علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني

بَرَزَ في مسار الأزمة السورية الدور الخاص والاستثنائي لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، والمعروفة اختصاراً باسم وكالة "الأونروا" وذلك داخل أوساط اللاجئين الفلسطينيين المُسجلين في سوريا، والذين باتوا في قَلبِ المحرقة، خصوصاً مع السقوط المتتالي لعشرات الشهداء منهم كل يوم.

فقد وصلت أعداد الشهداء الفلسطينيين نحو (1350) شهيداً حتى صباح الثاني من أبريل/نيسان 2013 بعد ليلتين قاسيتين جداً جداً، استُهدِفَ فيهما مخيم اليرموك ومحيطه، بالنيران والقذائف بشكل فاق التصور، حين تَعَرضَت بعضُ مناطقه وخاصة حي التقدم وحي العروبة وحي المغاربة -وهي الأحياء الواقعة إلى الجنوب منه والملاصقة لمنطقة الحجر الأسود وبلدة (يلدا)، إضافة لساحة الريجه الواقعة في النصف الشمالي الأول من المخيم، ومعها أوتوستراد شارع الثلاثين الفاصل بين اليرموك وأحياء القدم والعسالي والجورة- لنيران الهاونات والصواريخ الثقيلة، وشَهِدت عموم مداخله وجوانبه مختلف الأعمال العسكرية.

مخيم اليرموك -عاصمة الفلسطينيين في الشتات، وأكبر تجمع فلسطيني خارج فلسطين على الإطلاق، ومعه عموم تجمعات الفلسطينيين السكانية في مختلف مواقع انتشارهم فوق الأرض السورية من مخيم درعا جنوباً وصولاً لمخيمي النيرب وحندرات قرب مدينة حلب شمالي سوريا- يُلخص محنة فلسطينيي سوريا، الذين باتوا الآن من أبرز ضحايا أزمة البلاد، وأمسوا في أمس الحاجة لدور فعّال لوكالة الأونروا، وهي الجهة الدولية المعنية بتقديم المساعدات والرعاية الكاملة لهم، بجوانبها الثلاثة في الإغاثة الاجتماعية، والصحة والتعليم. فأين واقع وكالة الأونروا الآن من حال فلسطينيي سوريا؟

دور ملموس ..ولكن
في حقيقية الأمر، وبعيداً عن حجم التقصير الذي سُجِلَ ويُسَجّل على عمل الوكالة في السنوات الأخيرة في مهامها المنوطة بها تجاه مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا ومناطق عملياتها الخمس، إلا أن دورها الملموس الأخير تجاه فلسطينيي سوريا بات واضحاً، ويُفترض به أن يتطور أكثر فأكثر، لجهة توفير ماهو مطلوب للفلسطينيين في سوريا في ظل محنتهم الأخيرة، خصوصاً بالنسبة لمعالجة الجرحى والمصابين، ومساعدة أسر الشهداء وعائلاتهم، حيث يغيب عملياً دور الوكالة في هذا المجال الأخير غياباً شبه كامل.

اللاجئون الفلسطينيون في سوريا ومعهم وكالة الأونروا يعيشون لحظات الصراع مع الصدمات في أزمة مستعصية، وقد مزقتهم الأحداث الجارية

فالجرحى والمصابون -وأعدادهم كبيرة جداً وفي تزايد مستمر- لا معيل ولا راعي لهم سوى عائلاتهم المنكوبة أصلاً وبعض المؤسسات الخيرية الفلسطينية ذات الإمكانيات المتواضعة، والتي تقدم للجرحى مساعدات طبية محدودة، وجُلها مساعدات إسعافية أولية داخل مخيم اليرموك. فاللاجئون الفلسطينيون في سوريا ومعهم وكالة الأونروا يعيشون لحظات الصراع مع الصدمات في أزمة مستعصية، وقد مزقتهم الأحداث الجارية.

إن معطيات وكالة الأونروا المنشورة قبل أيام تؤكد بأن جسمها العامل في الوسط الفلسطيني في الساحة السورية مازال متماسكاً، وأن عدد العاملين فيها في سوريا يبلغ الآن نحو (11) ألفا، مابين موظف وخبير وطبيب ومعلم وعامل، مازالوا يعملون في صفوفها، وفي عموم مؤسساتها ومراكزها في سوريا، وغالبيتهم الساحقة من فلسطينيي سوريا، ومن بينهم عدد قليل من الموظفين الدوليين، مع الإشارة لاستشهاد سبعةٍ من موظفيها المحليين من فلسطينيي سوريا.

تَضَرر نصف اللاجئين المُسَجلين
كما تشير معطيات الأونروا إلى أن نحو نصف اللاجئين الفلسطينيين في سوريا -والذين تقارب أعدادهم نحو (522) ألف لاجئ مُسجل لديها- قد تضرر بشكل مباشر جراء مايجري في سوريا، فيما قامت الوكالة وتقوم بتقديم الخدمات الصحية لهم، عبر فريق العمل الصحي التابع لها، والذي يصل عدد أعضائه إلى (3600) عامل، يعملون للحفاظ على المدارس والعيادات والمستوصفات ومراكز توزيع الأغذية وأغذية الأطفال.

الوكالة وفّرت -ومازالت توفّر- المواد الغذائية العينية في الحدود المُمكنة والمُتَيسّرة لنحو (159) ألف لاجئ من المتضررين، بما في ذلك (9000) حالة من الأطفال الرضع، من النازحين لمدارس الوكالة ومراكز الإيواء المختلفة، والذين فروا من منازلهم، مع توفير البطانيات والفرش والحصير، ومُستلزمات النظافة، وأدوات الطبخ لحوالي (26000) من الأسر المحتاجة، ومدهم بالإمدادات الطبية الطارئة والرعاية الصحية في المستشفيات عندما يحتاجونها. عدا عن تقديم الوكالة للمساعدات المالية الأولية التي بلغت (50) دولارا أميركيا لكل مواطن فلسطيني مُسجل لديها في سوريا، وفق سعر الصرف الرسمي الحكومي في البلد.

وتُشير المعطيات المؤكدة من أرض الواقع إلى أن نحو مائتي مؤسسة ومنشأة تابعة للوكالة في عموم مناطق التواجد الفلسطيني (مخيمات + تجمعات)، والمنتشرة فوق الأراضي السورية -في دمشق ودرعا وحلب واللاذقية وحمص وحماه- قد تَضَرَرَت، كما تَعرضَت ثلاثون مدرسة من المدارس التابعة لها لأضرار جسيمة أوقفتها عن الخدمة، من أصل (118) مدرسة تابعة للأونروا في المخيمات والتجمعات الفلسطينية فوق الأرض السورية، من أصل (639) مدرسة تابعة للوكالة في مناطق عملياتها الخمس، فيما أغلقت خمس مؤسسات أخرى غير تعليمية تابعة للأونروا، نتيجة تعرضها للقصف أو التدمير شبه الكلي.

مدارس الأونروا (90) ألف تلميذ وطالب
والأهم من كل ذلك، أن الوكالة استحدثت على الفور مدارس جديدة بدلاً من المدارس التابعة لها والتي تضررت نتيجة ما يجري في البلد، أو الواقعة في مناطق التوتر الساخنة كمخيم اليرموك، بمدارس بديلة تم استحداثها في مناطق التجمعات الفلسطينية الجديدة خارج مخيم اليرموك على سبيل المثال. فمدارس وكالة الأونروا في سوريا تتسع وتَضُمُ في صفوفها نحو (90) ألف طالب وتلميذ فلسطيني للمرحلتين الابتدائية والثانوية، في مجتمع فتي، يندفع أبناؤه للتحصيل العلمي، وهذه ميزة فريدة تشير لوجود حالة تعليمية متطورة بين فلسطينيي سوريا، قياساً على حال الفلسطينيين عموماً في الداخل والشتات، ولوكالة الأونروا فَضلٌ كبير في هذا الجانب لايمكن القفز عليه.

مدارس الأونروا في سوريا تَضم في صفوفها نحو (90) ألف طالب وتلميذ فلسطيني للمرحلتين الابتدائية والثانوية، في مجتمع فتي يندفع أبناؤه للتحصيل العلمي

فالأُميّة بين فلسطينيي سوريا تكاد تكون متراجعة جداً قياساً بالتجمعات الفلسطينية في الأردن، ولبنان، والضفة الغربية, وقطاع غزة. فهي لا تتعدى (2.7%)، لذا يُعتَبر مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا مجتمعاً حضارياً، تَبلغُ فيه نسبة المتعلمين الحائزين على شهادة التعليم الابتدائية فما فوق نحو (71%)، والحاصلين على الشهادات الجامعية العليا (23%) … إلخ.
وبالطبع، فإن جوانب عديدة من مساعدات الوكالة كانت ومازالت مُستمرة في هذا الميدان، وقد وصلت إمداداتها -في مجالات الصحة والإغاثة الاجتماعية- لعموم فلسطينيي سوريا من النازحين إلى لبنان وحتى لجمهورية مصر العربية، حيث تُشير بعض المصادر إلى أن أعدادهم وصلت نحو (40) ألف لاجئ.

المرحلة الصعبة وأسبابها
وفي الواقع العملي الراهن، نستطيع القول بأن وكالة الأونروا تَعبُر مرحلة صعبة وحرجة في حياتها، بل ومنذ نشوئها وتأسيسها بقرار أممي عام 1949، نظراً للظروف القاسية التي تَعمل خلالها في أقاليم عملياتها الخمس (سوريا، لبنان، الأردن، قطاع غزة، القدس والضفة الغربية)، وفي سوريا على وجه التحديد في الوقت الراهن، نتيجة:

• الأعباء المتزايدة على عاتقها بسبب تراجع مداخيلها المالية المقدمة لها من الدول المانحة، والتقلص المتواصل في إيراداتها، بالرغم من إطلاقها نداءات الاستغاثة من حين لآخر للدول المانحة، من أجل رفد ميزانيتها ومدها بالسيولة المالية. وقد أدى ذلك لعجزها عن تقديم العون الصحي للحالات الصعبة للأفراد والأشخاص الذين أُصيبوا في مسار الأحداث، وتحديداً أصحاب الإصابات الصعبة (الدماغية وغيرها) والتي تتطلب رعاية مستديمة، أو عمليات جراحية معقدة داخل البلد أو خارجه، في الوقت الذي تَكَفَلَ فيه مركز صناعة الأطراف والعلاج الفيزيائي (مركز الحمه) التابع للهلال الأحمر الفلسطيني بمساعدة الوكالة في هذا المضمار.

• تزايد حاجات مجتمع اللاجئين الفلسطينيين، حيث يُعَدّ المجتمع الفلسطيني في سوريا على سبيل المثال مجتمعاً فتيّاً، تتسع قاعدته العمرية الصغيرة باطراد مع مرور الزمن، بفعل عامل الخصوبة لدى المرأة الفلسطينية وظاهرة النمو السكاني، حيث تزداد أعداد أفراد المجتمع الفلسطيني في سوريا بمعدل شبه ثابت في وحدة الزمن (في المتوسط 3.5% سنوياً). فنسبة (43.2%) من فلسطينيي سوريا دون سن الخامسة عشرة، ونسبة (62%) منهم دون سن السادسة عشرة.

لذا، يتمتع اللاجئون في سوريا بكونهم مجتمعاً فتيّاً، تكبر فيه قاعدة الهرم السكاني الممثلة بالأطفال والشباب دون السابعة عشرة، وهو مايضع أعباء إضافية على عاتق وكالة الأونروا، لدعم وتطوير برامجها التعليمية والصحية، وبرامج دعم الفتيان والشباب المستحدثة منذ عدة سنوات.

وكالة الأونروا تَعبُر مرحلة صعبة وحرجة في حياتها، بل ومنذ نشوئها وتأسيسها بقرار أممي عام 1949 نظراً للظروف القاسية التي تَعمل خلالها في عدة أقاليم عربية

• بروز الأزمات المتتالية في واقع اللاجئين الفلسطينيين عموماً، تارةً في قطاع غزة بسبب حصار الاحتلال، وتارةً في لبنان، والآن في سوريا، فقد أطلقت الوكالة عدة برامج متتالية لمساعدة فلسطينيي سوريا، وأطلقت معها بعض نداءات التبرع، حيث ساهمت سلطنة عمان واليابان مؤخراً بتقديم دعم مالي جيد للوكالة، من أجل برامج عملها بين فلسطينيي سوريا.

وبالاستخلاصات الأخيرة، فإن وكالة الأونروا لعِبت وتَلعب دوراً هاماً في مسار حياة اللاجئين الفلسطينيين عموماً، وفي سوريا خصوصاً في الظرف الراهن. وعلى الإطار الرسمي العربي والإسلامي تحفيز الجهود من أجل دعم وإسناد برامج عملها، وتوفير الدعم المالي المقرر لها من المجتمع الدولي طبقاً لقرار تأسيسها.

فالوكالة -وإضافة لدورها الإغاثي المعروف- تَحمِلُ في مضمونها بعداً سياسياً له علاقة بوجود المأساة الفلسطينية منذ العام 1948 وحق اللاجئين في العودة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك