بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

تأبى أي محاولة لتشكيل حكومة وحدة وطنية في مصر في المرحلة الانتقالية لثورة يناير 2011 إلا أن تكون ضربا من المستحيل، ففي واحدة من أصعب عمليات تشكيل الحكومات منذ أول وزارة أو "نظارة" عرفتها مصر برئاسة نوبار باشا عام 1878، وبعد مخاض عسير ناهز الأسابيع الثلاثة، أعلن قبل أيام عن تعديل وزاري مثير للجدل، اقتصر على تسعة وزراء فقط من بين 11 وزيرا كان رئيس الحكومة الدكتور هشام قنديل قد صرح مسبقا بتغييرهم.

انكماش النخبة
"عبر مختلف النظم السياسية في عالم اليوم، هناك نقص خطير في المعروض من الكوادر والقادة السياسيين"، بكلمات كهذه وصَف الكاتب والمحلل السياسي الأميركي توماس فريدمان أزمة النخب السياسية "في عالمنا. ومن بين مثالب شتى تمخضت عنها تداعيات ثورة يناير 2011، برز جليا ما اصطلح على تسميته علميا "انكماش النخبة السياسية"، بمعنى عدم توفر الكوادر والقيادات السياسية القادرة على، والراغبة "في، تجشم معاناة المسؤولية والاضطلاع بمهام صعاب وجسام لإعادة بناء البلاد سياسيا واقتصاديا وأمنيا في المرحلة الانتقالية. الأمر الذي يضيق من دائرة الاختيار المتاحة أمام رئيس الدولة أو رئيس الوزراء عند تشكيل أية حكومة.

انكماش النخبة السياسية أفضى إلى ارتفاع معدل التغيير في الحكومة والوزراء، حيث تم توزير ما يربو على 132 شخصا منذ حكومة شفيق في بدايات الثورة، وحتى حكومة هشام قنديل

وقد تجلت ملامح تلك الأزمة "في حيرة الرئيس مرسى ورئيس حكومته هشام قنديل عند اختيار طاقم الحكومة الجديدة، حيث واجهت الأول صعوبات جمة حين اختياره للأخير كما عند اختيار الأخير لوزرائه، على خلفية الموازنة بين اعتبارات الكفاءة والمواءمة السياسية، بحيث تتوفر في رئيس الحكومة شروط من قبيل: أن يكون من غير الإخوان، لأن البلاد لن تحتمل رئيسا للدولة ورئيسا للحكومة كما أغلبية وزارية وبرلمانية إخوانية في ذات الوقت. وألا يكون حزبيا ليس فقط بسبب حالة الاستقطاب السياسي الحاد، وإنما لافتقاد الأحزاب الأخرى للحضور والثقل السياسيين اللذين يخولانها نيل ثقة البرلمان. وأن يكون من جيل الشباب ومحسوبا على الثورة، وأن يتمتع بالكفاءة الشخصية والقدرة الإدارية والشخصية القيادية. وهو ما أفضى في نهاية المطاف إلى ضيق وتقلص الخيارات أمام رئيس الدولة ورئيس الحكومة عند اختيار الفريق الحكومي.

وعديدة هي الأسباب التي يمكن أن تفسر ذلك الانكماش "في النخبة السياسية المصرية، لعل أهمها:
قانون العزل السياسي، الذي بمقتضاه أبعد رموز النظام السابق عن المشاركة "في العملية السياسية بعد الثورة لمدة عشر سنوات حماية لها وتلافيا لإعادة إنتاج النظام القديم، إذ أسفر تطبيق نص المادة ٢٣٢ من الدستور الجديد والمعنية بهذا المقصد عن إبعاد عدد لا بأس به من الكوادر السياسية عن المشهد السياسي وحال دون مشاركتهم في أي حكومة.

وإلى جانب تجفيف نظام مبارك لمنابع التجنيد السياسي طيلة عقود، حيث عمد وحزبه إلى إقصاء كل القوى السياسية والانفراد بالسلطة على نحو قوض فرص إعداد صف ثان من القيادات، برأسها أطلت هشاشة الأحزاب السياسية والقوى المدنية وافتقارها إلى الكوادر المدربة الجاهزة والراغبة "في تحمل المسؤولية، إضافة إلى ارتضائها طيلة عقود لعب دور المعارضة الشكلية والمستأنسة فقط من دون جاهزية لتداول السلطة وتجشم مغامرة الحكم، فضلا عن ضياع هيبة الوزراء مع تعاظم المسؤوليات وتفاقم الأزمات وازدياد حدة النقد للمسؤولين مع ارتفاع سقف حرية التعبير وكذا توقعات الجماهير من حكومات زمن الثورة.

وكان من شأن هذا الانكماش في النخبة أن أفضى إلى ارتفاع معدل التغيير في الحكومة والوزراء، حيث تم توزير ما يربو على 132 سياسيا وأكاديميا منذ حكومة أحمد شفيق التي جاءت مع بدايات الثورة، وحتى حكومة هشام قنديل، "في فترة لا تتجاوز 28 شهرا، تساوت خلالها وزارتا الداخلية والمالية في استهلاك أكبر عدد من الوزراء بواقع خمسة لكل منها.

ويعد التعديل الأخير في حكومة قنديل هو الثاني في عهد الرئيس مرسي خلال أقل من عام، حيث سبقه تعديل "في يناير/كانون الثاني الماضي بعد أشهر من تشكيل تلك الحكومة يوم 24 يوليو/تموز الماضي عقب مرور قرابة ثلاثة أسابيع على توليه مهام منصبه، وكلها مؤشرات على عدم الاستقرار السياسي والافتقاد للكوادر والكفاءات السياسية والإدارية.

إشكالية الاعتذارات
رغم اقتصار مهامها على تسيير الأعمال والسعي لتلبية الاحتياجات اليومية الملحة للمواطنين وإصلاح البنية الأساسية دونما استغراق "في أي برامج أو مشاريع إستراتيجية، يتسم تشكيل الحكومات في المراحل الانتقالية للثورات التي تسبقها عقود من القمع والتجريف السياسي للمجتمعات بسمات فريدة كما تحكمه ظروف بالغة الخصوصية، حيث تسود أجواء الانقسام والاستقطاب وعدم الثقة ، بالتزامن مع صعود المجتمع أمام الدولة وتعاظم دور الجماهير في مواجهة الأنظمة.

فبعد أسابيع ثلاثة من البحث والمداولة، أعلن عن تعديل وزاري منقوص، جراء تمنع كل المرشحين لشغل وزارتين. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتأخر فيها تشكيل الحكومة في عهد الرئيس مرسي بسبب اعتذار المرشحين عن قبول الحقائب الوزارية، فقد استغرق تشكيل حكومة الدكتور قنديل الأولى نحو ثلاثة أسابيع، منذ كلفه الرئيس بتأليفها، عقب تسميته رئيسا لها.

وقد ساقت كوادر سياسية عديدة أسبابا متنوعة للاعتذار عن قبول الوزارة، كان من أهمها: غياب الانسجام والتجانس بين أفراد الطاقم الوزاري. فلما كانت أية حكومة هي بمثابة منظومة متناغمة ومتكاملة، يغدو التجانس والتفاهم بين أعضائها شرطا ضروريا لنجاحها ، وفي هذا السياق، عزا منير فخري عبد النور اعتذاره عن الاستمرار في وزارة السياحة إلى غياب التجانس السياسي والتناغم الأيديولوجي بين أعضاء مجلس الوزراء.

تحت وطأة الرفض المتنامي للمشاركة في الحكومة، اعتبر الدكتور قنديل أن رافضي الاستوزار من الكوادر والكفاءات بخلاء على وطنهم كونهم ضنوا عليه بقدراتهم وتخلوا عن نصرته

في غضون ذلك، أكدت كفاءات معارضة تلقت عروضا بوزارات أنها امتنعت عن قبولها حفاظا على تاريخها، لأنها ارتأت "في التعديل الوزاري محض ترقيع سياسي لا يمكن أن يشكل حلا للأزمة الراهنة، علاوة على قصر عمر الوزارة، التي لن تستمر سوى أشهر معدودات حتى إتمام الانتخابات البرلمانية القادمة.

وإلى جانب خشيتها من الفشل والحرق السياسي، لا سيما "في ظل تنامي الاستياء الشعبي من أداء حكومة الدكتور قنديل، تتخوف الكفاءات والكوادر المعارضة من أن تحسب على جماعة الإخوان المسلمين حالة قبولها الانضمام لحكومة قنديل أو أن تأتمر بأمر مرشدها، خصوصا مع تأخر تطبيق المواد الخاصة بتقاسم السلطة التنفيذية بين الرئيس ورئيس الحكومة وفقا للدستور الجديد، مما يجعل الوزراء ورئيسهم مجرد سكرتارية لرئيس الجمهورية.

وتحت وطأة الرفض المتنامي للمشاركة في الحكومة، اعتبر الدكتور هشام قنديل أن رافضي الاستوزار من الكوادر والكفاءات بخلاء على وطنهم كونهم ضنوا عليه بقدراتهم وتخلوا عن نصرته وأبوا أن يشاركوا بجهدهم وخبرتهم في إنقاذه وبناء نهضته في هذه المرحلة الحرجة من تاريخه، توخيا لتحقيق مصالح شخصية وتطلعا لبلوغ مآرب سياسية حزبية.

تشدد المعارضة
رغم العروض المتكررة التي انهالت عليها من الرئيس مرسي منذ توليه منصبه "في بداية يوليو/تموز الماضي للمشاركة في الحكومة، أبت المعارضة إلا الرفض التام متذرعة بسبب معلن يتمثل في مطلبها بتشكيل حكومة وحدة وطنية أو إنقاذ وطني أو حكومة ائتلافية تضم كفاءات غير حزبية، مع تغيير شخص رئيس الوزراء واستبدال الوزراء الذين يتقاطع عملهم مع إدارة وتنظيم العملية الانتخابية كالداخلية والعدل والتموين والتنمية المحلية والإعلام والشباب بوزراء غير حزبيين ومحايدين تماما لضمان نزاهة وشفافية هذه العملية.

ورغم تشكيل اللجنة العليا للانتخابات وإسناد مهمة إدارة العملية الانتخابية برمتها إليها، يعتقد أصحاب هذا التوجه أن شرط حيادية وزراء الحقائب المرتبطة بإدارة الانتخابات يعد ضروريا في مراحل الانتقال الديمقراطي بالدول التي لم تستقر بها بعد القيم والقوانين والإجراءات التي تكفل وتضمن نزاهة الانتخابات، والتي لم تتحرر بها المجتمعات المعنية بعد من إرث الاستبداد الطويل في تزوير الانتخابات والتلاعب بنتائجها عبر أدوات مختلفة، من بينها العصف بسيادة القانون وتعبئة موارد الدولة لمصلحة نظام الحكم وحزبه.

وبدوره، أكد رئيس حزب المؤتمر القيادي بجبهة الإنقاذ الوطني عمرو موسى رفض الجبهة لدعوات متكررة من مؤسسة الرئاسة والحكومة لقياداتها ورؤساء أحزابها من أجل ترشيح بعض الشخصيات بالحكومة الحديدة، عازيا ذلك الرفض إلى افتقاد إدارة البلاد الحالية للرؤية المستقبلية أو السياسات المدروسة أو أي برنامج وطني متفق عليه للتعاطي مع مشاكل البلاد وأزماتها في المرحلة الحالية.

وفيما لم يطل التعديل الوزاري الأخير أيا من الوزارات السيادية، كما خلا من النساء والمسيحيين أو أية أحزاب سياسية خارج السلطة، ارتأى معارضون أنه أضاف إلى وزراء الإخوان الباقين في مواقعهم وزيرين جديدين علاوة على وزراء آخرين محسوبين بدرجة أو بأخرى على الجماعة، لتصل بذلك نسبة الوزراء التابعين للإخوان أو المحسوبين عليهم إلى نحو15 وزيرا، وهو ما غذى شكوك ومخاوف المعارضة، بشأن مدى حيادها حيال الانتخابات النيابية المزمعة، حتى إن بعض رموز المعارضة والحركات الثورية وصفت التعديل الوزاري الأخير بأنه خطوة جديدة باتجاه "أخونة الدولة"، والسيطرة على مفاصلها توطئة للتحكم في مسار الانتخابات المقبلة.

وقد بلغ التشدد والتربص ببعض المعارضين حد التشكيك في دستورية التعديل الوزاري الأخير، مستندين إلى تفسيرهم الخاص لبعض مواد الدستور الجديد، الذي يرون أنه يقضي بأن يختار رئيس الجمهورية رئيسا للحكومة ويكلفه تشكيل حكومة وعرض برنامجها على مجلس النواب خلال ثلاثين يوما على الأكثر، فإذا لم تحصل على الثقة يحل رئيس الجمهورية مجلس النواب ويدعو لانتخاب مجلس جديد خلال ستين يوما من تاريخ صدور قرار الحل، وعند حل المجلس يعرض رئيس مجلس الوزراء تشكيل حكومته وبرنامجها على مجلس النواب في أول اجتماع له، وهو ما لم يحدث.

أوغل المعارضون في التربص حينما شككوا في دستورية مشاركة رئيس الجمهورية بتشكيل الحكومة مرتئين في ذلك تعارضا مع الدستور الجديد

ومن ثم رفع أولئك المعارضون دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري طالبوا فيها بوقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية باختيار وتكليف رئيس الوزراء بتشكيل الحكومة على اعتبار أن القرار مخالف للدستور الجديد كون التشكيل الحكومي لم يعرض على مجلس النواب لعدم وجوده. وأوضحت الدعوى، أنه لا يجوز اعتبار غياب مجلس النواب بسبب حكم وقف إجراء الانتخابات بموجب حكم القضاء الإداري حلا له لأن الغياب هنا غير محدد المدة ولأجل غير مسمى.

وإلى أعمق من ذلك أوغل معارضون في التربص حينما شككوا في دستورية مشاركة رئيس الجمهورية بتشكيل الحكومة حسبما أعلن رئيسها هشام قنديل بأن تنسيقا تم بينه وبين الرئاسة بهذا الصدد، مرتئين في ذلك تعارضا مع الدستور الجديد، الذي يجعل للحكومة ورئيسها صلاحيات أصيلة في هذا الصدد. حيث يلتزم الرئيس بتعيين رئيس للحكومة يرشحه الحزب أو الائتلاف الذي يحظى بالأغلبية في مجلس النواب، بينما لا يحق للرئيس التدخل في تشكيل الحكومة. وبما أن التعديل الوزاري الأخير لم يتم علي هذا الأساس, يرى أولئك المعارضون جواز الطعن في دستوريته.

وعلاوة على ما ذكر آنفا، يتملك بعض رافضي الاستوزار تخوف من طغيان الصورة الذهنية النمطية السلبية عن الحكومة ممثلة في رئيسها ووزرائها بوصفهم مجرد سكرتارية لرئيس الجمهورية، ظانين أن تطبيق مواد الدستور الجديد التي تقضى بتقاسم كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة للسلطة التنفيذية، ربما يرجئ إلى حين تشكيل حكومة جديدة عقب الانتخابات البرلمانية المرتقبة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك