عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي

في رؤية تتجاوز المنظور الاستشراقي للجغرافيا السياسية في المنطقة يمكن رسم صورة هوليودية لما كان يتردد همسا أو تنظيرا كتابة أو شفاها، لما عرفنا بعضه ولما لم نعرف بعضه الآخر، لكن انشغالنا أحياناً بأمور كبرى وشعارات عظمى جعلنا نترفّع أحياناً عن الخوض في بعض الجزئيات، وما عرفنا أن الكليّات لا يمكن أن تكون كذلك دون جزئيات، أو فرعيات، أو هويات ذات خصوصية، كشكل من أشكال التنوّع والتعددية.

وإذا كنّا نظرياً نقرّ بذلك وندعو إليه من باب "التجريد" في بعض الأحيان، فإن مواجهة الأمر على نحو مباشر ووجهاً لوجه يضع مسؤوليات جديدة أمام المرء، وعليه اتخاذ القرار الحاسم على صعيد كل فرد، فما بالك إذا كان في السلطة أو قريباً منها، أو حتى ناقداً لها.

ينغمر الناس في علاقاتهم وصراعاتهم دون وعي أحيانا أو دون انتباه أو التفات، وهكذا تنثال الحياة بما تحمله من استمرارية واعتياد لتنسينا في غفلة منّا الكثير من الأشياء

لا أدري كيف استذكرتُ الروائي الروسي الكبير تولستوي صاحب الرواية الشهيرة "الحرب والسلام"، فقبل قرن ونحو عقدين من الزمان كان قد تحدث عن الغفلة، وربما النسيان، فكتب يقول: كنت أمسح الغبار عن أثاث غرفتي، وفيما أنا أكمل الدورة دنوت من الديوان، فوجدتني عاجزاً عن تذكّر هل مسحت الغبار عنه أم لا؟

ربّما هذا يحصل لنا، ففي غمرة الحياة المعقدة المليئة بالمتناقضات والشعارات والمثل العليا، بل والأحلام الكبيرة، كانت السياسة تتشكل على نحو آخر من الاصطفافات والاستقطابات، وعلى هذا النمط ينغمر الناس في علاقاتهم وصراعاتهم دون وعي أحيانا أو دون انتباه أو التفات، وهكذا تنثال الحياة بما تحمله من استمرارية واعتياد لتنسينا في غفلة منا الكثير من الأشياء.

لعل استحضار تولستوي يعود إلى شعور بالعقل الباطن، مفاده إذا كان النسيان قد أخذنا في السابق، فلا ينبغي أن نستمر في لجّة الغفلة ونتحدّث عن أشياء كبرى ونهمل تفاصيل كثيرة، لولاها لما تكوّن المشهد الذي نعيشه، لكنني في الوقت نفسه أعرف أن عكوفي على هذا الموضوع إنما هو عكوف على الذات لنقدها، مثلما ننقد الآخر والوجود والحياة والكون، تأكيداً لأهمية الوعي بذاته ولذاته، وبحثاً عن المعنى والدلالة، وصوناً لما هو استرجاعي أو استعادي ونقدي، كي لا تندفع مجاميع سياسية في أدنى السلّم لتتخذ مكان الصدارة بتحريكها جموعاً غفيرة من البشر باسم الطائفة والمظلومية والإقصاء والعزل والتهميش أو ادعاء الأفضليات في محاولة للتميّز على الآخر، وذلك في لحظة من لحظات تغييب الوعي أو تزييفه أو اختطافه، ويبقى كثيرون يترفعون عن التخويض بمثل هذه الأمور، لكنهم يبقون في إطار التنظير، بينما يمضي الآخرون "بالإبل" على حد تعبير الإعرابي، الذي صادفه قاطع طريق فأخذ إبله، ولما سُئل حين عاد لديرته أين الإبل قال لهم: أوسعتهم لعنا وراحوا بالإبل!

إن الدعوة لقراءة الواقع ونقده هي وليمة للفكر واستنهاض للوجدان وتحفيز للضمير، خصوصاً ونحن في زمن الاختلال، وكلّ اختلال يؤدي إلى الحيرة والقلق، وهذه ستكون المدخل، حيث سيبدأ السؤال، ثم النقد، وبالفكر النقدي الموضوعي والذاتي يُختصر طريق الحقيقة!

التفكير الإبداعي هو نقيض ما هو قائم، حيث تتطلب المواجهة الحضارية الإنسانية السلمية اللاعنفية لظاهرة تعاني منها مجتمعاتنا، وأحياناً لا تريد الاعتراف بها، في حين يلعب في ساحتها الآخرون. وللفكر لغته التي يمكن البناء عليها، وهذا البناء هو الأسلوب، وهذا الأسلوب هو الإنسان ذاته، هدف وغاية أي عمل أو جهد، فالإنسان حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس هو "مقياس كل شيء".

وهكذا تُخلق المعرفة، وكل معرفة هي جواب عن سؤال، ولهذا لا بدّ من محاسبة أنفسنا، وتحمّل المسؤولية من خلال المساءلة، الغائبة على طول الخط، ولعلّ أنماط التعبير تقوم على التفسير والبرهان والإيعاز، وهو الأمر الذي لا بدّ من التوقّف عنده من خلال نمط التفكير التفسيري ونمط التفكير البرهاني والتفكير الإيعازي.

لقد حرّكت موجة التغيير موضوع الهوّية، ولا سيّما الهويات الفرعية حتى بدت الدول أقرب إلى التفكيك، بل إن بعضها تفكك بالفعل، وإذا ما سادت الطائفية وتكرست، فإن خطرها سيعرّض كيانية الدول إلى التفتيت والتذرر. ومن باب النقد الذاتي يمكن القول إن أربعة أوهام ساورتنا خلال العقود الماضية:

حرّكت موجة التغيير موضوع الهوية، ولا سيّما الهويات الفرعية حتى بدت الدول أقرب إلى التفكيك، بل إن بعضها تفكك بالفعل، وإذا ما سادت الطائفية وتكرست، فإن خطرها سيعرّض كيانية الدول إلى التفتيت والتذرر

الوهم الأول أن الدول الصناعية حلّت مسألة الهوية.
الوهم الثاني أن تحقيق المواطنة يدفع بصراع الهويات إلى الخلف.
الوهم الثالث أن الدول الاشتراكية السابقة حلت مسألة الهوية.
الوهم الرابع أن صراع الهويات ينحصر في العالم الثالث.

لكن هذه الأوهام لم تصمد أمام الواقع بفعل انفجار مشكلة الهويات في العالم كلّه خلال السنوات الأخيرة، وما حصل في أوروبا الشرقية خير دليل على ذلك، فقد اتخذ النزاع في يوغسلافيا بُعداً حربياً وقتالياً انشطرت فيه إلى ستة أجزاء، وهو ما حصل في الاتحاد السوفياتي السابق الذي انقسم إلى 15 كيانا، وانفصلت جمهورية تشيكوسلوفاكيا إلى كيان تشيكي وآخر سلوفاكي، واستمر الصراع في أوروبا الغربية مثل إيرلندا (بريطانيا) والكيبك (كندا) والكورسيك (فرنسا) والباسك (إسبانيا) وخصوصية لهوية فرعية في جنوب إيطاليا وهكذا.

أما بلجيكا فالصراع مستمر بين (الوالانيين – الناطقين بالفرنسية) و(الفلامانيين- الناطقين بالهولندية) ورغم النظام الديمقراطي-الفيدرالي،  قد تصل البلاد إلى حل الانفصال.

الفرق بين شكل الصراع لدى الغرب وما عندنا هو أن الحل في مجتمعاتنا يميل إلى العنف، في حين أن حل الصراع في الغرب أميل إلى السلم والسبب هو التعايش واحترام الآخر وخصوصياته وحقوق الجميع المتساوية على أساس المواطنة.

لقد انفجرت المشكلة الطائفية في البلدان العربية، واستشرت لدرجة خطيرة، رغم محاولات تبرئة كل فريق لنفسه منها. وقد أخذت هذه الظاهرة تشمل بعض العلمانيين والحداثيين الذين انساقوا وراء الاتجاه الطائفي والتبس موقفهم من "الأقليات" والتنوّع الثقافي، بين التأييد الأعمى والتنديد الشامل، ولعلّي هنا أستعيد علي الوردي عالم الاجتماع العراقي الكبير، الذي أوضح الفرق بين الطائفية والطائفة حين قال عن هؤلاء "إنهم طائفيون بلا دين".

الطائفية تتعارض مع المواطنة ومن الطبيعي جداً الانتماء إلى طائفة، لاعتبارات تاريخية واجتماعية، ولكن من غير الطبيعي أن يكون الإنسان طائفياً، أي أن يطلب التميّز على الآخر، تحت مبررات الأغلبية أو المظلومية أو امتلاك الحقيقة أو الأفضلية أو غير ذلك.

إن الارتباط بالمواطن الآخر هو الوطن والمواطنة، ولا أريد القول بالوطنية التي هي شعار سياسي، وليس الطائفة والطائفية، ولعل الطائفية والتمذهب في حالة تحوّلها إلى نهج لفرض الإرادة والتسيّد واستخدام القوة والإرهاب والعنف، ترتقي إلى مصاف الجرائم الكبرى.

وإذا كان انبعاث الهويات الفرعية مسألة ضرورية بعد كبت طويل، حيث كانت الأنظمة السابقة حائلاً أمام الاعتراف بخصوصيتها ومشاركتها على قدم المساواة مع الهوية السائدة (أقلية أو أكثرية)، لكن اللافت وربما هذه واحدة من المفارقات أن الهوية العربية أصبحت مهددة، لأن الأمر لا يتعلق بالمجموعات الثقافية والدينية، غير العربية وغير المسلمة، بل أن التفكيك يراد له استهداف العرب، كأغلبية عددية بتجزئة الكيانات القائمة، في هذه المنطقة، واستهداف المسلمين كأغلبية عددية أخرى، وتقسيمها بين طوائف ومذاهب متناحرة شيعة وسنة وهكذا، وكلا الأمرين يستهدفان الهوية القائمة على اللغة والدين وكذلك استهداف المواطنة المشتركة المتنوعة المشارب والاتجاهات، الموحدة في الأصول، القائمة على الحرية والمساواة والمشاركة والعدالة، خصوصا أن التعددية غنىً وليست تشظياً أو تذرّراً.

لقد اشتغلت مراكز الأبحاث والدراسات في الغرب في العقود الثلاثة الماضية على إظهار العراق وخصوصاً أثناء الحرب العراقية-الإيرانية 1980-1988 وما بعدها على أنه مجرد كيان "مصطنع" وهو منقسم إلى شيعة وسنّة وكرد، جمعتهم "وحدة قسرية" ولا توجد هوية عراقية موحدة تشكل قاسماً مشتركاً بينهم، ولعلّ ذلك كان الأساس الذي استند إليه بول بريمر الحاكم المدني الأميركي للعراق، عند تشكيله لمجلس الحكم الانتقالي، وهو أساس كان قد بنى عليه بريجنسكي رؤيته في كتابه "أميركا والعصر التكنوتروني" العام 1970 حين تحدث عن كيانات مصغّرة، بل شظايا دول.

وكان كيسنجر الذي تناول الموضوع من زاوية جعل الجميع "أقليات"، حينئذ ستكون "إسرائيل" الأقلية المتميّزة بينهم تكنولوجياً ومعرفياً وتنموياً، لا سيما وهي محظيّة الغرب، وعند كل بئر نفط حسب كيسنجر علينا أن نخلق إمارة، وهو ما ذهب إليه برنارد لويس عندما تحدث عن 41 كياناً عربياً وكردياً ودرزياً وعلوياً وسنياً وشيعياً ومسيحياً ويهودياً في المنطقة العربية، وهو مشروع إيجال ألون ذاته.

عند كل بئر نفط حسب كيسنجر علينا أن نخلق إمارة، وهو ما ذهب إليه برنارد لويس عندما تحدث عن 41 كياناً في المنطقة العربية، وهو مشروع إيجال ألون ذاته

وكان فولر من مؤسسة راند المقرّبة من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قد طرح سؤالاً: هل سيبقى العراق موحّداً في العام 2002؟ وبعد الاحتلال العام 2003 كان جو بايدن نائب الرئيس الأميركي الحالي ينشط باتجاه إقامة ثلاث كيانات شبه منفصلة، وحاول في العام 2007 أن يحصل على تأييد الكونغرس، كما عرض الأمر على عدد من أعضاء مجلس الأمن دائمي العضوية، بهدف كسب التأييد لمشروعه الذي تباركه "إسرائيل".

وحيث إن الاحتلال بعد سنوات عشر عجاف قد جلب المحاصصة الطائفية والإثنية والفساد المالي والإداري وأعمال العنف والارهاب والتدخلات الدولية والإقليمية، فقد جرت محاولات لتديين الهوية وتطييفها أو مذهبتها في إطار الجغرافيا السياسية وتخوم الطائفية المؤدلجة، وهو ما زال المجتمع العراقي يعاني منه.

ولعل مناسبة الحديث عن هذا الموضوع كانت ندوة فكرية مهمة نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة بمناسبة مرور عشر سنوات على احتلال العراق، حضرها عدد من المفكرين والباحثين والممارسين العرب والأجانب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك