فارس الخطاب

فارس الخطاب

أكاديمي وإعلامي عراقي

الطائفي، بحسب معجم أوكسفورد هو الشخص الذي يتبع بشكل متعنت طائفة معينة، أي أنه الذي يرفض الطوائف الأخرى ويغبنها حقوقها، أو يُكسب طائفته تلك الحقوق التي لغيرها، تعاليا على بقية الطوائف، أو تجاهلا لها وتعصبا ضدها، في حين لا يعني مجرد الانتماء إلى طائفة، أو فرقة، أو مذهب، جعل الإنسان المنتمي طائفيا، كما لا يجعله طائفيا عمله لتحسين أوضاع طائفته، أو المنطقة التي يعيش فيها، دون إضرار بحق الآخرين.

وعكس هذا التعريف، يضع بعض الباحثين الطائفية ضمن أعمال السياسة وليس ضمن مجالات الدين والعقيدة، وهدف من يتولى أمرها حقيقة على مستوى الدولة هو إنشاء الدولة الطائفية، وسيطرة الشعور الطائفي، والولاء للطائفة، بالشكل الذي يتقدم على الولاء للوطن والدولة والقانون.

يرى البعض أن الطائفية إستراتيجية مرتبطة بالنخب الاجتماعية المتنافسة في حقل السياسة، من أجل السيطرة واكتساب المواقع، سواء كان ذلك داخل الدولة، أو على صعيد توزيع السلطة الاجتماعية

ويرى هؤلاء، أن الطائفية إستراتيجية مرتبطة بالنخب الاجتماعية المتنافسة في حقل السياسة ومن أجل السيطرة واكتساب المواقع، سواء كان ذلك داخل الدولة، أو على صعيد توزيع السلطة الاجتماعية. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون هناك حرب طائفية من دون وجود نخب طائفية، أي من دون تبني النخب الاجتماعية -كلها أو بعضها- لإستراتيجية طائفية، والتعبئة الجماهيرية على أساسها.

أما إذا تحولت الدولة نفسها إلى مسرح لتنازع العصبيات الدينية والقبلية، بدل أن تكون إطار احتوائها وتجاوزها، فتلك تكون الطامة الكبرى، ويكون عندها من أهم مخاطر الطائفية -السياسية تحديدا- مخاطر تدمير الدولة نفسها وما يتبع ذلك انسحابا على الأمة كلها، والتي تنجم عن تعبئة العصبيات الطبيعية القائمة على القرابة المادية، كالعشيرة والعائلة والإتنية، أو المذهبية، كما تنطبق مع آليات شراء الضمائر والرشوة والفساد، بما يؤدي في النتيجة إلى تزوير الإرادة العامة، والتلاعب بالرأي العام في سبيل تزييف اختياراته، أو حرفها عن خطها الطبيعي المعبر عن مصالح الناس واختياراتهم بحرية، والالتفاف على معايير الخيارات السياسية. ونتيجتها في جميع الحالات تزييف الحياة السياسية الوطنية، وتهديد الدولة ومؤسساتها بالتحول إلى أدوات لخدمة مصالح خاصة، بدل أن تكون تقديم المصلحة العامة على جميع المصالح الأخرى.

ويتفق معظم المؤرخين في العالم الإسلامي على أن (الطائفية) كمفهوم لغوي وفكري وشرعي، هي تجسيد لفكرة أشار لها الباحث طه العلواني بالقول: "إنها الأقلية العددية المتحركة في إطار الكل، دون أن تنفصل عنه". ووفق هذا الأساس، لم تكن الطائفية مشكلة في مجتمعنا الإسلامي، إن لم تكن غالبا مصدرا من مصادر قوته واجتهاد علمائه، وسبيلا يمنع الفرقة والاختلاف والانقسام، تبعا لما خص الله به هذه الأمة من سمات التجدد والتفكّر والإبداع.

ويشير العلواني في بحثه الموسوم (الانقسامات الطائفية وآثارها المستقبلية) إلى أن موضوع الطائفية لم يتحول إلى "إشكالية أو أزمة إلا في القرنين الأخيرين خاصة، وذلك تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية، في ظرف تاريخي معين ساعد على إحداث نوع من التفاعل بين العوامل الداخلية والمؤثرات الخارجية". وبذلك أصبح مفهوم الطائفية يمثل المذهب، وتحول أصحابه إلى حملة أيديولوجيات وهوية تجاوزت وتتجاوز -بحسب توفر الظروف الملائمة لها- ثوابت، سواء في العقيدة أم في مفهوم المواطنة.

وبحسب الدراسات، فإن الطائفية كانت إحدى أدوات الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م، حيث وضع أحد أشهر تجار مصر حينها -وهو يعقوب بن حنا- نفسه وأمواله الطائلة تحت تصرف الحملة الفرنسية، وشكل فرقة مكونة من ألفين من أقباط مصر، التحقت بالجيش الفرنسي وشاركت في محاربة المصريين، وكان لها الدور الأبرز في قمع ثورة القاهرة الثانية سنة 1800م، هذه العملية (بحسب المؤرخين) أوجدت -ولأول مرة تاريخيا- فتنة طائفية مازالت في ذاكرة المصريين. 

ومن قبل الحملة الفرنسية، كانت الحملة التي قادها الصفويون -وتحديدا عباس الأول في إيران ( 1587-1629)- والتي أجبرت سكان بلاد فارس على التحول من مذهبهم إلى مذهب آخر لمنافع سياسية إستراتيجية، وضعها من قبله بإتقان إسماعيل الأول، ثم من بعد ذلك استثمرت الحركة الصهيونية العالمية موضوع الطائفية من خلال ما تم التعرف عليه من أدبيات ومحاضر مؤتمرها العالمي في بازل بسويسرا عام 1879م، والذي أصدر قرارات خطيرة ومهمة سميت بـ(بروتوكولات حكماء صهيون)، البروتوكول الخامس منها يقول "نجح اليهود في نشر التعصبات الدينية والقبلية خلال عشرين قرنا، مما جعل الأمم تنشغل بخطر جيرانها عن الخطر اليهودي".

بتفرّد الولايات المتحدة بقيادة العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، كان لابد من ظهور عدو آخر غير الشيوعية, فكان ما أطلق عليه الإسلام الأصولي أو إرهاب الإسلام الذي مثلّته (القاعدة) ورمزها أسامة بن لادن

في العصر الحديث، وبعد أن تغيرت ملامح العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت إرادات عالمية تحكمت -لدرجة كبيرة- بمقدرات الشعوب المستضعفة، كما ظهرت حركات تحرر ودول مفرزة نتيجة نضال شعوب، وهو ما كان يعني بالنتيجة تولد صراعات جديدة، وبأساليب مختلفة، سميت في مجملها بالحرب الباردة بين أقطاب العالم الجديد، هذه الحرب وضعت جزءا كبيرا من أوزارها عام 1990م، بتفرّد الولايات المتحدة بقيادة العالم. وحينها كان لابد من ظهور عدو آخر غير الشيوعية وخطر الاشتراكية على العالم الغربي تحديدا، فكان ما أطلق عليه البعض اسم الإسلام الأصولي، أو إرهاب الإسلام الذي مثلّته (القاعدة) ورمزها أسامة بن لادن، فأُدخل العالم بالإرهاب (غير المعرّف)، وبدأت خطورة هذا الإحساس تدخل كل بيت، وحافلة، وطائرة، وطريق، ومحطة قطارات، وغيرها، ثم كان ما كان في قضية أحداث سبتمبر وتفجير برجي مركز التجارة العالمي.

كل هذا مفيد ومهم بالنسبة للمشروع الصهيوني العالمي، لكن مازالت هناك في الشرق طاقة شبابية هائلة وثروات طائلة، وربما حكومات بعضها ذو سمة ثورية، وأخرى إسلامية راديكالية، مع احتمالات أن تقفز إلى السلطة في بعض بلدان هذا الشرق -الممتد من مصر وحتى الصين- تيارات متشددة (في باكستان مثلا). وبحسب زبغنيو بريجينسكي -مستشار الأمن القومي في مدة رئاسة جيمي كارتر1977 -1981 والذي يعمل حاليا مستشارا في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، وأستاذا لمادة السياسة الخارجية الأميركية في كلية بول نيتز للدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جون هوبكنز في واشنطن- فإن أفضل وسيلة لتفتيت الأنظمة والدول والشعوب هي تعميق التعدد المذهبي والطائفي والعرقي، من خلال تمكين طائفة بعينها ودعمها، لقهر بقية المكونات.

وبهذا -والقول لبريجينسكي- ستعاني تلك المجتمعات من مشكلة دائمة، تتعلق بخلق التوافق النسيجي فيما بينها، وهو ما بدأه فعلا في عهد الرئيس جيمي كارتر حين نصح الرئيس بالسماح "للشيعة السياسية" بالسيطرة على الحكم في إيران على حساب كل القوى الثورية التي شاركت في الثورة ضد شاه إيران، وكان ذلك إيذانا بفتح صفحات مشروع كبير يرتبط بعقد سياسية أكثر منها دينية، مرتبطة بتاريخ الطوائف والمذاهب في المنطقة، ومنذ ذلك التاريخ تحديدا بدأ ما يسمى بـ(الفوضى الخلاقة) التي أعلنتها رسميا الإدارة الأميركية في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش (الصغير) وسيلة لبناء شرق أوسط كبير.

لقد تم وضع الشرق الأوسط في مستنقع كبير، عناوينه الدالة في العراق ولبنان وسوريا وأفغانستان وباكستان واليمن والخليج العربي، هو فوضى  تحت شعارات ومسميات، بعضها ارتبط بالثورات (الربيع العربي) والآخر بالتحرير ( العراق، ليبيا، ثم سوريا)، وقسم مرتبط بحقوق الإنسان (البحرين) وبعضه بالإرهاب (اليمن وأفغانستان)، إلى آخر ذلك من مدلولات تشير كلها إلى صراعات طائفية مقبلة، تشغل المسلمين بعضهم ببعض، فينحسر تأثيرهم العالمي، وتذهب اقتصاداتهم إلى الحضيض، وتتزايد أعداد المهاجرين من الشباب (في الشرق الأوسط الأكثر نموا في العالم) وتتحطم خططهم التنموية، ثم يعودون القهقرى عقودا من الزمن وبالشكل الذي يفضي إلى تقسيم المقسم، وتفتيت المفتت، وبمحصلة نهائية -وهي الأهم بنظري- نفقد فيها جميعا (روح الأمل) كما كنا نعيش فيها بضع عشرات من السنين.

كاتب أميركي قال في تحليل عنوانه (اللعب بورقة السنة): "من وجهة نظر فريق الحرب في أميركا، فإننا إذا نظرنا إلى الوضع الطائفي في الشرق الأوسط فسوف نجد أن الحكام السنة المتحالفين مع أميركا متوحدون في مواجهة احتمالات المد الشيعي. وإذا كنا في حالة حرب حضارية مع الإسلام -من وجهة نظر فريق الحرب- فإن تعميق هذا الانشقاق الطائفي في صفوف العدو يجب النظر إليه باعتباره إستراتيجية فعالة". وقد طبق هذا الأمر فعلا في العراق إلى حد كبير بحسب المجلة العسكرية الأميركية "أرمد فورسز جورنال"، وتؤكد المجلة أنه سيتم تطبيقه تدريجيا على جميع الدول العربية والإسلامية.

برهان غليون في كتابه "نظام الطائفية ..من الدولة إلى القبيلة" عبر عن تحويل الدولة والسلطة العمومية من إطار لتوليد إرادة عامة ومصلحة كلية، إلى أداة لتحقيق مصالح خاصة وجزئية، هذا المفهوم البرغماتي للطائفية يعني استخدام الولاء الطائفي للالتفاف على قانون المساواة وتكافؤ الفرص، الذي يشكل قاعدة الرابطة الوطنية الأولى، ويصل إلى أن استخدام الطائفية السياسية في الدولة بما يجعل هذا المفهوم الديني شكلا أيديولوجيا جديدا للتحزب السياسي والتمترس الديني المفارق للآخر، وهو -في نهاية المطاف- تكريس للعنف الديني، والتخندق المذهبي المضاد للاندماج والتعايش السلمي، وفق مقتضيات الدولة المعاصرة، أمام هذا الحال من التغيرات المفاهيمية وبالتالي الواقعية التي تشهدها بعض المجتمعات العربية والإسلامية.

عدد القتلى العراقيين بأيدي القوات الأميركية من 2003 حتى انسحابها من العراق نهاية 2011م، يمثل نسبة 40% من القتلى، أما الـ60% المتبقية فهي ضحايا الصراعات الطائفية بين العراقيين أنفسهم!

وتأكيدا لهذا نعود إلى تطبيقات هذه الفلسفة على الأرض، حيث طبيعة الصراع الطائفي تمثل تشريعا رسميا للعنف وإباحة الدماء. ومن الشواهد المعاصرة ما قدَّره مركز استطلاعات الرأي الإنجليزي (ORB) بأن نسبة عدد القتلى العراقيين بأيدي القوات الأميركية من أبريل/نيسان 2003 حتى انسحابها من العراق نهاية 2011م، يمثل40% من القتلى، أما الـ60% المتبقية فهي ضحايا الصراعات الطائفية، والمعارك الداخلية بين العراقيين أنفسهم!

ليبيا مازالت تعاني من مشاكل عديدة على المستويات كافة، أبرزها انقسام قادتها الجدد، وصراع الميليشيات المسلحة المناطقي، أما في مصر فقد حاول البعض استغلال ورقة الطائفية كما برزت في بعض الأحداث, وفي سوريا أحاديث عن العلوية، وكيف تحكم طائفة قليلة الطائفة الأكبر، وكلتا الطائفتين متخوفتان وتقاتلان بعنف البقاء من عدمه.

فهل يستطيع النظام العربي -تحديدا- وسط هذا الشرق المترامي الأطراف أن ينتبه لهذه الفتنة التي ستأكل -على ما يبدو- الأخضر واليابس مستقبلا، ونحن نرى حاضرا مؤلما، باتت فيه الآمال العريضة للشعب العربي تتآكل بمسميات وعناوين لم تكن قبل عقد من الزمن تعني الكثير لكثيرين منا؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك