مرح البقاعي

مرح البقاعي

شاعرة وإعلامية وأكاديمية سوريّة

حدود المرونة الأميركية
السباحة مع الشيطان
العدالة الثورية

يضيف تدمير قوات النظام السوري لجسر مدينة دير الزور المعلّق، وهو جسر تاريخي يعود للعشرينيات من القرن الفائت تمّ بناؤه على نهر الفرات في فترة الانتداب الفرنسي لسوريا ويصنّف ثاني جسر في العالم مشيّد على هذا الطراز المعماري بعد جسر جيكلار في جنوب فرنسا، يضيف هذا الحدث مشهداً جديداً لسياسة الهدم الممنهج الذي يتّبعه النظام السوري، والذي شمل جسر دير الزور بعد أن استهدف بالاعتداء والتخريب بيوت الله والبنى التحتية والمنشآت الحيوية لعامة المدن المنتفضة، وانقضّ موازاةً لهذه الاستباحات على البنيان البشري السوري فقتل وذبح واعتقل وعذّب عشرات الآلاف، وأحال الملايين إلى دياسبورا في دول الجوار والعالم.

أما اليوم، وإثر تجاوز قوات الأسد الخط الأحمر الذي رسمه حاكم البيت الأبيض باراك أوباما، ولجوئها إلى استخدام السلاح الكيمياوي ضد المدنيين السوريين، نجد من الملزم أن نتساءل بتهكّم: ما هي حدود مرونة الخط الأحمر الأميركي؟!

حدود المرونة الأميركية
فالرئيس أوباما، الذي حاز على جائزة نوبل للسلام والذي ينسحب باستعجال من ساحات حروب خاضها سلفه الجمهوري جورج دبليو بوش، أمسى أسير لقب السلام ذاك إلى درجة تجعله يتعامى عن المحرقة السوريّة التي يُضرم نارها كل يوم، وفي غير بلدة سوريّة، جيش بشار الأسد ومليشياته المدرّبة على التعذيب والاعتداء الجنسي وقنص المدنيين واقتلاع الحناجر وحرق الجثث أو التمثيل بها، ولن تكون مجزرة البيضا في ريف بانياس آخر هذه المجازر في حملة العنف والاستشراس الأسدي مقابل انكماش القرار الدولي.

الإدارة الأميركية التي تختبئ وراء إصبعها وهي تراقب المشهد الدمويّ، ما فتئت تفتّش عن الذريعة تلو الأخرى من أجل النأي بالنفس عن إمكانية التدخّل بهدف حماية المدنيين السوريين

هكذا تقف الدولة العظمى، التي حملت مبادئ الدفاع عن حقوق الإنسان في ضميرها الشعبي والدستوري، بإرادة أصحاب القرار فيها عاجزة عن حماية حقوق الإنسان السوري الذي يتعرّض لكارثة إنسانية هي الأبشع في التاريخ المعاصر منذ أحداث الحرب العالمية الثانية ومجازرها التي ارتكبها أدولف هيتلر.

فالإدارة الأميركية التي تختبئ وراء إصبعها وهي تراقب المشهد الدمويّ المنفلت في سوريا، أمنياً وعسكرياً وإنسانياً، ما فتئت تفتّش عن الذريعة تلو الأخرى من أجل "النأي بالنفس" عن إمكانية التدخّل بهدف حماية المدنيين الذين يواجهون عمليات تطهير عرقي من قبل نظام مدجّج بالأسلحة القتالية الحربية، ومدعوماً -لوجستياً وبشرياً- بالقوّتين الروسية والإيرانية، مغتنماً حالة غض البصر التي يعتمدها المجتمع الدولي وتقاعسه المقيت عن اتخاذ إجراء حاسم لإنقاذ من تبقّى حيّاً من الدياسبورا السوريّة.

ومن المطبّات الإعلامية التي وقعت فيها الإدارة الأميركية مؤخّراً هي تلك العبارة الملتبسة التي أطلقها البيت الأبيض في بيانه الصحافي إثر تسرّب أخبار استعمال النظام السوري للسلاح الكيمياوي في غير موقع ضد مقاتلي المعارضة، ثم نشْر جريدة نيويورك تايمز تحقيقاً مدعّماً بتسجيل مصوّر عن المصابين بالكيمياوي، تلك العبارة الملتبسة مفادها أن السلاح الكيمياوي استعمل "على نطاق محدود"!

فما هو التفسير العلمي والعسكري لاستعمال محدود لسلاح يصنّف تحت عنوان أسلحة الدمار الشامل؟ وهل تجاوزُ الخط الأحمر الأميركي يتعلّق بالكم أم بالكيف في هذه الحالة؟ ولماذا يبحث أوباما عن الذرائع لعدم التدخّل لضبط مواقع الأسلحة الكيمياوية في سوريا، والتي أكّدت مخابراته وجودها واستعمالها في المعارك الدائرة، بينما سلفه بوش "اخترع" وجودها للتدخّل في العراق رغم معرفته بعدم وجود أسلحة الدمار هناك؟! 

وفي مؤتمر صحافي لأوباما بعد عدة أيام من إطلاق بيان البيت الأبيض ذاك قال: "الأسلحة الكيمياوية استعملت فعلاً في سوريا، لكننا لسنا متأكدين أين ومتى ومن الجهة التي استعملتها"! ها هو يردّنا إلى المربع الأول من جديد، ويتجاهل ضغط الصقور الجمهوريين من خصومه السياسيين العتاة، من أمثال عضويّ مجلس الشيوخ جون ماكين وليندسي غراهام، اللذين يحضّان أوباما على الالتزام بسياسة "الخط الأحمر" والتدخّل من أجل تحييد مواقع الأسلحة الكيمياوية في سوريا ومنع انتقالها إلى أيدي الجماعات المتشدّدة.

وذكرت جريدة واشنطن بوست أن أوباما "تراجع عن خطّه الأحمر"، وأضافت حتى بعد إعلان وزير الدفاع تشاك هيغل أن واشنطن تعتقد بدرجات متفاوتة من الثقة أن تلك الأسلحة استخدمت فعلاً، خرج الرئيس أوباما ليعلن أنه لم يكن "يراوغ"!

السباحة مع الشيطان
من السهل لقارئ الفعل السياسي الأميركي في مجريات الأزمة السورية بعد مرور عامين دمويين ونيف على اندلاع الثورة الماجدة التي بدأت بمسيرات سلمية في درعا، وباعتصامات أغصان الزيتون في حمص وحماة، وبمظاهرات لحَمَلة زهر القرنفل من شباب داريا، من السهل له أن يحدّد الإستراتيجية السياسية لأوباما الذي ساهم برسم خريطة الطريق لها في مؤتمر جنيف المنعقد في 30/6/2012 بحضور الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

وقد أكّد المؤتمر في وثيقته الختاميّة على ضرورة إيجاد حل سلمي تفاوضي في سوريا، دون أن يستثني بشار الأسد أو أفراد نظامه من المقرّبين من المشاركة في العملية التفاوضية الانتقالية، وهما الشرطان اللذان أكّدت عليهما روسيا التي كانت ترفض التوقيع على الوثيقة إذا لم يدخلا ضمن بنودها، هذا إلى جانب الضغط الذي مارسته من أجل درء محاولات بعض الدول الغربية إدراج بند عقابي للنظام السوري في الوثيقة ينصّ على اللجوء إلى الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة.

أوباما يرى أن وثيقة جنيف تحمل نقلة سياسية للشعب السوري من حكم العائلة الواحدة إلى دولة القانون والتعدّدية من جهة، وتساهم ما أمكن في الحفاظ على مؤسسات الدولة من الانهيار الكامل من جهة أخرى

إلا أن روسيا وقعت على يد رأس دبلوماسيتها بـ"غلطة الشاطر" مما أدى إلى أن يسارع النظام السوري لرفض الوثيقة "لدسّها السم في العسل" حسب رؤيته بعد أن كانت قد رفضتها المعارضة السورية، لأسباب مختلفة عن أسباب رفض النظام لها، وتتعلّق بخلوّها من شرط تنحّي الأسد وزمرته الحاكمة الضليعة في عمليات القتل والتعذيب والتشريد للسوريين.

غلطة الشاطر لافروف تكمن في قبوله للغة البند الذي ينصّ على تشكيل هيئة حكم انتقالية، طرفاها المعارضة والنظام، وتتمتّع بصلاحيات تنفيذية كاملة حال الموافقة عليها من كلا الطرفين. أما موافقة الطرفين فتعني في هذه الحال حق النقض للطرفين أيضاً! ومع انتفاء أي احتمال بأن توافق المعارضة على مشاركة الأسد وأزلامه ومرتزقته في حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية المرتقبة، نصل إلى خروج مؤكّد للأسد ودائرته من المرحلة الانتقالية برمّتها والتدرّج بسلاسة سياسية نحو مرحلة ما بعد الأسد لتشكيل حكومة وحدة وطنية خارج دائرة الطاغية.

نهج وثيقة جنيف يقارب إلى حد بعيد الذهنية السياسية للرئيس أوباما الذي يبني سياساته الخارجية، ولا سيما تلك المتعلّقة بالشرق الأوسط، على التأني في اتخاذ القرارات والابتعاد ما أمكن عن التقدّم في خطوات استباقية تصادمية قبل استنفاد كل الوسائل الرادعة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية.

ولأن أوباما يدرك تماماً أن القبضة والقدرة العسكرية للنظام في تراجع مطرد، على المستويين البشري واللوجستي، نتيجة لانشقاقات بين صفوف الضباط والجنود تعدّ بعشرات الآلاف، وكذا لخسارته العديد من أسلحته القتالية من طائرات مقاتلة ومن دبابات وصواريخ، وحاجته الماسّة إلى قطع الغيار والصيانة لما نجا من عتاده نتيجة الحرب اليومية المتواصلة التي يشنّها على عشرات الجبهات في المدن والبلدات السورية دونما هوادة، فهو -أي الرئيس أوباما- يرى أن وثيقة جنيف تحمل نقلة سياسية للشعب السوري من حكم العائلة الواحدة إلى دولة القانون والتعدّدية من جهة، ومن جهة أخرى تساهم ما أمكن في الحفاظ على مؤسسات الدولة من الانهيار الكامل مما يشرّع أبواب تلك المؤسسات للسيطرة عليها من قبل الجماعات القتالية "المتشدّدة" التي تملك السلاح والتصميم والعقيدة لإعلان دمشق عاصمة الخلافة الإسلامية.

العدالة الثورية
من اللافت أن الرأي العام الأميركي لم يظهر حماساً يذكر لأي شكل من أشكال التدخّل المباشر في الشأن السوري، وبدا مؤيّداً لسياسة رئيسه في انتهاج الدبلوماسية والضغط المتواصل على النظام والمطالبة الشفوية لبشار الأسد بالتنحي أو بتوجيه الوعيد ورفع عصا العقوبات من أجل حضّه على وقف اعتدائه على الشعب المكلوم.

كما أن وسائل الإعلام الأميركية لم تغطِّ الأحداث في سوريا بالزخم المفروض أن تواكب به الانتهاك الاستثنائي لحياة وأمن المدنيين الذي يمارسه جيش النظام ومليشياته بحديّ الحديد والنار، و"بالبلطات" حين يحتاج الأمر لمزيد من الترهيب.

وبالطبع هناك أسباب لهذا الموقف الشعبي والإعلامي الأميركي المتواضع من المأساة السوريّة، أهمها أن المعارضة السوريّة التي من المفترض أن تكون الناقل الإعلامي لصوت الثوار وهمزة الوصل بينهم وبين العالم، تحركت على نطاق ضيق وفردي لا يتعدّى بعض الشخصيات التي تتمتّع بمصداقية وخبرة دولية ممن قدّمت رسالة الثورة بشكل موضوعي براغماتي وإنساني بعيداً عن التهويل والصراخ والندب الأجوف الذي لا يفهم لغته الغرب، وكذا فشل المعارضة في تشكيل قوة ضاغطة (لوبي) في عواصم القرار العالمية من أجل محاكاة المؤسسات الحكومية من جهة، والرأي العام الشعبي من جهة أخرى، وحشد الدعمين الرسمي والعام لاتخاذ قرارات حاسمة بمساعدة الشعب السوري على إسقاط النظام.

هناك عامل آخر يتعلّق بالرأي العام الأميركي على وجه الخصوص الذي يركن إلى رئيس أخرجه من أتون حرب ضروس في العراق شكّلت إحدى العقد التاريخية في ضميره الجمعي بعد عقدة فيتنام. هذا إضافة إلى الوضع الاقتصادي المتأرجح، مما جعل رجل الشارع يؤيد سياسات حكومته في الابتعاد عن المغامرات العسكرية المكلفة والالتفات إلى تسريع دورة الاقتصاد في الداخل، وتحويل دفّة العلاقات مع الخارج باتجاه الشرق الأدنى حيث الصعود الصيني المنافس على المستويات العلمية والاقتصادية والسياسية كافة وكذا التغوّل الكوري الشمالي العسكري وتهديداته للأمن القومي الأميركي، وذلك بعد أن كان الشرق الأوسط في عمق الإستراتيجية السياسية للبيت الأبيض ومن ورائه الخارجية الأميركية.

حتميّة العدالة الإنسانية التي ستلاحق الأسد سواء امتثل لوثيقة جنيف أو تنحّى طوعاً أو هرب من باب قصره الخلفي، لن تسقط عنه تهم ممارسة إرهاب الدولة والقتل العمد للمدنيين

في الأول من مايو/أيار الجاري وصلت أول شحنة إمداد أميركي مباشر وغير قتالي للجيش السوري الحرّ حملت مواد طبية وسلالا غذائية وملابس واقية، وستصل شحنات مماثلة تباعاً لتساعد مقاتلي المعارضة على تضميد جراحهم وحماية صدورهم من شظايا السكود والبراميل المتفجّرة التي يمطرهم بها النظام منذ عامين وصولاً إلى العام 2014 حيث انتهاء الفترة الرئاسية لبشار الأسد!

فصل المقال يكمن في حتميّة العدالة الإنسانية التي ستلاحق الأسد سواء امتثل لوثيقة جنيف أو تنحّى طوعاً أو هرب من باب قصره الخلفي، لن تسقط عنه تهم ممارسة إرهاب الدولة والقتل العمد للمدنيين وتعريض الأمن والاستقرار العالميين للخطر ما دام حيّاً، وسيُقَدّم وشركاؤه في الجريمة إلى محاكم وطنية عادلة بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في مقدّمتها الإبادة الجماعية.

لكن شحنة إمداد أوباما للجيش الحرّ كان بإمكانها أن توفّر الغزير من الدم السوري وأن تسرّع من تقديم الأسد إلى مذبح العدالة لو أنها استُبدلت بسلاح نوعي لمقاتلي المعارضة المرابطين منذ أشهر على أبواب دمشق لا يعوقهم من دخولها سوى شحّ السلاح. وحينها فقط يكون المخرج الأوحد لبشار الأسد من قبضة العدالة الثورية طلقة واحدة في الرأس.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك