حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية

 

المحور الثلاثي الجنوبي
الاختراق الإسرائيلي
سلاح المياه وحصار مصر

كانت قضية وحدة مصر والسودان، ولا تزال، مطلباً ملحاً تسعى إلى تحقيقه جموع غفيرة من أبناء وادي النيل. وقد عبر المبدع تاج السر حسن في قصيدته آسيا وأفريقيا عن هذا الرباط الطبيعي الذي يجمع بين البلدين بقوله:
مصر يا أخت بلادي يا شقيقة.
يا رياضاً عذبة النبع وريقة.. يا حقيقة.

وعلى الرغم من غلبة أهواء السياسة والحكم التي أدت إلى وأد هذا الحلم المشروع، فإن التفكير الإستراتيجي السائد في مرحلة ما بعد الاستقلال أكد على عمق وأهمية الروابط التاريخية والحضارية بين البلدين باعتبار أن كلاً منهما يشكل امتداداً طبيعياً للآخر.

وعندما ظهر سودان آخر في الجنوب بعد إصرار أهله على خيار الانفصال وبناء الدولة المستقلة، انقلبت الحسابات والمعادلات الإستراتيجية التي ظلت مهيمنة على مراكز صنع القرار في كل من القاهرة والخرطوم ردحاً طويلاً من الزمان. فقد ظهرت نخبة جديدة حاكمة في جوبا تولي وجهها شطر الشرق والجنوب الأفريقي طلباً للتدثر برداء الأفريقانية في مواجهة المواريث العربية الإسلامية الطاغية. وسوف نحاول في هذا المقال طرح بعض ملامح هذا التوجه الجديد لجنوب السودان وأثره في عملية إعادة الخريطة الأمنية والجيوستراتيجية في كل من وادي النيل وشرق أفريقيا.

المحور الثلاثي الجنوبي
لا يخفى أن خريطة التوازنات الإقليمية في شرق أفريقيا قد أصابها التبدل والتغير في أعقاب تفكك الصومال وانفصال جنوب السودان وذلك لصالح قوى إقليمية غير عربية أبرزها كينيا وإثيوبيا. فالملاحظ أننا أمام تشكل محور إستراتيجي جديد يضم كلاً من جوبا ونيروبي وأديس أبابا، على أن توفر أوغندا وجيبوتي سنداً إستيراتجياً لهذا التحالف الإقليمي الوليد.

يتشكل حاليا محور إستراتيجي جديد يضم كلاً من جوبا ونيروبي وأديس أبابا، على أن توفر أوغندا وجيبوتي سنداً إستيراتيجياً لهذا التحالف الإقليمي الوليد

وللتأكيد على ما نقول نشير إلى أمرين لهما دلالة كبيرة، وذلك على النحو التالي:
الأمر الأول يرتبط بما أعلنه وزير الإعلام في حكومة جوبا أوائل مارس/آذار 2013 من أن بلاده أقرت إنشاء طريق بري يربط بين حقول النفط في منطقة الفالوج بولاية أعالي النيل ومنطقة غامبيلا في إثيوبيا. وسوف يمثل هذا الطريق بديلاً إستيراتيجياً مهماً لنقل نفط جنوب السودان بالشاحنات عبر إثيوبيا وصولاً إلى موانئ جيبوتي. ولعل إعطاء أولوية قصوى لإنشاء هذا المشروع يعني رغبة حكومة جوبا في دعم توجهاتها التكاملية مع إثيوبيا المجاورة التي يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون شخص.

واللافت أن إثيوبيا قد شيدت بالفعل طريقاً عابراً في منطقة غامبيلا ينتهي بالقرب من مدينة باجاك الحدودية في جنوب السودان. ولعل ما يعطي هذا المشروع أهمية إستراتيجية كبرى هو التقارب الثقافي والحضاري بين ساكني المناطق الحدودية في كل من جنوب السودان وإثيوبيا. إذ لا يخفى أن منطقة غامبيلا تسكنها قبائل النوير والأنواك التي تمتد عبر الحدود مع جنوب السودان ولا سيما في ولايتي أعالي النيل وجونجلي.

أما الأمر الثاني فهو يتعلق بالإعلان يوم 12 مارس/آذار 2013 عن توقيع مذكرة تفاهم بين كل من جنوب السودان وجيبوتي لبناء خط أنابيب لنقل النفط السوداني الجنوبي عبر الأراضي الإثيوبية وصولاً إلى جيبوتي. وقد قامت بالفعل شركة استشارية أميركية بالتعاقد مع عدد من الخبراء الغربيين لإجراء دراسة بشأن القضايا الأساسية المتعلقة بمدى ملاءمة الطرق في الدول الثلاث وتكلفة المشروع والأثر البيئي على خط الأنابيب. ومن المتوقع الانتهاء من هذه الدراسة في غضون ثلاثة أشهر.

وتجدر الإشارة إلى أن حكومة جنوب السودان لديها اتفاق مماثل مع الحكومة الكينية لبناء خط أنابيب يصل إلى ميناء لامو الكيني، وهو المعروف إعلامياً باسم ممر لامو الذي يربط ميناء مدينة لامو الكينية بإثيوبيا وصولاً في نهاية المطاف إلى جنوب السودان. ولا شك أن هذا الخط سوف يعود بالنفع كذلك على إثيوبيا، إذ إنها سوف تحصل على النفط السوداني الذي يصلها في عقر دارها.

الاختراق الإسرائيلي
ويتمثل التوجه الثاني الأخطر لدولة جنوب السودان في توطيد العلاقة مع إسرائيل. ومن المعروف أن الأدبيات الإسرائيلية أو تلك الخاصة بالحركة الشعبية لتحرير السودان لم تنكر الدور الذي قامت به إسرائيل في مساندة حركات التمرد السودانية منذ بدايتها وحتى إعلان الانفصال، وهو ما دفع بالرئيس سلفاكير أثناء زيارته إسرائيل في ديسمبر/كانون الأول 2011 إلى الاعتراف بأنه لولا هذا الدعم الإسرائيلي لما تحقق حلم الاستقلال للسودانيين الجنوبيين. كما أن إسرائيل أعلنت عن اعترافها بدولة جنوب السودان يوم 15 يوليو/تموز 2011، أي بعد يوم واحد من إعلان انفصالها عن السودان.

وتسعى إسرائيل إلى تحقيق عدد من المكاسب السياسية والإستراتيجية جراء وجودها في بوابة السودان الجنوبية. فبالإضافة إلى الأهداف المعلومة المرتبطة بالضغط على مناطق الأطراف في النظام الإقليمي العربي ولا سيما في امتداده الأفريقي، نجد أنها تحاول جاهدة محاصرة المد الإسلامي الذي أفرزته ثورات الربيع العربي في كل من تونس ومصر. وثمة متغير آخر يرتبط بمحاصرة الوجود الإيراني في منطقة شرق أفريقيا والسودان وقطع أي قنوات اتصال ممكنة مع الفلسطينيين في قطاع غزة.

جوبا عازمة على تصدير النفط لإسرائيل, وهنا ندرك مغزى ودلالة توجهها نحو إيجاد بديل إستراتيجي لنقل نفطها عبر موانئ كينيا وجيبوتي

وبالفعل نجد حركة دؤوبة لإسرائيل في جوبا حيث تم توقيع العديد من البروتوكولات والاتفاقيات في مجالات شتى. ففي 23 يوليو/تموز 2012 أثناء زيارة وزير الري والموارد المائية بول مايوم للكنيست الإسرائيلي تم الإعلان عن توقيع اتفاق في مجال التنمية التكنولوجية ومشروعات البنية الأساسية في مجال المياه.

بيد أن المثير للانتباه أن الاتفاق قد وقع عليه من الجانب الإسرائيلي أحد مسؤولي المؤسسة الإسرائيلية للصناعات العسكرية المحدودة، وهي شركة متخصصة في صناعة الأسلحة ونظم القتال البرية والبحرية والجوية. ولعل الأخطر من ذلك هو الإعلان في يناير/كانون الثاني 2013 عن توقيع اتفاق بين عدد من شركات النفط الإسرائيلية وجنوب السودان.

كما أن وزير النفط والمعادن في حكومة جوبا قد أكد أن بلاده عازمة على تصدير النفط لإسرائيل. ولعل ذلك ما دفع بأحد قيادي حزب المؤتمر الحاكم في الخرطوم السيد قطب المهدي إلى التهديد بأن السودان لن يسمح أبدا بعبور النفط الجنوبي إلى إسرائيل عبر أراضيه. عندئذ يمكن للمرء أن يدرك مغزى ودلالة توجه جنوب السودان نحو إيجاد بديل إستراتيجي لنقل نفطه عبر موانئ كينيا وجيبوتي.

سلاح المياه وحصار مصر
على الرغم من التقارب المصري مع جنوب السودان منذ أواخر عهد نظام مبارك، فإن حكومة جوبا أعلنت من دون لبس أو غموض عن انحيازها الكامل لموقف دول أعالي النيل الذي تم التوقيع عليه في مبادرة حوض النيل عام 2010.

وقد عبر وزير الري والموارد المائية في حكومة جوبا أواخر مارس/آذار 2013 عن أن بلاده تعارض تماماً جميع الاتفاقات السابقة الخاصة بمياه النيل بما في ذلك اتفاقية 1959 بين مصر والسودان، إذ إن بلاده لم تكن موجودة في ذلك الوقت. بل الأكثر من ذلك فقد تم الإعلان أن جنوب السودان سوف ينضم إلى اتفاق عنتيبي الذي تعارضه كل من مصر والسودان، وهو ما يعني أن أزمة مياه النيل ماضية من السيئ إلى الأسوأ.

ومن الواضح تماماً أن محور جوبا-نيروبي-أديس أبابا سوف يؤثر يقيناً على ملف مياه النيل من خلال مساندة الموقف الإثيوبي المتشدد والرافض لمبدأ الحقوق التاريخية المكتسبة الذي تتمسك به كل من مصر والسودان. وقد أصبح الخطاب السياسي الإثيوبي يعبر عن نزعة استعلاء واضحة ولا سيما في مواجهة احتمال اللجوء المصري لخيارات عسكرية بضرب السدود الإثيوبية.

يقول رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي في نوفمبر/تشرين الثاني 2010: "لا أعتقد أن المصريين سوف يقومون بغزو إثيوبيا على حين غرة. إذ لم يتمكن أحد قبل ذلك من القيام بهذا العدوان دون القضاء عليه حتما، ولا أظن أن المصريين يشذون عن هذه القاعدة. بل إنهم يدركون ذلك جيداً".

ولاشك أن خريطة التحالفات الجديدة التي أضحت جنوب السودان جزءاً لا يتجزأ منها تعني في دلالتها الإستراتيجية خصماً إستراتيجياً لكل من مصر والسودان، وإضافة كبرى لإثيوبيا باعتبارها الفاعل الإقليمي الأبرز.

خالد بن سلطان:  هناك أصابع تعبث بالمقدرات المائية للسودان ومصر، وهي مغروزة في عقل إثيوبيا وجسدها ولا تترك فرصة للإضرار بالعرب إلا وانتهزتها

وعليه نستطيع فهم المسعى الإثيوبي لإقامة سد النهضة العظيم على بعد 12 كيلومترا فقط من الحدود السودانية مما يجعله أكبر مهدد للأمن القومي المصري والسوداني. وهو الأمر الذي عبر عنه بوضوح نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلطان حينما قال إن هناك أصابع تعبث بالمقدرات المائية للسودان ومصر، وهي مغروزة في عقل إثيوبيا وجسدها، ولا تترك فرصة للإضرار بالعرب إلا وانتهزتها.

ولعل سؤال ما العمل مصرياً يدفع إلى الحديث عن أزمة الدولة والمجتمع في مصر بعد الثورة. إذ لأول مرة يشعر المصري البسيط بأن ثمة قلقا مشروعا بشأن تفكك وترهل مؤسسات دولة ما بعد مبارك في نفس الوقت الذي تراوده الشكوك بشأن إمكانيات التأثير السلبي على تدقق مياه النيل القادمة إلى السودان.

ولا يخفى أن إصلاح البيت من الداخل من خلال التوصل إلى تسوية سياسية توافقية تعيد لجهاز الدولة هيبته يمثل المدخل الحقيقي لاستعادة الدور والمكانة الإقليمية التي فقدتها مصر على مر العقود الماضية. فهل يدرك العقل الإستراتيجي المصري تبعات وجود سودان آخر غير الذي تغنى به الشعراء وافتخر به الأدباء في وادي النيل؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك