يحيى اليحياوي

يحيى اليحياوي

كاتب وأكاديمي مغربي

 

ليس من الدقة في شيء الاعتقاد بأن ظاهرة الاحتجاج السلمي الميداني ظاهرة جديدة أو طارئة بالمغرب. فهي لازمة ثابتة واكبت معظم منعرجات وتموجات تاريخ "المغرب المستقل"، مع تسارع في الوتيرة ملحوظ خلال العقدين الأخيرين لاعتبارات ودواعي  يضيق المجال هنا للتفصيل فيها.

وعلى هذا الأساس، فإن حركة 20 فبراير 2011 لم تكن الأولى من نوعها في هذا المضمار، ولا كانت حدثا استثنائيا يكسر القاعدة أو يؤسس للمفروض أن يكون. إنها، دون شك، امتداد لما سبقها من احتجاجات شعبية، كانت تنفجر هنا أو هناك كردة فعل على سلوك من لدن الدولة طائش، أو نتاجا طبيعيا لسياسات عمومية كانت تفتقر، لا بل تشكو خصاصا رهيبا بمقياس مبدأي الإنصاف والعدل. ومع ذلك، فقد كان للحركة -حركة 20 فبراير- ميزات انفردت بها دون ما سبقها من تحركات جماهيرية، أو لنقل كان لها نكهة خاصة لم نعهد مثيلا لها من ذي قبل:

حركة 20 فبراير 2011 لم تكن الأولى من نوعها في هذا المضمار، ولا كانت حدثا استثنائيا، يكسر القاعدة أو يؤسس للمفروض أن يكون، إنها -دون شك- امتداد لما سبقها من احتجاجات شعبية

* فالحركة كانت منذ نشأتها ذات طبيعة شبابية صرفة، لا نكاد نلوي من بين ظهرانيها على شيوخ الأحزاب أو النقابات أو الجمعيات الأهلية، الذين اعتادوا تصيد هكذا مناسبات للظهور بمظهر النضال أو الادعاء بالإحساس بنبض الشارع. هذه الخاصية توحي بتحرر الحركة من أية صبغة أيديولوجية جافة قد تدفع بجهة تصنيفها ضمن هذه الخانة أو تلك. وتوحي أيضا بدرجة متقدمة من الانسجام بين عناصرها المختلفة، العلمانية/الحداثية منها كما ذات المسحة الإسلامية على حد سواء، تماما كما الشأن بحركات تونس ومصر وليبيا، وإلى حد ما اليمن وليبيا، حيث اصطف العلماني إلى جانب الإسلامي، صاحب المطلب العام، كما المتبني للمطالب الفئوية سواء بسواء.

* والحركة تميزت برفعها لمطالب ذات طبيعة شمولية جلية، حتى إن كان سقف المطالب إياها معتدلا و"واقعيا"، أعني أنها لم تذهب لحد المطالبة بتغيير النظام، أو الإشارة بالأصبع إلى رأس ذات النظام، بجهة ضرورة تنحيه عن السلطة، هو ومكونات منظومته.

لذلك، فلم تخرج بيانات الحركة ولا شعاراتها المرفوعة بالشارع، لم تخرج عن المطالبة بإلحاحية سن دستور ديمقراطي يمهد لقيام ملكية برلمانية، كما الشأن بالملكيات في إسبانيا وبريطانيا، ولم تخرج عن المطالبة بإجراء انتخابات حرة، تقطع نهائيا ودون رجعة مع سلوكات التزوير واستصدار رأي الجماهير، مع تأكيدها في الآن ذاته على تشبثها بمتابعة الفاسدين والمفسدين أمام جهاز قضائي طالب المحتجون بأن يكون مستقلا نزيها غير مرتش ومتبرئا من ثقافة الإملاءات والتوصيات، والتي سادت وتسيدت طيلة عقود ما بعد مرحلة خروج المستعمر من البلاد.

ولما كانت الانتفاضات العربية قد بلغت في حينه من القوة عتيا، واستطاعت هنا وهناك دك نظم متجذرة في التسلط والفساد، فقد التقط الملك الإشارة مبكرا وقرأ الرسالة جيدا، فأعلن بخطاب له بداية شهر مارس/آذار 2011، وفي أقل من شهر على انفجار الاحتجاجات، أعلن تفهمه لمطالب الحركة، لدرجة تبنيه لمعظمها في الشكل كما في الجوهر. فبادر إلى إصلاح دستوري "واسع"، قلص بموجبه من صلاحياته الفعلية، وأوكل بعضا منها للحكومة والبعض الآخر للبرلمان، مع التنصيص جهارة على استقلالية القضاء، وسمو مقامه بوجه كل السلطات الأخرى.

كما استتبع ذلك بإجراء انتخابات برلمانية كانت نظيفة وإلى حد بعيد، ترتب عنها فوز حزب سياسي ذي مرجعية إسلامية، هو الذي يقود الحكومة المغربية من تاريخه ولحد الساعة. ويبدو، بهذه الجزئية، أن عمر حكومة حزب العدالة والتنمية "الحاكم" يكاد يكون من عمر الحركة، إذا استثنينا مخاض نتائج الانتخابات و"ماراثون" المشاورات الذي أفضى إلى تكوين الحكومة الجديدة.

اليوم، وبعد مرور عامين على انطلاق حركة 20 فبراير الاحتجاجية، يحق لنا أن نطرح السؤالين التاليين: ما الذي بقي من هذه الحركة؟ وما السر الذي ثوى خلف انحسار مدها وتراجع بريقها لدرجة تبدو اليوم ولكأنها زهرة ذابلة، لا لون لها ولا طعم؟

نزعم أنه لم يبق من حركة 20 فبراير الشيء الكثير، اللهم إلا شعارات هنا وهناك، بهذه المدينة أو تلك، أو استحضارها هنا وهناك، أو الإتيان على تسميتها من باب الذكرى، بهذا الملتقى أو ذاك.

ليس في الأمر تشفيا أو تحاملا على الحركة، فما بالك أن يكون نزوعا ما من لدنا للتقليل مما قدمت، أو لزرع الإحباط في أعضاء منتمين لها، نعرف العديد منهم، ونعرف مدى صدقهم ونزاهة سلوكهم في القول والفعل. لكن قولنا بأنه لم يبق منها الشيء الكثير، إنما حجتنا فيه ثلاثة معطيات لا يمكن للعين أن تخطئها حقيقة على أرض الواقع:

* فالحركة لم يعد لها ذاك الوهج الجماهيري الكبير الذي واكب نشأتها، والانتفاضات العربية على أشدها، بل عرفت تراجعا في مدها، وليونة في شعاراتها، وتواضعا كبيرا في مطالبها. وأستطيع أن أجزم أيضا أن إحياء الحركة لذكرى انطلاقها كان باهتا، وتواجد بعض أعضائها بالشارع لهذه الغاية كان محدودا للغاية، ووجوه من خرج تبدو عليها الخيبة والحسرة، وهي تخترق شارع محمد الخامس بالعاصمة الرباط.. تخترقه غير لاوية على شيء يذكر.
 
لم يعد لحركة 20 فبراير ذاك الوهج الجماهيري الكبير الذي واكب نشأتها، بل عرفت تراجعا في مدها، وليونة في شعاراتها، وتواضعا كبيرا في مطالبها
صحيح أن قوتها ترهلت عندما قرر فصيل معتبر من بين ظهرانيها (شبيبة العدل والإحسان المناهضة الصلبة لنظام الحكم) قرر الانسحاب بناء على حسابات ذاتية صرفة، دع عنك عدم معاضدتها من لدن حزب العدالة والتنمية، لا بل وطعنه لها من الخلف، عندما كان يرتب أوراقه لجني ثمار أينعتها الانتفاضات العربية.

كل هذا صحيح، لكنها مع ذلك لم تستطع توظيف الزخم الشعبي الذي كان من المفروض تجنيده من لدنها، لتحافظ على منسوب توهجها بالفضاء العام، كما بالصحافة المكتوبة وبالفضائيات الأجنبية، في غياب تغطية الإعلام الرسمي، لا بل واستهدافه لها، ونعته إياها بـ"الكتلة الخارجة عن القانون"، أو بـ"الشرذمة التي لا تفقه شيئا"، وقس على ذلك.

* والحركة لم تعد تستقطب متعاطفين جددا معها من هذا الطيف أو ذاك، ولا استطاعت استمالة من تعتبرهم ضحية النظام والمنظومة، بل ارتكنت في خرجاتها إلى ما بقي لديها من رصيد جماهيري يتناقص عدده يوما عن يوم، واقتصرت على ترديد ما سبق من شعارات، دونما قدرة على التجديد في أفق التطور أو التأقلم مع واقع الحال الجديد، على الأقل إلى حين ابتكار أدوات الاحتجاج المناسبة لمواجهة ذات الواقع.

صحيح أنه تم الالتفاف على جزء كبير من مطالبها، من خلال سن دستور جديد، اكتفى بإعادة انتشار بعض الصلاحيات شكليا دون المساس بقلبها الناظم، أي بصلاحيات المتحكم فيها ماديا ورمزيا، ومن خلال النأي بـ"الوجوه الفاسدة" خلف الجدران إلى حين مرور موجة الغضب الجارفة، أو الاحتفاظ بهم بمراكزهم أو بجهات نفوذهم، مع توصيتهم بالانصياع مؤقتا للمجريات، دون إبداء ردود فعل بوجه "ابتزاز" شعارات الحركة، مغبة دفعها لتطرف قد لا تحمد عقباه. هذا صحيح، لكن الحركة مع ذلك لم تجدد خطابها، ولا استطاعت تكوين لوبي ضغط قوي يزحزح موازين القوى، أو يذهب بمطالب الإصلاح مذهبا بعيدا في شكله كما في مضمونه.

* والحركة لم تستطع إفراز زعامات تؤسس لها المرجعية، توضح لها الرؤية، وترسم لها الإطار والآفاق المستقبلية. فهي اشتغلت بالفضاء العام تحديدا، بطرق عفوية، غير محسوبة الخطى، وبنَفَس بدا من أول وهلة أنه لن يستطيع الاستمرار كثيرا.

صحيح أن الحركة "شبابية" بامتياز وغير متمرسة، رفعت شعارات قوية، بعفوية مطلقة، ودونما حسابات كبيرة لردود الفعل، لا سيما من لدن أتباع السلطة (أزلامها بمنطوق الحركة)، وتحديدا من لدن من استهدفتهم الشعارات بالاسم والصفة، بالهتاف ضدهم جهرا وعلانية، كما بتمريغ صورهم على الأرض وحرق بعضها.

هذا صحيح، لكن نقطة ضعف الحركة ربما تمثلت في عدم رفدها من لدن نخب سياسية، ومثقفة تحديدا، تحتكم للتجربة والحنكة في التعامل، تساعدها في بناء الإطار وتجذيره، وفي تحويل الشعارات إلى برنامج عمل ممتد في الزمن والمكان، يضمن للحركة إياها القوة وبعد الاستمرارية، ويضعها بموقع المحاور الأساس الذي لا مندوحة عنه، عندما تضع موازين القوى السلطة وأطيافها في الزاوية.

هذه لربما كلها أسباب ومعطيات أدت بالحركة، حركة 20 فبراير، ليس فقط إلى الانحسار والتقهقر، بل ودفعت بالعديد من مريديها إلى التراجع والتحفظ، لا سيما في ظل مناخ ما بعد "الإصلاحات"، الذي بدت معه السلطة كما لو أنها قد أوفت بما تمت المطالبة به، وأن إمعان الحركة في الخروج المتكرر إلى الشارع لم يعد له من مبرر يذكر، اللهم إلا التجاوز على القانون والنظام العام، المفضيان حتما للمنع ثم المتابعة والعقاب.

مقابل ذلك، ولربما في صلبه، قد يلاحظ المرء (ونحن ضمنهم) أن ثمة أسبابا أخرى، موضوعية إلى حد كبير، جعلت مد الحركة يتراجع، والمتعاطفين معها يتحفظون على الاستمرار تحت معطفها بهذا الشكل أو ذاك:

* فالانتفاضات العربية بتونس ومصر وليبيا، لم تجن الشيء الكثير من "حالات التغيير" التي أدركتها، بل أفرزت، عوض الحرية والديمقراطية الموعودتين، تطاحنات على السلطة، واستقطابات للنخب من حولها أو بالقياس إليها، وتجاذبات، لا بل وتطاحنات بات الكل في ظلها مع الكل ضد الكل.

الانتفاضات العربية اكتفت بتغيير بعض من أوجه النظام ووجوهه، لكنها لم تستطع تغيير أدواته، ولا امتلكت القدرة على تغيير المنظومة، وهو ما أدركته حركة 20 فبراير

ويبدو لنا، بهذه النقطة، أن حركة 20 فبراير، أو جزء كبير من مكوناتها ومريديها، قد أدرك أن الأفضل، والحالة هاته، هو لربما الارتكان إلى حاكم غشوم عوض النبش في إثارة فتنة قد تدوم، ستتطاحن في ظلها لا محالة، المذاهب والطوائف والقبليات والنعرات والإثنيات والأقليات، في عودة للجاهلية لن يسلم منها الأخضر ولا اليابس.

* والانتفاضات العربية اكتفت بتغيير بعض من أوجه النظام ووجوهه، لكنها لم تستطع تغيير أدواته، ولا امتلكت القدرة على تغيير المنظومة في آليات اشتغالها و"ميكانيزمات" فعلها وتفاعلها مع النظم "الجديدة"، أعني تلك التي ترتبت عن الانتفاضات إياها، في شكلها المؤقت (حالة اليمن وتونس وليبيا) كما في الصيغ النهائية التي باتت عليها، كما في حالة مصر.

بهذه الجزئية، يبدو لنا أن حركة 20 فبراير قد أدركت أنه لا يمكنها تغيير منطق اشتغال النظام، فما بالك تغيير آليات اشتغال المنظومة. لذلك، فتراجع توهجها إنما متأت لربما من هذه القناعة، قناعة أن التغيير بالمغرب لا يمكنه أن يسير إلا بالتدرج... أي بالتوافق، وبالتوافق فقط، مع النظام الملكي السائد.

* ثم إن الانتفاضات العربية، بالبحرين وبسوريا، ترهلت إلى حد كبير، وبدا الحاكم بالحالتين معا، ولكأنه غير مجبر على الرحيل، حتى وإن كلف بقاؤه تدمير الأخضر واليابس. وهو لربما ما أدركته الحركة وتداركه المتعاطفون معها.. إنهم أدركوا جيدا أن القطع مع الفساد والإفساد هو من القطع مع سلوك النظام والمنظومة معا. وأن ذلك، وإن كان ممكنا بالسياق العام، فهو مرهق ومكلف بمقياس ما سيؤديه البشر والشجر والحجر، حالا وفي القادم من أيام.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك