عارف حجاوي

عارف حجاوي

لحق رجل المخابرات الإسرائيلي بسيارته –ذات اللوحة المدنية– الشاب المقدسي (ع س) من أريحا في غور الأردن -وهي للعلم أخفض بقعة على سطح كوكبنا- وتبعه خمسين كيلومتراً صعوداً حتى باب بيته في "بيت حنينا" إحدى ضواحي القدس. لاحظ الشاب المقدسي أنه ملاحق، لكنه مضى في طريقه حتى وصل إلى بيته. ترجل من سيارته، وترجل خلفه رجل المخابرات، وناداه: يا فلان، فرد عليه الشاب: تفضل، ماذا تريد؟ قال له: ألم تستغرب أنني عرفت اسمك؟ قال له الشاب: لا لم أستغرب، ففي يدك الحاسوب وقد عرفت اسمي من رقم السيارة. قال له رجل المخابرات: كنت في السجن، قال له الشاب: نعم. هز رجل المخابرات رأسه، ومضى.

إسرائيل دولة مصطنعة، وعنصرية، لم ينس ساكنوها أنهم سرقوا أرض غيرهم، فهم دائموا الحذر مثل أي لص، ويقضون أعمارهم في ممارسة الخوف

مرت الحادثة بسلام. فقط ملاحقة "بريئة" للتأكد من أن هذا السجين السياسي السابق لا يلتقي بمن لا يجوز له في عرف الاحتلال الالتقاء بهم.

شاب آخر فاجؤوه في قاعة المحكمة الإسرائيلية بتسجيلات صوتية لمئات الساعات من مكالماته الهاتفية. وشاب ثالث لم يكن دخل السجن قط، وليس له أي نشاط سياسي، جيء به إلى التحقيق، كما يجاء بكل فلسطيني تقريباً، وعندما رأى ملفه على المنضدة أمام رجل المخابرات ريع لضخامته. ويقول: لو أنهم سجلوا وجبات طعامي على مدى السنين العشر المنصرمة ما بلغ الملف هذا المبلغ.
أليست دولة إسرائيل دولة مسكينة؟ أليس آلاف الشبان من سكان هذه الدولة يقضون زهرة شبابهم وهم يلاحقون شباناً مثلهم ملاحقة سخيفة؟

إسرائيل دولة مصطنعة، وعنصرية، لم ينس ساكنوها أنهم سرقوا أرض غيرهم، فهم دائموا الحذر مثل أي لص، ويقضون أعمارهم في ممارسة الخوف.

يضيع الإسرائيليون أعمارهم، ويبددون قدرات كبيرة على الإبداع اشتهر اليهود بها، ويعيشون ويموتون وهم يلعبون لعبة تافهة على الشعب الفلسطيني. وتضيع أعمار الفلسطينيين -أيضاً- وهم يعيشون الرعب من هذه اللعبة التي يلعبها الإسرائيليون دون أن يجرؤ العالم على أن يقول لهم ما يجب أن يقال وهو: كنتم كجنوب أفريقيا العنصرية، ولكنكم تخطيتم مجرد العنصرية، أنتم دولة تعيش على الاحتلال والإرهاب.

وفي مقابل هذه الدولة يجلس القادة الفلسطينيون القرفصاء ينتظرون هدية عيد الفصح من أوباما وكيري. وقد لا تكون هذه الهدية سوى بيضة ملونة. وقد تكون فاسدة. المهم أنها ملونة، وتفرح القلب.

جاء أوباما وراح. وسيقوم كيري ببضع جولات مكوكية قد تثير مفاوضات في فنجان، وقد لا تفلح حتى في هذا. والقضية بالنسبة لأميركا ليست فلسطينية، بل سورية وإيرانية وإسرائيلية وتركية. ولا ترى واشنطن بأساً بأن تتم في سوريا عملية تفريغ للشحنات فيما بينها وبين موسكو بضع سنوات أخرى، وليقتل سبعون ألف سوري آخرين في السياق. وقد تستطيع واشنطن ترتيب المنطقة بعض الشيء فيما بعد.

تتفاعل على أرض الضفة مسألة الأسرى، ولا سيما المضربين عن الطعام، والشارع مشتعل، ويشكل ضغطاً على حكومة محمود عباس. موضوع الأسرى عزيز على قلب كل فلسطيني، ولكنه في الوقت نفسه حفرة يحسن عدم السقوط فيها.

فإسرائيل قد تطلق كل الأسرى اليوم، ثم تعتقل ضعفهم غداً. وقد تطلقهم ثم تطلق عليهم كلاب مخابراتها لكي يمارسوا هوايتهم المفضلة في ملاحقتهم. وربما جنحت -وهذا مكمن الخطر- إلى اتخاذ ملف الأسرى محوراً لعملية التفاوض المنشودة، الأمر الذي يؤدي إلى تغييب المحور الحقيقي لأي مفاوضات، وهذا المحور هو الحدود.
 
إسرائيل تتهرب من قضية الحدود لأنها الثابت الوحيد من بين كل "الثوابت الفلسطينية" الذي يفضي إلى دولة تتمتع بقدر معقول من السيادة
الحدود.. لأن إسرائيل من بين كل دول هذه الدنيا هي الدولة التي ترفض رسم حدود لنفسها.
والحدود.. لأن معاهدة أوسلو وسمت 60% من أرض الضفة الغربية بالحرف "جيم"، وجعلت هذه المساحة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. ولهذا تأبى إسرائيل التعرض لموضوع الحدود حتى يتم لها استكمال تهويد هذه المساحة المعروفة بالمنطقة "جيم".

والحدود.. أيضاً وأيضاً، لأنها الثابت الوحيد من بين كل "الثوابت الفلسطينية" الذي يفضي إلى دولة تتمتع بقدر معقول من السيادة. فأما التسلح فهو أمر رجراج، إذ يمكن للفلسطينيين أن يؤسسوا دولة منزوعة السلاح ثم يسلحوها على راحتهم، والمطالبة بعاصمة في القدس أمر مفتوح على عديد من "الحلول الإبداعية"، وعودة اللاجئين قضية نظرية، ولا يمكن تطبيق "العودة" التطبيق الكامل إلا بزوال دولة إسرائيل، وهذا الزوال غير مطروح في المفاوضات كما لا يخفى. وأما المياه فهي تبع للأرض، والأرض مسألة حدود.

لا بد للقيادة الفلسطينية من إمساك الثور من قرنيه، فقد تعلمت هذه القيادة نفسها من درس أوسلو أن المرحلية كمين خطر.

ولكن القيادة الفلسطينية -في الضفة الغربية- تعاني من عدة مشكلات، فهي أولاً قيادة شائخة. والممسكون بزمام الأمور فيها فوق السبعين. والشيخ يعنيه اليوم الذي يعيشه والغد الذي قد يعيشه، ولا تعنيه العقود المقبلة لأنه لن يشهدها. تلك طبيعة البشر. الشيخ يرضى بالحلول المرحلية، والشاب يبتغي حلولاً بعيدة المدى.

والقيادة الفلسطينية تمترست في مواقعها وبنت من حولها قوقعة كلسية من بضع مئات من كبار الموظفين، ولهؤلاء جميعاً مصلحة في دوام الحال، أو في تحقيق المكاسب الثانوية بدلاً من التضحية في سبيل تحقيق المكاسب الجذرية. غير أن هذه القيادة ترتكز إلى إرث مهم هو إرث الثورة الفلسطينية بمنظماتها المختلفة، ولعله يساهم في حمايتها من الزلل. ولكنه ككل إرث معرض للتآكل، وقد تآكل إلى درجة مفزعة لمن لا تخدعه الشعارات.

وقد كشفت أزمة الرواتب الأخيرة عن مدى هذا التآكل. فقد وعد الفلسطينيون أنفسهم ورئيسهم أبو مازن بالصبر الجميل على العقوبات المتوقعة إن هو ذهب للأمم المتحدة. وذهب. وأحرز نصراً دبلوماسياً وسياسياً حقيقياً. وصبر الناس فعلاً.. حتى نهاية الشهر. وعندما لم تنزل الرواتب في "الصراف الآلي" شهدت مؤسسات الضفة، وعلى رأسها المؤسسات الحكومية، موجة عاتية من الإضرابات. 

تقف القيادة الفلسطينية مكشوفة في وسط ربيع عربي أهزل مواردها المالية، وجعل العرب يضنون حتى بالدعم المعنوي لانشغالهم بترتيب أوضاعهم. ولا سند لها إلا شارعها، وهو شاب. غير أن هذا الشارع يتصرف لحظياً ولا يخطط إستراتيجياً. وهو يضغط الآن بقوة في موضوع الأسرى، وحق له. وهذا الضغط نابع من شعور حقيقي بمعاناة الأسرى الذين يتعرضون لعبث معيب بحقهم الإنساني في الحرية من قبل دولة غير محترمة. فكيف لا يغضب شباب الضفة للأسرى؟

على أن إسرائيل ربما تستعمل هذا الملف عامدة، كي تنسي الفلسطينيين الملف الحقيقي وهو الحدود. وهي مستعدة لأن تفرج عن عدد من الأسرى، ولأن ترمي أمام غريمها الفلسطيني بضع مستوطنات صغيرة تفرغها من سكانها، وقد تكون مستعدة لإعادة بضعة آلاف من فلسطينيي الشتات إلى الضفة، كل أولئك بغرض تغييب المسألة الوحيدة الحقيقية وهي الحدود. وبالطبع فمسألة الحدود تضم القدس حكماً لأن القدس تم احتلالها عام 67 ويمكن -بالحلول الإبداعية المذكورة- فتح المجال لزيارة الأماكن المقدسة.

مثلما يعني تمترس قادة حماس بغزة وراء وظائفهم وامتيازاتهم إغفالاً لجوهر الصراع، فإن هذا الأمر نفسه ينطبق على قادة الحكم في الضفة

مثلما يعني تمترس قادة حماس بغزة وراء وظائفهم وامتيازاتهم ومرتباتهم واستقلاليتهم إغفالاً لجوهر الصراع وصدوداً عن المصالحة، فإن هذا الأمر نفسه ينطبق على قادة الحكم في الضفة.

على أن غزة لا تعاني من تآكل أرضها، بل من حصار بشع نراه يخف ويشتد، في الحين بعد الحين، وفي المجزرة بعد المجزرة. وأما الضفة الغربية فهي منطقة محتلة ومتآكلة، وأوجب الواجبات على حكومتها أن تلغي التآكل وتحفظ الأرض. وحصول الرئيس عباس على وضع "دولة" في الأمم المتحدة إنجاز مهم جداً على طريق حفظ الأرض.

بكثير من التصميم وبكفاح متواصل ضد الدولة المعتدية، يمكن للفلسطينيين أن يكسوا هذه الدولة "الافتراضية" بعض اللحم، وأن يصنعوا لأنفسهم سيادة. وأما أن يتصالحوا داخلياً فهذا بحاجة إلى أن يجاهدوا أنفسهم: وأن يكافحوا مجموعة من المصالح الداخلية. وهذا - قد علمتم- الجهاد الأكبر. 

المصدر : الجزيرة

التعليقات