رشيد يلوح

رشيد يلوح

رشيد يلوح

مع التحاق علي أكبر هاشمي رفسنجاني ورحيم مشائي بقوائم المرشحين للانتخابات الرئاسية في اللحظات الأخيرة، ترتفع حرارة التحضيرات الانتخابية الإيرانية، فمن بين 686 طلبًا للترشيح، سيكون طلبا رفسنجاني ومشائي، من أهم ما سينتظر الرأي العام الإيراني نتيجته يومي 22 و23  مايو/أيار بعد تصفيات مجلس صيانة الدستور. وكيفما كانت النتيجة، من المحتمل أن تؤجِّجَ -ولأول مرة- صراعًا طاحنًا بين القوى الأصولية، كما ستكون بداية المعركة الأخيرة بين الإصلاحيين الذين يقفون وراء رفسنجاني وخصومهم في التيار الأصولي.

تبدو دعوة خامنئي الموجهة إلى مجلس صيانة الدستور، بضرورة اختيار المرشحين الأكثر صلاحا للرئاسة، وكأنها ضوء أخضر للوقوف في وجه المغضوب عليهم من كل التوجهات

تبدو دعوة مرشد الثورة خامنئي الأخيرة الموجهة إلى أعضاء مجلس صيانة الدستور -والقاضية بضرورة اختيار المرشحين الأكثر صلاحا للرئاسة- وكأنها ضوء أخضر للوقوف في وجه المغضوب عليهم، سواء من التيار الإصلاحي، أو الطيف النجادي (المجموعات والقوى الموالية للرئيس الحالي أحمدي نجاد)، أو من طيف رفسنجاني. وقد يتعزز هذا الظن مع التحركات النشطة لبرلمانيين أصوليين متشددين(المعروفون إعلاميا بالمحافظين) نجحوا في جمع مائة توقيع داخل البرلمان على رسالة موجهة لمجلس صيانة الدستور تدعوه إلى منع رفسنجاني ومشائي من الدخول إلى السباق الانتخابي.

وقد سبقت هذه التحركات تصريحات ومقالات مشابهة لمقربين من خامنئي، منها ما كتبه الصحفي حسين شريعتمداري قبل أيام في صحيفة كيهان حين وصف الرئيس السابق محمد خاتمي بعميل أميركا، والمفسد في الأرض.

وكذلك قول إمام جمعة طهران المؤقت أحمد خاتمي بأنّ الرئيس القادم ينبغي أن يكون مستعدًا للعمل ضمن الولاية المطلقة لمرشد الثورة. يضاف إلى ذلك تصريح محمد خامنئي -الأخ الأكبر لمرشد الثورة- الذي اعتبر رفسنجاني ورقة أميركا وعملائها في الانتخابات الرئاسية.

من الواضح أنّ رسالة شريعتمداري موجهة إلى التيار الإصلاحي، ورسالة أحمد خاتمي موجهة إلى الطيف النجادي، ورسالة محمد خامنئي موجهة إلى طيف رفسنجاني. وصلت الرسائل، لكن حضور مشائي مرشح أحمدي نجاد، ورفسنجاني المدعوم من محمد خاتمي يعني أنّ الرسائل لم تحقق غرضها، وأنّ الأيام القادمة ستحمل تطورات مثيرة في الصراع بين دائرة خامنئي وخصومها السياسيين.

حدد خامنئي في خطابه الأخير أهداف الانتخابات الرئاسية في هدفين: الأول هو تحقيق مصالح الشعب الإيراني، والثاني هو مواجهة أعداء الثورة، مؤكدا أن الأعداء يريدون لهذه الانتخابات أن تحقق أقل نسبة من المشاركة، وأن تفضي نتائجها إلى ما يسقط البلاد في التبعية للغرب.

منذ عقدين تقريبا أصبحت كل معارضة لسياسات مرشد الثورة في إيران تفسر على أنها عداء للثورة، وعمالة للغرب بالضرورة. ومن المؤكد أنّ النظام يريد ترتيب الفضاء الانتخابي الحالي لتحصيل نتيجتين أساسيتين، الأولى: نشاط انتخابي حماسي يؤكد به لخصومه في الخارج استحكام شرعيته داخليًا، والثانية: ضمان فوز رئيسٍ مستعدٍ للعمل بتوافق مع شبكة الأجهزة التابعة للمرشد. وفي الوقت نفسه سيكون هذا الرئيس مُطالبًا بتقديم حلول عاجلة لأوضاع البلاد المتأزمة.

اتضح مما تداولته أجهزة الإعلام أنّ حضور رفسنجاني في آخر لحظة كان صادمًا لخصومه، وعلى رأسهم محمد خامنئي ومن معه من الأصوليين الذين حاولوا طوال الأيام الماضية ترهيب رفسنجاني إعلاميًا، محذرين إياه من مغبة تقديم ترشيحه. لكن من المحتمل أن يكون رفسنجاني -والذي اشترط أكثر من مرة لترشيحه موافقة المرشد- قد حصل بالفعل على موافقة من الأخير، فربما أراد المرشد بهذا القرار أن يرفع حرارة السباق الانتخابي بوجود مرشح بحجم رفسنجاني، خاصة في غياب رمز التيار الإصلاحي محمد خاتمي.

احتمالات فوز رفسنجاني بالسباق ضعيفة في تقدير المحيطين بخامنئي، خاصة بعد الخسارة التي مني بها في منافستين رئاسيتين في عامي 2005 و2009

وقد تكون احتمالات فوز رفسنجاني بالسباق في تقدير المحيطين بخامنئي ضعيفة، خاصة بعد الخسارة التي مني بها في منافستين رئاسيتين في عامي 2005 و2009. ولربما انسجم هذا التفسير مع ما صرح به محمد خاتمي من أنّ النظام قد يسمح لبعض خصومه بدخول المنافسة، لكنّه لن يسمح لهم بالفوز.

وقد تكون خسارة رفسنجاني نهاية غير مشرِّفة تساوي موتًا سياسيًا، وخاصة أنّ الضغوط والمضايقات التي تعرّض لها الرجل طوال السنوات الأربع الماضية تؤكد هذا التفسير.

وفي هذا السياق أيضًا، يمكن فهم رفض ترشيح ابنه محسن للانتخابات المحلية التي ستنظم بموازاة الانتخابات الرئاسية. كما يتعين ألا يغيب عنا أن ابنته فائزة قد قضت ستة أشهر في سجن طهران ضمن مقتضيات حكم قضائي يقضي بحرمانها من العمل السياسي والإعلامي لخمس سنوات، وأنّ ملف ابنه مهدي وصل إلى يد القضاء، وهو مثقل بتهم خطيرة، منها التخطيط لثورة هادئة.

من المتوقع أن يحصل رفسنجاني على تأشيرة مجلس صيانة الدستور، مما سيفرض على التيار الأصولي إعادة ترتيب أوراقه، إذ ستضطر بعض الأسماء الأصولية إلى سحب ترشيحها تفاديًا لتشتيت أصوات هذا التيار.

ومع إعلان محمد خاتمي ومن معه من القيادات الإصلاحية رسميا دعمهم لرفسنجاني، ستكون المعركة الانتخابية شديدة بين الأصوليين المقربين من خامنئي من جهة، وطيف رفسنجاني، والتيار الإصلاحي من جهة أخرى، وقد تأكد هذا المنحى مع إعلان أربعة من الأسماء الإصلاحية سحب ملفات ترشيحهم لصالح رفسنجاني.

الخصم الثاني، والمؤثر في المشهد هو مستشار الرئيس أحمدي نجاد رحيم مشائي الذي رفض خامنئي تعيينه في منصب نائب الرئيس عام 2009، وتلاحقه اتهامات كبيرة من مجموعات أصولية، منها القول بتزعمه لتنظيم سري منحرف عقديًا. لكن أحمدي نجاد الذي رافقه أثناء تقديم ملف ترشيحه وصفه بالرجل المؤهل للرئاسة، وفي تماهٍ كبيرٍ قال عنه للصحافيين: نجاد هو مشائي، ومشائي هو نجاد. هذا الكلام يدل على أنّ مشائي هو بالفعل رهان نجاد في استمرار خطه السياسي.

يعتبر مشائي صاحب فكرة "المدرسة الإيرانية" التي أثارت غضب المؤسسة الدينية الرسمية، وهي فكرة تدّعي أنّ الإسلام الإيراني هو أرقى أنواع الإسلام. وتستهدف أفكار هذه المدرسة بشكل مباشر نظرية الولي الفقيه، وهيمنة رجال الدين على الحكم.

من المستبعد حصول مشائي على موافقة مجلس صيانة الدستور، وقد يفتح منع ترشيحه باب الصراع على مصراعيه بين الطيف النجادي وباقي الأصوليين، على اعتبار امتداد أنصار أحمدي نجاد داخل التيار الأصولي، إضافة إلى غياب مرشح آخر يمكن أن يعتمد عليه نجاد. وأمام الاحتمال الضعيف لقبول مشائي، يمكن أن تكون خطوة ترشيحه مجرد مناورة من الطيف النجادي لإحراج النظام، وكسب تعاطف الرأي العام الذي سيبدو أمامه نجاد وأنصاره مظلومين من طرف خصومهم.

يبدو أنّ التغيير الذي أحدثه دخول رفسنجاني ومشائي على حسابات الأصوليين، قد يفرض عليهم التوافق على شخصية سعيد جليلي

ويبدو أنّ التغيير الذي أحدثه دخول رفسنجاني ومشائي على حسابات الأصوليين قد يفرض عليهم التوافق على شخصية سعيد جليلي، رئيس مجلس الأمن القومي، وكبير المفاوضين في الملف النووي الإيراني، والذي أعلن نفسه مرشحًا مستقلا، رغم قربه من جبهة "الثبات" التي يقودها رجل الدين المتشدد مصباح يزدي، والذي لعب دور الداعم الأساسي لأحمدي نجاد في انتخابات عام 2009.

وفي هذا السياق، أعلن كل من علي أكبر ولايتي وغلام علي حداد عن استعدادهما للانسحاب لصالح جليلي، كما أعلن مرشحان أصوليان آخران عن انسحابهما فعلا. هذه التطورات تشي بتشكّل اقتناع لدى الأصوليين المقربين من خامنئي بدعم سعيد جليلي، وذلك لاعتبارات عدة، منها: قربه من مرشد الثورة علي خامنئي، وانتماؤه إلى الجيل الجديد من السياسيين، وقبوله في الأوساط الأصولية الجامعية والشبابية، واطّلاعه الكبير على تفاصيل التحديات الخارجية الإيرانية.

وختامًا، أثبت صعود رفسنجاني ومشائي إلى قطار المنافسة الانتخابية في اللحظة الأخيرة، أنّ الساحة السياسية الإيرانية ما زالت قادرة على صنع مفاجآتها. لكن، إلى أين سيتجه القطار برفسنجاني ومشائي؟ وأي لون ستحمله المفاجآت في الانتخابات الرئاسية الإيرانية هذا العام؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك