ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

عندما فكّر آباء الحركة الصهيونية بإنشاء إسرائيل كان ظنّهم في ذلك أنهم يقومون بـ"حل" المسألة اليهودية في أوروبا، أي إيجاد حل لمشكلة لما يعرف باضطهاد اليهود، وربما لم يخطر في بال هؤلاء حينها، أن هذه الدولة، ستخلق معها عديدا من المسائل الأخرى، وضمنها: المسألة الإسرائيلية، التي تشمل اليهود في إسرائيل وخارجها. والمسألة الفلسطينية، المتعلقة بنكبة شعب فلسطين وحقوقه المشروعة. والمسألة التي تخصّ علاقة إسرائيل بمحيطها وعلاقة العرب بها. وأخيراً المسألة المرتبطة بكيفية إدراك العرب للغرب، والتوتّر الناشئ عن علاقة الغرب بإسرائيل، ودعمه لها.

هكذا، ومنذ البداية، وبدلاً من حلّ المسألة اليهودية في البلدان الأوروبية المعنيّة، وفي مواطن اليهود ذاتهم، ضمن إطار النضال الديمقراطي في تلك البلدان، كما كانت تدعو بعض النخب اليسارية والليبرالية اليهودية؛ قامت الحركة الصهيونية بقطع هذا المسار بادّعاء صوغ حلّ "قومي" لهذه المسألة يتمثّل باقتلاع، أو بنقل، اليهود من بلدانهم وتوطينهم في أراضي شعب آخر. وبهذا فقد تمّ استغلال الدين اليهودي في أغراض التعبئة، مع ترويج أساطير من مثل "شعب الله المختار" وعودة اليهود من "الدياسبورا" (الشتات) إلى "أرض الميعاد"، التي هي "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، بحسب الترويجات الصهيونية.

الوحدات البشرية التي تتطوّر إلى مرحلة "القومية" يلزمها عوامل أساسية، مثل الاشتراك في الثقافة والتاريخ والإقليم وطريقة العيش، ولكن اليهود جاؤوا من عشرات البلدان، على اختلاف لغاتها وثقافاتها وتواريخها وهوياتها
عدا عن تسبّبها باقتلاع اليهود من مواطنهم، ومجتمعاتهم، وثقافاتهم السابقة، فإن فكرة "القومية" اليهودية انطوت على تناقض بيّن، فالقومية مفهوم سياسي حديث يختلف عن الفكرة الدينية، وليس ثمة سابقة تتضمّن التطابق بين الدين والقومية في الديانات السماوية أو الأرضية. وحتى لو أخذنا الطابع الخاص للديانة اليهودية فإن الوحدات البشرية التي تتطوّر إلى مرحلة "القومية" يلزمها عوامل أساسية مثل الاشتراك في الثقافة والتاريخ والإقليم وطريقة العيش، في حين أن اليهود جاؤوا من عشرات البلدان، على اختلاف لغاتها وثقافاتها وتواريخها وهوياتها.
 

مع كل ذلك فقد صنّعت الصهيونية أو بالأحرى اخترعت (بحسب تعبير لشلومو ساند) نوعاً من رواية يهودية خاصّة تعتبر اليهود حالة استثنائية لبشر عاشوا رغماً عن التاريخ والجغرافيا، كأنهم خارج الزمان والمكان، وهو أمر ما كان يمكن ترويجه حتى بين اليهود أنفسهم لولا اتكاؤه على العقيدة، أو الأسطورة، الدينية.

وعموماً فقد تمكّنت إسرائيل، فيما بعد، بفضل ما تسميه "بوتقة الصهر" خاصّتها، المتمثّلة بإحياء اللغة العبرية والاستناد على سردية دينية للتاريخ؛ من إضفاء تبرير تاريخي وأخلاقي على قيامها، مع مؤسسات مثل: الجيش والجامعات والهستدروت والأحزاب والكيبوتزات والموشاف ومتحف "الهولوكوست" والصحف وغيرها، من تخليق مجتمع يعيد إنتاج ذاته، لا سيما بعد أن بات اليوم حوالي 70% من اليهود فيها من مواليدها.

المفارقة أن النجاح الذي حقّقته الصهيونية بإنشاء إسرائيل نجم عنه نفيها، فقد انتهى دور كيانات مثل "المنظمة الصهيونية" و"المؤتمر اليهودي العالمي" و"الوكالة اليهودية". وهذا ما عبّر عنه جدعون ليفي بالكلمات التالية: "الصهيونية صارت في الخامسة عشرة بعد المائة من العمر. وكان ينبغي أن تحال منذ وقت طويل إلى التقاعد... مثل عجوز انقضى زمانها... وبات عليها أن تنزل بكرامة عن منصّة التاريخ. وهذا الأمر يسري أضعافاً، إذا كانت الحركة حققت أهدافها وغدت مجرد جثة... ما هو دور الصهيونية وما تعريفها... تلك البسطة الفارغة كان ينبغي إغلاقها منذ وقت طويل، فالصهيونية إلى السلة والدفن... هكذا فإن الصهيونية غير ذات شأن.. لقد انتهى برنامج الصهيونية وبدأ برنامج النضال من أجل طابع الدولة وصورتها". (هآرتس 27/4/2012)

حقّاً لقد ذهبت الصهيونية (ككيانية سياسية) وباتت صنيعتها إسرائيل هي النتاج المتجسّد لحلّ المسألة اليهودية في أوروبا، لكن هذا "الحل" ولّد بدوره، كما ذكرنا، المسألة الإسرائيلية، التي لا تتعيّن مقابل الفلسطينيين أو الدول العربية، فقط، إذ إنها هنا تخصّ اليهود في إسرائيل، ومعنى وجود دولتهم، بغضّ النظر عن الجدل بشأن شرعيتها الأخلاقية والقانونية والتاريخية.

فبالنسبة إلى اليهود، بشكل عام، بات ثمة واقع من هوية إسرائيلية يجري تطويرها في مجتمع يعيش في إطار دولة متعيّنة، على التاريخ والثقافة والتاريخ والسياسة ونمط الحياة المشترك. وبديهي أن هذه الهوية تمايز بين يهود "اليشوف" (إسرائيل) ويهود "الدياسبورا" ("الشتات")، مما يفسّر الجدل الدائر بشأن من هو اليهودي (الديني أم العلماني)؟ وبشأن اعتبار أن اليهودي الحقيقي أو الصهيوني الحقيقي، والذي يحقّ له التقرير في شؤون إسرائيل، إنما هو اليهودي الإسرائيلي حصراً.

وهذا يشمل التطلّب من يهود الخارج الهجرة إلى إسرائيل لإثبات يهوديتهم أو تقديم الدعم لها، من دون التدخل في تقرير شؤونها؛ ويأتي ضمن ذلك، أيضاً، الجدل بشأن اعتبار إسرائيل مركزاً ليهود العالم أو أحد مراكزهم.

هكذا، وبدلاً من أن تتحوّل إسرائيل إلى دولة حلّ باتت دولة مشكلة، فهنا نشأت هوية إسرائيلية مدنية ومتجسّدة مقابل هوية يهودية دينية ومتخيّلة، وعابرة للحدود. وهذه الدولة بدلاً من أن تصبح الملاذ الآمن ليهود العالم، إذا بها أكثر مكان يشكّل خطراً على اليهود، بل إنها المكان الوحيد الذي يستعر فيه العداء لليهود لكونهم يهوداً، بسبب السياسات التي تنتهجها دولتهم. وهذه الدولة بدلاً من أن تحمي اليهود في العالم وتقدّم الدعم لهم باتت هي بمثابة عبء سياسي وأمني واقتصادي وأخلاقي عليهم، وعلى الدول التي تدعمهم.

فكرة إسرائيل ذاتها، ومآلات وجودها، باتت مطروحة اليوم للنقاش، وباتت موضع تشكّك رغم ما حققته من نجاحات خلال العقود الماضية، سياسياً واقتصادياً وتكنولوجياً

فوق كل ذلك فإن المسألة الإسرائيلية ناجمة أيضاً عن الإخفاق في إقامة دولة يهودية خالصة، إذ ظلت إسرائيل بمثابة دولة "ثنائية القومية" (مع وجود الفلسطينيين) والأنكى أنها لم تحافظ على كونها دولة ديمقراطية سليمة، بتمييزها ضد الفلسطينيين بسبب الدين. والمفارقة، أيضاً، أن تديين الصهيونية، بدل علمنتها، لم يؤثّر فقط في مفاقمة التمييز ضد الفلسطينيين وإنما أثّر أيضاً في التضييق على اليهود العلمانيين أنفسهم الذين باتوا يرون أنفسهم في دولة تبدو أكثر فأكثر دولة دينية أخرى.

هكذا فإن فكرة إسرائيل ذاتها، الدولة والمجتمع، ومآلات وجودها، باتت مطروحة اليوم على النقاش، وباتت موضع تشكّك، رغم ما حققته من نجاحات خلال العقود الماضية، سياسياً واقتصادياً وتكنولوجياً، وبالنسبة إلى عملية بناء الدولة والمجتمع، وذلك بالقياس إلى محيطها.
 

هذا يمكن التأكد منه من جدالات النخب الإسرائيلية ذاتها، فهذا مثلا جدعون ليفي يعتبر أن إسرائيل ما زالت تواجه الأسئلة التي طرحت عليها منذ قيامها: "هل يعلم أحد هل ستكون إسرائيل ديمقراطية بعد عشر سنين؟.. وهل ستكون علمانية أم تصبح دولة شريعة يهودية؟.. مدنية أم عسكرية؟ وهل يوجد فيها مجتمع أوروبي أم شرق أوسطي أم شكل آخر؟.. وماذا ستكون حدودها؟" (هآرتس، 15/4/2012).

المسألة الثانية المنبثقة عن قيام إسرائيل، هي المسألة الفلسطينية، وهذه تبدو متشعّبة وتتعلّق بالفلسطينيين الذين تشبّثوا بأراضيهم عند قيام إسرائيل (1948)، وباتوا يشكلون اليوم 24% من مواطنيها، فقد شكّل هؤلاء عامل كبح لإمكان تحوّل إسرائيل إلى دولة يهودية خاصة، كما أن نضالهم ضد التمييز ضدهم كشف حدود الديمقراطية الإسرائيلية وطابعها العنصري.

وثمة الفلسطينيون في الأراضي المحتلة (1967) الذين يعيشون في ظل الاحتلال الإسرائيلي، والذين تثير مقاومتهم تعاطف العالم، وتعرض إسرائيل باعتبارها دولة استعمارية وعنصرية ودينية. وفوق هذين ثمة قضية الفلسطينيين اللاجئين، التي تمثل عمود السردية الفلسطينية، حيث تشكّل قضية حقّ العودة عقبة رئيسة في إمكان تطبيع إسرائيل وجودها في المنطقة، أو بشأن إمكان عقد تسوية تختزل قضية فلسطين في الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967، وتستبعد قضية اللاجئين الذين تشكل روايتهم، وقضيتهم، أساس الهوية والوطنية الفلسطينية المعاصرة.

عدا ذلك ثمة المسألة الثالثة، وهي تمسّ علاقة إسرائيل بالمحيط العربي، ومدى قدرتها على تطبيع وجودها في هذه المنطقة. وبديهي أن إسرائيل التي تعتبر نفسها مجرد "غيتو" يهودي في الشرق الأوسط، والتي تصرّ على الاعتراف بها حصراً باعتبارها دولة يهودية، والتي تعتبر نفسها تنتمي للغرب، وأنها امتداد له في الشرق الأوسط، فإن هذه الدولة لا يمكن أن تتصالح مع المنطقة، أو أن تطبّع معها، لا سيما وهي تنتهج سياسات عدوانية وعنصرية واستعلائية، وضمنها احتكارها التسلّح النووي.

ولا شكّ في هذا المجال أن المسألة الفلسطينية تخصّ، أيضاً، البلدان العربية المستقبلة للاجئين، وهي بلدان لا يمكن أن تطبّع أو ترسّم تسوية مع إسرائيل، بدون تسوية وضع هؤلاء، سواء من منطلقات مبدئية أو من منطلقات مصلحية.

أما المسألة الرابعة الناجمة عن إقامة إسرائيل فتتعلق بإدراكات العرب للغرب، ذلك أن وجود إسرائيل بات يشكّل عبئاً سياسياً وأخلاقياً (عدا عن كونه عبئاً أمنياً واقتصادياً) على الدول الغربية، إذ لا يمكن النظر إلى الدول الغربية، من منظور معظم مواطني البلدان العربية، من دون الأخذ بالاعتبار الدعم الذي محضته هذه الدول لإسرائيل. وبديهي أن هذا الأمر يثقل على علاقات العرب بالغرب، ويحول دون تخليق علاقات سوية، أو سليمة، بينهما، بما في ذلك تشكيل إدراكات أكثر موضوعية عن الغرب يحتاجها العرب للمصالحة مع ذاتهم ومحيطهم وعصرهم.

عموماً، يبدو أن الواقع، والتاريخ، يعملان كل بطريقته الخاصة و"الماكرة"، بغضّ النظر عن إرادة إسرائيل، فهذه الدولة أخفقت في التحول إلى دولة يهودية خالصة، إذ ثمة اليوم وضع ثنائي "القومية"، يشقّ طريقه وإن ببطء وصعوبة في رحم الواقع المتشكّل بحكم القوة في فلسطين/إسرائيل، وإن في ظل علاقات هيمنة استعمارية وعنصرية. وعلى رغم أن إسرائيل تفضّل إنكار هذا الواقع، وترفض تنمية إدراكها بحقائقه ومتطلّباته، مثلما ترفض الاعتراف بمستحقاته، إلا أنه يقف أمامها في كل مرحلة، وعند كل محطّة، لا سيما مع إصرارها على استمرار الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية، وحؤولها دون تمكين الفلسطينيين من إقامة دولة مستقلة لهم.

إسرائيل لم تعد الدولة النموذج التي تسهر على رفاهية مواطنيها اليهود لجذب المهاجرين إليها، بخاصّة بعد أن أخذتها رياح النيوليبرالية المتوحّشة

من ناحية ثانية، فإن إسرائيل هذه، التي ظلّت تروّج لذاتها باعتبارها بمثابة "واحة" للحداثة والعلمانية، وبمثابة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، إذا بها اليوم تنكص إلى الخلف، وتبدو أكثر من أي وقت مضى، مجرد دولة دينية شرق أوسطية أخرى، وعلى شكل دولة عنصرية تميّز على أساس الدين، بحيث باتت دولة استعمارية وعنصرية ودينية، وكظاهرة رجعية في الشرق الأوسط، حتى في أنظار اليهود داخلها وخارجها.

وفي غضون ذلك فإن إسرائيل لم تعد الدولة النموذج التي تسهر على رفاهية مواطنيها اليهود لجذب المهاجرين إليها، بخاصّة بعد أن أخذتها رياح النيوليبرالية المتوحّشة، فخصخصت قطاعاتها العامة، وهمّشت مؤسساتها الكبرى (الهستدروت والكيوبوتزات والموشاف)، وقلّصت التقديمات الاجتماعية.

يبقى أن ثمة ملاحظة ختامية أساسية لا بد منها في هذا السياق، ومفادها، أن إسرائيل هذه تبدو قوية ومتغطرسة ومتجبّرة، فقط بسبب هشاشة وضع العربي، أي بسبب الأنظمة الاستبدادية والمتخلفة التي همّشت مجتمعاتها، وأخرجتها من السياسة، ومن معادلات موازين القوى في مواجهة إسرائيل. إزاء ذلك يبدو لزاماً علينا أن ننتظر كي نرى كيف ستبدو إسرائيل بعد التغيرات المحمولة على رياح الثورات الشعبية العربية، على علاتها ومشاكلها ونواقصها، إن لم يكن على المدى القريب، ففي المدى المتوسط.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك