نبيل السهلي

نبيل السهلي

كاتب وصحفي مستقل

حقائق ومعطيات عن معاناة الأطفال
ذرائع إسرائيلية ووقائع فلسطينية
أطفال فلسطين والقانون الدولي

كان للممارسات وسياسات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية آثار مباشرة على الشعب الفلسطيني، وبشكل خاص الأطفال منهم الذين يشكلون نحو 50% من سكان الضفة الفلسطينية وقطاع غزة.

واللافت أن قضية المعتقلين من الأطفال الفلسطينيين برزت بقوة في الآونة الأخيرة بعد صدور عدة تقارير دولية وفلسطينية وصّفت ظروفهم التي تتعدى طفولتهم. فمعظم المعتقلين من الأطفال يتم اقتيادهم إلى المستوطنات الإسرائيلية للتحقيق معهم، مثل مستوطنة كريات أربع، وبنيامين، ومعاليه أدوميم، ودان شمرون، وغيرها.

وهناك يجري التحقيق معهم وتعذيبهم دون أية رقابة على المحققين من قبل الصليب الأحمر الدولي أو من المحامين الفلسطينيين، مما يعرّض حياة المعتقلين من الأطفال الفلسطينيين للخطر والاستفراد بهم وإجبارهم على التوقيع على إفادات باللغة العبرية لا يعرفون مضمونها في الأساس.

حقائق ومعطيات عن معاناة الأطفال
صدرت عدة تقارير ودراسات خلال السنوات القليلة الماضية، تتضمن حقائق عن الممارسات التعسفية الإسرائيلية ضد الأطفال الفلسطينيين. وقبل أيام صدر تقرير هام لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، وقد أكد التقرير أن الأطفال الفلسطينيين المحتجزين لدى إسرائيل يتعرضون لإساءة معاملة بصورة منهجية واسعة النطاق تنتهك القانون الدولي.

إساءة المعاملة الممنهجة تشمل (تغطية) أعين الأطفال، وتكبيل أيديهم برباط من البلاستيك والانتهاك البدني والشفهي خلال عملية النقل إلى موقع الاستجواب

وقدرت اليونيسيف بأن ثمة 700 طفل فلسطيني تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاماً، غالبيتهم من الذكور، يتعرضون للاعتقال والاستجواب والاحتجاز من جانب الجيش الإسرائيلي والشرطة وأجهزة الأمن في الضفة الغربية المحتلة كل عام.

وقالت إنها رصدت بعض "نماذج الممارسات التي تصل إلى حد العقاب والمعاملة القاسية غير الإنسانية والمهينة بموجب معاهدة حقوق الطفل والمعاهدة المناهضة للتعذيب". وطبقا للتقرير، تبدأ عادة إساءة معاملة الأحداث الفلسطينيين بفعل الاعتقال نفسه الذي يحدث عادة في منتصف الليل، وينفذه جنود من الجيش مدججون بالسلاح، ويستمر خلال المحاكمات وإصدار الأحكام.

وقال التقرير إن "إساءة المعاملة الممنهجة تشمل (تغطية) أعين الأطفال، وتكبيل أيديهم برباط من البلاستيك والانتهاك البدني والشفهي خلال عملية النقل إلى موقع الاستجواب بما في ذلك استخدام وسائل تقييد مؤلمة". وذكر التقرير أن الأحداث الفلسطينيين، الذين يُعتقل معظمهم أثناء إلقاء الحجارة، يتعرضون لعنف بدني وتهديدات خلال استجوابهم، ويُجبرون على الاعتراف ولا يسمح لهم على الفور بالاتصال بمحامين أو بذويهم خلال الاستجواب". ويعترف معظم الأطفال في نهاية التحقيق ويوقعون على أوراق باللغة العبرية التي لا يفهمونها.

وخلص التقرير أيضاً إلى أنه يتم حبس الأطفال في العزل الانفرادي لفترة تتراوح ما بين يومين وشهر، قبل أخذهم إلى المحكمة، وفي بعض الأحيان حتى بعد الحكم عليهم. ويكمل التقرير أنه خلال جلسات استماع المحكمة يكون الأطفال مقيدين في أيديهم وأرجلهم و"الدليل الرئيسي ضد الطفل هو اعترافه بنفسه الذي ينتزع في الغالب تحت الإكراه خلال التحقيق".

وتشير منظمة اليونيسيف إلى أنه يتم فرض عقوبات تصل إلى ستة أشهر في السجن على القاصرين الفلسطينيين الذين يبلغون من العمر 13 عاما أو أقل، بينما قد تفرض أحكام بالسجن على الأطفال الذين يبلغون 14 عاما أو أكثر لعشر سنوات بسبب إلقاء الحجارة، أو حتى 20 عاما إن كان الهدف سيارة متحركة.

ذرائع إسرائيلية ووقائع فلسطينية
حاولت وزارة الخارجية الإسرائيلية تلميع صورة إسرائيل في الخارج وفي الأروقة الدولية بعض صدور عدة تقارير تمّ من خلالها فضح الممارسات العنصرية ضد الأطفال الفلسطينيين، فصرح الناطق باسم الخارجية الإسرائيلية إيغال بالمور قبل عدة أيام بأن مسؤولين من الوزارة والجيش الإسرائيلي تعاونوا مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة أثناء أداء عملها الخاص بالتقرير بهدف تحسين معاملة الأحداث الفلسطينيين في الحجز، مشيراً إلى أن "إسرائيل ستدرس النتائج وتعمل على تنفيذها من خلال التعاون المستمر مع منظمة اليونيسيف".

هذا في وقت تستمر فيه إسرائيل بنشاطاتها الاستيطانية في عمق الأراضي الفلسطينية وكذلك في حصار قطاع غزة، مما ينعكس سلباً على حياة الفلسطينيين وعلى الأطفال خاصة الذين يشكلون نحو 50% من سكان المنطقتين.

وخلافاً لالتزاماتها بتوفير ضمانات قضائية مناسبة لاعتقال الأطفال ومحاكمتهم بموجب اتفاقية حقوق الطفل والقانون الدولي الإنساني، طبقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أوامر عسكرية عنصرية على الأطفال الفلسطينيين الأسرى، وتعاملت معهم من خلال محاكم عسكرية تفتقر للحد الأدنى من معايير المحاكمات العادلة، خصوصا الأمر العسكري 132، الذي يسمح لسلطات الاحتلال باعتقال أطفال في سن 12 عاما.

رغم أن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان جعلت من موضوع اعتقال الأطفال "الملاذ الأخير"، فإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي جعلت من قتل وملاحقة الأطفال الفلسطينيين واعتقالهم الملاذ الأول

وفي مقابل ذلك أظهرت تقارير فلسطينية صادرة عن وزارة الأسرى الفلسطينية تزايد حالات الاعتقال، إذ تمً اعتقال 881 طفلاَ في عام 2012، بمتوسط شهري يصل إلى 73 طفلاً، أي أن وتيرة الاعتقال زادت بنسبة 26 % في عام 2012 مقارنة بعام 2011، الأمر الذي يؤكد تزايد انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي.

وقد رافق تلك الممارسات التعسفية ضد الأطفال الفلسطينيين تصاعد الانتهاكات بحق الأطفال المعتقلين من تعذيب وحرمان وضغط وابتزاز ومعاملة لا إنسانية تتنافى بشكل فاضح مع كافة المواثيق والاتفاقيات الدولية، منها المتعلقة بحقوق الطفل، حيث أوضحت الإحصائية أن إسرائيل اعتقلت منذ بدء انتفاضة الأقصى في سبتمبر/أيلول 2000 وحتى عام 2012 نحو تسعة آلاف طفل دون الثامنة عشرة من العمر.

وقد مورس ضد الأطفال الذين تعرضوا للاعتقال التعذيب الجسدي والنفسي والإيذاء المعنوي، كالصعق بالكهرباء والضرب المبرح والابتزاز والتخويف. وقد انتزعت الاعترافات منهم بالقوة، استخدمت لاحقا كمستندات إدانة بحقهم في المحاكم العسكرية التي أصدرت بحقهم أحكاما بالسجن لفترات مختلفة، دون مراعاة الظروف التي قدمت خلالها تلك الاعترافات.

وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وتحديدا اتفاقية حقوق الطفل، قد شددت على ضرورة توفير الحماية للأطفال ولحياتهم ولفرصهم في البقاء والنمو، وقيّدت هذه المواثيق سلب الأطفال حريتهم، وجعلت من موضوع اعتقالهم "الملاذ الأخير ولأقصر فترة ممكنة"، بيد أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي جعلت من قتل وملاحقة الأطفال الفلسطينيين واعتقالهم الملاذ الأول.

من جهة أخرى، فإن سلطات الاحتلال العسكري الإسرائيلي ضربت بعرض الحائط حقوق الأطفال الفلسطينيين المحرومين من حريتهم، وأذاقتهم أصناف العذاب والمعاملة القاسية والمهينة من ضرب وشبح وحرمان من النوم ومن الطعام، كما تمارس بحقهم التهديد والوعيد والشتائم، فضلا عن التحرش الجنسي والحرمان من الزيارة، واستخدمت معهم أبشع الوسائل النفسية والبدنية لانتزاع الاعترافات، كما تتم ضغوط متعددة على الأطفال بغية تجنيدهم للعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية.

أطفال فلسطين والقانون الدولي
على الرغم من أن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وتحديدا اتفاقية حقوق الطفل، التي شددت على ضرورة توفير الحماية للأطفال ولحياتهم ولفرصهم في البقاء والنمو، لا يزال 200 طفل فلسطيني يقبعون في سجون ومراكز التحقيق والتوقيف الإسرائيلية منهم 135 طفلاً أسيراً و140 طفلاً موقوفاً بانتظار المحاكمة و21 طفلاً أسيراً في مراكز التحقيق ومراكز الاحتجاز، علما أن هناك 32 طفلا معتقلا تحت سن 16 عاماً وذلك من إجمالي الأطفال المعتقلين.

وتحرم سلطات الاحتلال الإسرائيلي الأطفال الأسرى من أبسط الحقوق التي تمنحها لهم المواثيق الدولية، هذه الحقوق الأساسية التي يستحقها المحرومون من حريتهم بغض النظر عن دينهم وقوميتهم وجنسهم.

وتشتمل هذه الحقوق على الحق في عدم التعرض للاعتقال العشوائي، والحق في معرفة سبب الاعتقال، والحق في الحصول على محام، وحق الأسرة في معرفة سبب ومكان اعتقال الطفل، والحق في المثول أمام قاض، والحق في الاعتراض على التهمة والطعن بها، والحق في الاتصال بالعالم الخارجي، والحق في معاملة إنسانية تحفظ كرامة الطفل المعتقل.

الأطفال العرب داخل الخط الأخضر بصفة عامة وفي الأراضي الفلسطينية بصفة خاصة يعيشون في ظروف كارثية بسبب وجود قوات الاحتلال وما تخلفه سياسات الاستيطان من دمار

وتبعاً للممارسات الإسرائيلية إزاء الأطفال الفلسطينيين، أدانت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) في بيان أصدرته قبل فترة وجيزة المعاملة السيئة وغير الإنسانية التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد الأطفال الفلسطينيين المعتقلين في سجونها العسكرية والتي فضحتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف).

واعتبرت الإيسيسكو أن الممارسات الإسرائيلية العنصرية في حق الأطفال الفلسطينيين الأبرياء خرق سافر لحقوق الطفل ولمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المصادق عليها دولياً. وناشدت الإيسيسكو منظمتي اليونسكو واليونيسيف الضغط على الحكومة الإسرائيلية لكي تلتزم بالمواثيق الدولية الداعية لاحترام حقوق الأطفال والإفراج الفوري عن الأطفال الفلسطينيين المعتقلين في سجونها العسكرية، ووقف ممارساتها الإجرامية العنصرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وتعتبر التقارير الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم، والمنظمات الأهلية الدولية التي تشير بمجملها إلى أن الأطفال العرب في داخل الخط الأخضر بصفة عامة وفي الأراضي الفلسطينية بصفة خاصة يعيشون في ظروف كارثية بسبب وجود قوات الاحتلال وما تخلفه سياسات الاستيطان من دمار على شرائح المجتمع الفلسطيني كافة من دون تمييز بين الأطفال والنساء والشيوخ، تعتبر مدخلاً لاتخاذ قرارات دولية من شأنها تجريم إسرائيل على ممارساتها ضد الأطفال الفلسطينيين، ومن ثم ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن تلك الممارسات ومحاكمتهم في المحاكم الدولية المتخصصة. وهذا أضعف الإيمان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك