارع فيها الإستراتيجيات والإستراتيجيات المضادة؟ ذلك أن إيران وعلى الرغم من زخم الموارد والإمكانيات المالية التي تضخها في ساحة المعركة السورية، غير مقدر لها التأثير في مآلات الحدث الذي تحوّل إلى ساحة استقطاب وجذب لكل أنماط الصراعات العالمية، وتقف على عتبته العديد من الملفات الإشكالية بانتظار الوصول إلى تفكيك عقدها على ضوء ما ستؤول إليه نتائج هذه المعركة.

ثمة من يرى أنه لا ضير من غض النظر عن اتساع رقعة وعمق التورط الإيراني في سوريا وتركها تستنزف كل احتياطاتها المالية والعسكرية

بناءً على ذلك، فثمة من يدفع إيران للتورط أكثر في سوريا، بل يسهل لها ذلك، انطلاقا من أن التدخل غدا مصيدة لإيران في معركة لم تعد مجدية إستراتيجياً، كما أن العمليات العسكرية التي يخوضها "حزب الله" تضعف من انتشار "جبهة النصرة" وتستهلك الحزب وتنهكه في الآن نفسه، وبالتالي فلا ضير من غض النظر عن اتساع رقعة وعمق التورط الإيراني في الجغرافية السورية وتركها تستنزف كل احتياطاتها المالية والعسكرية في مجاهيل الحدث السوري.

إيران تشعل سوريا، وتحترق في نار مرجلها، ثمة من يرى أن النار السورية لم تعد بعيدة عن قلب طهران نفسها، فالأمر لا يحتاج لأكثر من شرارة لن يطول وقت وصولها إلى كومة القش الإيرانية، ودليلهم على ذلك أن عدة الثورة في إيران لا تحتاج سوى حدث بسيط ليشغل ماكينتها الجاهزة للإقلاع صوب مسارات إيرانية قد تغيّر واقع المنطقة من دون الحاجة حتى لاستخدام رصاصة واحدة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات