مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني

 

بقدر ما حملت عملية إعادة انتخاب خالد مشعل لرئاسة المكتب السياسي لحركة حماس من جدل وتعقيدات، فإنها حملت بالقدر ذاته حديثا عن الصفات والشمائل الشخصية لمشعل، ونقاشا آخر لا يقل أهمية عن ملف التحديات الكبرى الذي يحمل همومه المتشعبة، وتفاصيله العميقة، في ظل تداعيات الربيع العربي، وانسداد الأوضاع على المستوى الفلسطيني الداخلي.

مرحلة جديدة
في تفاصيل فوز مشعل برئاسة حماس إشاعة لأجواء مبشرة، تنشر منسوبا غير اعتيادي من الاستبشار الفلسطيني الداخلي بموازاة ارتياح إقليمي، عربيا وإسلاميا، لحسم ملف قيادة الحركة الأهم على ساحة العمل والتأثير الفلسطيني.

لم تكدْ الأنباء الأولية تَرْشح عن تجديد الثقة بمشعل لولاية جديدة حتى سارع العديد من الخصوم السياسيين -وعلى رأسهم حركة فتح وقيادات في السلطة- للإعراب عن سعادتهم بفوز مشعل مجددا في الانتخابات الداخلية، واستمراره في أداء برنامجه الوطني بكل همة وإخلاص على الساحة الفلسطينية.
 
مشعل يحمل مشروعا وطنيا حقيقيا لإعادة صياغة الواقع الفلسطيني الداخلي على أسس جديدة، وإعادة تفعيل القضية الفلسطينية، ومنحها موقع الصدارة في قلب الساحة الدولية من جديد
ليس خافيا سر التعلق الكبير بمشعل على المستويين الداخلي والخارجي، فالكل يدرك أن مشعل يحمل رؤية جديدة واضحة المعالم للخروج من نفق الانقسام الداخلي، وبناء شراكة فلسطينية حقيقية، وخارطة طريق لتعزيز موقع حماس الخارجي، وانفتاحها على الساحتين الإقليمية والدولية.
باختصار، فإن مشعل يحمل مشروعا وطنيا حقيقيا لإعادة صياغة الواقع الفلسطيني الداخلي على أسس جديدة، وإعادة تفعيل القضية الفلسطينية، ومنحها موقع الصدارة في قلب الساحة الدولية من جديد.

إن إعمال النظر والتدقيق في المشروع الوطني الذي يحمله ويوقن به ويسعى لإنفاذه مشعل يكشف عن تفرده التام، وتميزه الأصيل، من حيث الخروج من الضيق الفصائلي إلى السعة الوطنية، والحرص البالغ على امتشاق الرؤى الجامعة، والسياسات الرصينة ذات الصبغة التوافقية التي تحظى بقبول وتفهّم الجميع، فلا مجال -حسب رؤية مشعل- لإنقاذ الوطن من أزماته الخانقة، وانتشاله من وهدة التحديات التي تنهش في أوصاله إلا عبر التوافق الوطني الأصيل الذي يصهر الجهود والطاقات الوطنية في بوتقة الدفاع عن فلسطين، الأرض والقضية، والحاضر والمستقبل.

منْ يستمع إلى مشعل وينصت إلى خطابه السياسي يدرك أن الرجل يضطلع بمهمة ثقيلة للغاية، تحاول تجاوز موروثات الانقسام والتدابر الفصائلي الذي طغى على ساحة العمل الوطني طيلة المرحلة الماضية، كتوطئة لازمة وأساسية للتحرك الأوسع على الجبهة الخارجية، تجاه إعادة تحشيد الدعم الإقليمي والدولي لقضيتنا العادلة.

هناك من يرى في رؤية مشعل "فانتازيا" سياسية تقفز عن حقائق السياسة والواقع في ظل الواقع الفلسطيني الخاضع لهيمنة الاحتلال، والملبد بالأحقاد والأضغان والدسائس والمكائد التي لا تنقطع، وهناك من يرى فيها رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، يصعب تحقيقها على المدى المنظور، إلا أن الثابت أن الرجل يحمل رؤية واثقة لا تخدشها جواذب الإحباط والتخذيل، ولا تنال منها حقائق السياسة البشعة وتجليات الواقع البغيض.

وليس من المبالغة في شيء القول إن إرادة الإصرار والتميز التي تحرك مشعل هي ذاتها إرادة الإصرار والتميز التي حركت الشيخ الإمام الشهيد أحمد ياسين في بدايات عمله الأولى، حين كان وحيدا إلا من عدد محدود من الأنصار والمؤيدين في ظل واقع احتلالي وأخلاقي لم يكن أمر تغييره إلا حلما في مخيلة البعض. وإذا كان الشيخ ياسين قد نحت في الصخر وأينعت غراسه وأزهرت ثمار دعوته، فإن رؤية مشعل تلتمس ذات الدرب، وتستوحي ذات الإرادة والعزم والتصميم.

على أية حال، فإن الزمن جزء من العلاج، وإن العوائق المنتصبة في وجه مسيرة الإصلاح الوطني التي يستحثها مشعل مصيرها الزوال، مهما طال الزمن.

ولعل الحكمة في رسم الرؤى، والتدرج في تحقيق الأهداف، تشكل أبرز سمات المنهج السياسي الذي يتبناه مشعل، وهي صفة بالغة الضرورة والإلحاح، افتقدتها الساحة الفلسطينية طيلة المرحلة الماضية، وتسبب غيابها في إيرادها موارد العجز والتدابر والانقسام.

ومن هنا، فإن إعادة انتخاب مشعل تمنحنا مزيدا من الثقة اليوم في تطورات لافتة على المستوى الفلسطيني الداخلي على المدى القريب، فالفلسطينيون جميعا يترقبون دنوّ فجر الخلاص من الانقسام، ويتطلعون إلى ذلك اليوم الذي يستقيم فيه الجهد الفصائلي على إرادة جامعة تتابع مشوار النضال الوطني في إطار توافقي مثمر وفعال، وترسم خارطة التحرر من قهر ونير الاحتلال.

روعة النموذج
ما الذي جعل خالد مشعل يستحوذ على حب الجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية التي رأت فيه رمزًا عروبيًا وإسلاميًا يستأهل القيادة والإمساك بالزمام؟ وما الذي جعل مشعل يحظى بثقة خصومه السياسيين والحزبيين لدرجة قيام "أبو مازن" وصائب عريقات وغيرهما بالإشادة به، ووصفه بالصدق والإخلاص في أكثر من موقف ومناسبة؟

لسنا من أنصار الحديث عن الأشخاص، أو تمجيدهم في حياتهم، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، لكن روعة النموذج الذي يقدمه مشعل، فكرا وأداءً، يفرض علينا تقديمه إلى الناس في صورة واضحة، تستوجب التأسى والاقتداء فلسطينيا وعربيا وإسلاميا.

وهكذا، لم يكن يتخيل الكثيرون احتمال خسارة تجربة كبرى كتجربة مشعل التي امتلكت مؤهلات القيادة، وسعة الأفق، ودقة الرؤية، والقدرة على المواءمة بين الظروف والمصالح، وخبرة التعامل وبسط العلاقات وجسور الحوار مع المحيط الإقليمي والدولي، في ظل البيئة المعروفة بعدائها الصارخ للإسلاميين.

لا ينبع تميّز مشعل من صفاته وشمائله الشخصية فحسب، بل إن الرجل راكم طوال قيادته لحركة حماس خبرة واسعة، واستجمع تجربة عميقة جعلت منه مرشدا مخلصا، وصمام أمان لحركة حماس والوضع الفلسطيني العام خلال الأعوام الأخيرة.

يتمتع مشعل بخصلتين, الأولى تكمن في الشخصية التوافقية التي مكنته من الدخول، بل والتربع في قلوب الجميع، والثانية تتمثل في الفكر المنفتح الذي يحمله، والذي يتواءم مع مقتضيات الواقع والعصر

لقد فرض مشعل احترامه وتقديره على الجميع نتيجة تحليه بالعديد من الخصائص والشمائل التي وضعته في مصاف القادة العظماء الذي أثروا التاريخ الفلسطيني الحديث، وأسهموا -ولا زالوا- بجلاء في إعادة تصحيح المسار الوطني الفلسطيني، وإعادة صياغة معادلة الواقع الفلسطيني الداخلي على أسس وقواعد جديدة، تقرّب شعبنا من تحقيق أهدافه وطموحاته الوطنية.

الخصلة الأولى تكمن في الشخصية التوافقية التي مكنت مشعل من الدخول بل والتربع في قلوب الجميع، فكل حرف ينطق به، وكل فعل يلتمس أداءه، وكل نفس يتنفس به، يشي بالتوافق وينأى عن الخلاف والانقسام. فلا غرو أن يملك مشعل -إذن- خاصية استيعاب الجميع التي لا يحسن بلوغها وامتلاكها إلا القليل القليل.

الخصلة الثانية تتمثل في الفكر المنفتح الذي يحمله مشعل، والذي يتواءم مع مقتضيات الواقع والعصر، والنضج الواسع والرشد الكبير الذي يتمتع به في تفكيره السياسي، ومقارباته الوطنية المختلفة التي تتأسس على مفاهيم الوحدة، ومعاني اللقاء والوفاق، وابتدار المرونة لصالح الوطن والقضية.

لقد عركت تجارب الحياة ومشكلاتها ودروبها القاسية مشعل، وأنضجت بعمق مسيرته الفكرية. وعملت خبرته المتزايدة في الاحتكاك بالمستويات الإقليمية والدولية عملها، ليتحول في غضون سنوات من حال الراديكالية المفرط، إلى حال العمق والانفتاح التام.

الخصلة الثالثة تتجسد في الشفافية التامة والشجاعة الكاملة التي لم يجد معها مشعل حرجا في امتلاك القدرة على الاعتراف بالخطأ دون تردد أو حرج.

لا تجد في مسيرة الشعب الفلسطيني من تحلى بشفافية وشجاعة مشعل حين اعترف أكثر من مرّة بالخطأ، وحين أكّد بأن الجميع -فلسطينيًا- قد أخطأ في حق الشعب والوطن والقضية من خلال الولوغ في الانقسام، وأن المصلحة تقتضي البدء الفوري في إصلاح الأخطاء، ومداواة الجروح، ورد المظالم إلى أهلها.

أما الخصلة الرابعة فهي التواضع اللافت للرجل الذي أسر به القلوب، والذي يتبدى من خلال سلوكه الشخصي والتنظيمي والوطني، وهي صفة لا يشترك معه فيها الكثير.

استثناء بطعم المصلحة
لا ريب أن التغيير سُنّة كونية نافذة، وأن من لا يملك إرادة التغيير طوعا فإن عجلة الزمن وطبيعة الحياة كفيلة بإزاحته عن مشهد التصدّر والقيادة، مهما بلغت درجة فرادته، أو مهما حاز من مجامع القوة والنفوذ.

لقد كان لافتا حال الاستياء الذي عبر عنه البعض مع إعادة انتخاب مشعل لرئاسة حماس في وقت كانوا يأملون فيه إصرارا من الرجل على عدم الترشح، وتقديم نموذج ديمقراطي راق في الترجل عن موقع السلطة والنفوذ في ذروة التألق والمجد.

إن القاعدة الأساسية تشي بأن التساوق مع سنن التداول والتغيير، وإفساح الطريق أمام الكوادر والقيادات الأخرى، وضخّ دماء جديدة في شرايين العمل القيادي، تشكل مبدأ أدبيا وأخلاقيا رائعا، وقيمة سياسية وفكرية عليا، بل وضرورة ماسة وحيوية لعمل مثمر وأكثر دقة ونجاحا وإنتاجا.

لكن لكل قاعدة استثناء، والاستثناء هنا لا يلغي القاعدة بحكم ضرورات السياسة والواقع، وخصوصا في ظل حالة فلسطينية استثنائية، تدور في فلك واقع عربي استثنائي، على إيقاع المخاض الذي يضرب أطنابه في عديد الدول العربية التي شهدت -أو لا تزال تشهد- ثورات كبرى عقب عقود من الظلم والقهر والاستبداد.

هنا تتقدم المصلحة الأهم على حساب المصلحة الأقل أهمية، ويتقدم الاستثناء على القاعدة في ظل المفاضلة بين الأولويات والخيارات المتاحة، ويبدو مشعل رجل المرحلة بامتياز، والقائد الأكثر ملاءمة لحمل الراية وسط عواصف المرحلة وتحدياتها الجسام.

مشعل ليس رجلا خارقا، أو قائدا فوق العادة وحدود الطبيعة، لكنه في الآن ذاته نموذج متميز، يملك من الصفات والشمائل والرؤية والمشروع ما يمنحه القوة السياسية، والحظوة الشخصية لقيادة المسيرة، ورعاية الحال والمسار الوطني الفلسطيني بشكل عام.

حسنا فعلت حماس حين ثابرت على مشعل، ضغطا وإقناعا، حتى لحظة عدوله عن قرار عدم الترشح، فالمسألة هنا لا تقاس في إطار المفاضلة بين مبدأ أخلاقي ونقيضه

قد تتوفر ذات الخصائل والقدرات التي يمتلكها مشعل في هذا القائد أو ذاك، لكن امتلاك الكاريزما الشخصية والعمق السياسي صفتان تجتمعان ضمن تركيبة ومكونات مشعل بما يتعذر توفرهما في غيره، وهما صفتان لا غنى عنهما لإدارة دفّة العلاقات الفلسطينية والعربية والدولية على السواء.

حسنا فعلت حماس حين ثابرت على مشعل -ضغطا وإقناعا- حتى لحظة عدوله عن قرار عدم الترشح، فالمسألة هنا لا تقاس في إطار المفاضلة بين مبدأ أخلاقي ونقيضه، بقدر ما تكمن في المفاضلة بين الخيارات على قاعدة المصلحة الوطنية الفلسطينية الجامعة.

الاستثناء يبقى استثناءً، ويبقى رهين اللحظة التاريخية الراهنة، لكنه استثناء خاص بطعم المصلحة، ونكهة التميز لا غير.

وأخيرا.. فإن إعادة انتخاب مشعل سوف يكون لها ما بعدها، وإن حال الارتياح والاستبشار الذي طغى على صفحة المشهد الفلسطيني والإقليمي عقب استمرار مشعل على رأس الهرم القيادي لحماس، يُتوقع أن يجد ترجماته العملية الواضحة في تفكيك عُقد الأزمة الفلسطينية الداخلية المستحكمة، وطيّ صفحة الانقسام، ومزيد من التوغل الإيجابي والانفتاح المثمر على الساحتين الإقليمية والدولية خلال المرحلة المقبلة. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك