أنا باستناك

وأزوق ليلي وأتزوق لأجمل وعد
وأدوب لك في شرباتي شفايف الورد
وأقول لك دوق حلاوة القرب بعد البعد

هذه أبيات على تفعيلة بحر الهزج. وهي -كي يعرف من لم يعرف بعد- تحكي قصة فتاة تنتظر حبيبها. وسنرى الفتاة بعد حين تخاطب مرآتها، وتنظر لنفسها وتحزن على نفسها، ثم يأتي الحبيب وتنتهي القصيدة.

وأرجو من السادة الإسلاميين الذين يسلقون مقالي، عادة، بتعليقات حادة أن يحتملوا هذا مني، فقد طالما احتمل أسلافنا العظام خمريات أبي نواس وغزليات ابن أبي ربيعة. على الأقل اصبروا حتى أتمم فكرتي.

واللهجة المصرية التي كتبت بها تلك القصيدة هي اللهجة العربية الوحيدة التي التزمت بترتيب الصوامت والصوائت على نحو يحول دون التقاء الساكنين، فسلم شعر هذه اللهجة من الانحراف عن ميزان الشعر العربي.

قد انجلى الموقف، وتبين لنا أن المخاض المصري صعب. ذهبت الفورة بسقوط مبارك، ثم سقوط المجلس العسكري. وردد الناس مع الشاعر:
رب يوم بكيت منه فلما، صرت في غيره بكيت عليه

ولو أخذ الشاعر العامي المصري نفسه ببعض الحزم لما خرم من تفعيلات الشعر العربي سبباً ولا وتداً. وليعذرني كل شعب عربي آخر. اللهجة المصرية وحدها هي الملتزمة تماماً بقانون القوانين في نطق العربية: عدم التقاء الساكنين.

قال مرسي جميل عزيز تلك الأبيات في زمن الاسترخاء.. والحضارات تمر بأزمنة استرخاء وأزمنة شد، ولكل منهما دور في مسيرة الأمم.

لن ترى شاعراً مصرياً عاقلاً يقول الآن "شفايف الورد". أقرب منها إلى شفتيه في هذه الأيام الصعبة "هذا أوان الشد فاشتدي زيم"، وزيم هذه (وزان نعم، جمع نعمة) هي فرس الشاعر.

قد انجلى الموقف، وتبين لنا أن المخاض المصري صعب. ذهبت الفورة بسقوط مبارك، ثم سقوط المجلس العسكري. وردد الناس مع الشاعر: "رب يوم بكيت منه فلما، صرت في غيره بكيت عليه". 

وأسرع ضعاف القلوب إلى شتم الربيع العربي كله.

أسرعوا إلى شتمه ليس فقط لأنهم ضعاف قلوب، بل لأنهم أيضاً يريدونه فرّوجاً من فراريج الجنة يسقط بين أيديهم محمراً بين رغيفين.

بل هو ربيع مبارك
عاشت مصر فترة استرخاء حضارية في الثلاثينيات والأربعينيات، ثم جرفت ثورة الضباط الأحرار أجواء "ما احلاها عيشة الفلاح"، وانقضى زمن الباشوية الذي كان الاسترخاء فيه من نصيب 2% من الشعب (مجرد تقدير).

ودخلت مصر التجربة الصناعية، وتحمست للتجربة، وغنى المغنون لناصر حتى بحت حناجرهم. وأصيبت مصر بأمراض البيروقراطية والترهل الوظيفي، واسترخت الطبقة الوسطى، واستمتع بالجو الجديد قطاع واسع من الشعب.

ثم انكسر الزمن الصناعي في مصر لأنه زمن لم يشرك الشعب في القرار، ولأنه تعرض لضغط خارجي كبير، ولأن النقلة من الإقطاع الراكد إلى الصناعة كانت كبيرة. ودخلت مصر في زمن التجارة. وانتعش السماسرة، ولم تتخل مصر عن البيروقراطية.

ولكن الترهل الوظيفي الذي انتفع به الملايين في عهد ناصر لم يعد مغرياً حتى للموظفين الذين أضحت مرتباتهم ضئيلة، وأصر التجار على أن يكون التفاوت في الثروة ضخماً. لم يتركوا للموظف والعامل سوى الفتات.

ثارت مصر على نفسها وعلى زمن التجار، وطلبت التحرر من القطط السمان. وأطاحت الثورة سريعاً بمبارك، وجاءت بعد مخاض صعب بالإخوان، فهل يدرك خيرت الشاطر طبيعة المرحلة المنشودة؟

تشير الأرقام إلى أن متوسط الدخل الفردي في مصر 6600 دولار، وإلى أن المتوسط نفسه في الأردن 5900 دولار (المصدر: ويكيبيديا). فلماذا إذن يهاجر مئات آلاف المصريين للعمل في مطاعم ومزارع الأردن، وكثيرون منهم من حملة الشهادات الجامعية؟ لا أجد تفسيراً لذلك سوى أن توزيع الثروة في مصر مختل اختلالاً كبيراً.

ثارت مصر على نفسها، وعلى زمن التجار، وطلبت التحرر من القطط السمان. وأطاحت الثورة سريعاً بمبارك، وجاءت بعد مخاض صعب بالإخوان المسلمين. فهل يدرك خيرت الشاطر طبيعة المرحلة المنشودة؟ هل يعي أنها مرحلة بناء وتنمية وحرية؟ وهل يدرك الرئيس مرسي أن غضب الشارع له جذور اقتصادية حقيقية، وأنه ليس مجرد فوضى؟ هل يدرك المرشد ذلك؟ هل يدرك البرادعي أن الحرية السياسية واللغط الكثير عن الدستور ليس العقدة الحقيقة؟

ثمة في ثورة مصر المتصلة أكثر من مجرد المطالبة بالحريات السياسية، ورفض الهيمنة. ثمة بحث عن مشروع، الثورة مستمرة وربيع مصر مبارك، ولكن ثمرته ستظل مزة قبل أن يحين أوانها، ولب القضية اقتصادي.

ثلاثية الاقتصاد والتكافل والحرية
لا بد للاقتصاد القوي من أن يكون مقيداً بالضرائب التصاعدية التي تضمن للمجتمع أن يتقاسم اللقمة، حتى وإن بشكل غير متساو، وأن يكون فيه قدر صالح من التكافل. ولكن الأثرياء مسعورون، ولا يرضى الواحد منهم بالمليون الأول، فلا بد من ملايين كثيرة، وبلا نهاية.

والأثرياء يملكون مفاتيح البلد، ويمكنهم ببساطة أن يطيحوا بالتكافل، ويقلبوا البلد إلى مزرعة لهم ولأولادهم. ولا يقدع شهواتهم سوى حرية الشعب في أن يختار حكامه. فالشعب أكبر من الأثرياء، وفي مقدوره أن يشكل عنصر ضبط لغريزة الجشع.

في مصر الآن حرية، ولكن ليس فيها اقتصاد قوي، وليس فيها توجه جاد نحو التكافل، ويعاني حكامها الجدد من أزمة مفاهيم.

فلا تنظير اقتصادياً لديهم، سوى النيات الحسنة؛ لا بل هم ينساقون في طريق العهد البائد، ذلك الطريق الاستثماري العقيم، ولا يرون في ذلك ضيراً. ويعاني الإخوان المسلمون من شهوة التحكم في البلد، هذا التحكم الذي لم يقدروا عليه في العقود السابقة فبقي شهوة في حلوقهم.

جدير بأنصار الدولة المدنية في مصر ألا يصنعوا من حكاية "دين الدولة الإسلام" مسألة كبرى، فماليزيا مثلاً ينص دستورها على أن دين الدولة الإسلام

الثورة المصرية في أول مرحلة من مراحلها، وهي ما تزال تبحث عن مشروع يجمع بين التنمية المستدامة، والتوزيع المعقول للثروة، والحرية.

ولعل عبارة "التوزيع المعقول" عبارة غير علمية، فالمعقول عندك مجحف عند غيرك.

مثل هذا التوزيع تحدده الطرق الأنجع لخلق الثروة، وثمة صراع مستمر بين جشع الميسورين وبين القيد الذي يضعه عليهم المستورون من خلال البرلمان.

والمستورون ليسوا مخربين، وهم لا يريدون للميسورين أن يفتقروا فيغلقوا مصانعهم ومتاجرهم، فهذا يفقد المستورين مصادر رزقهم، وكذلك لا يقبل المستورون أن يكون الميسورون متوحشين في جشعهم فيحرموهم الرغيف.

إن إدارة هذا الصراع بين مراكمة الثروة وما يجره من استمتاع بمباهج الحياة، وبين طريقة توزيع الثروة هي أس ما يسمى بالاقتصاد السياسي. وقد شب الاقتصاد السياسي عن طوق الاشتراكية التي تقول بتوزيع صارم للثروة.

فمثل هذا التوزيع الصارم يفقد الناس الاندفاع للعمل، ويسلم المجتمع إلى الركود الاقتصادي. فأما الرأسمالية فهي ما تزال ناجحة، لكن بشرط، والشرط هو أن تكون مكبوحة بنظام تكافلي يراقبه الشعب من خلال اختياره لنوابه وحكامه.

ومن حسن حظ مصر أن تجربتها مع الاشتراكية والرأسمالية العقيم، وقبلئذ مع الإقطاع، تجربة غنية، وقد نضجت لاستقبال طور التنمية والحرية.

وجدير بحاكم مصر أن يفكر في دنيا مواطنيه لا في آخرته، ألم يكن مهاتير محمد مسلماً صالحاً؟ ولكنه نهض بماليزيا نهوضاً اقتصادياً عظيماً دون أن يفرض التدين على أحد، ودون أن تفوته فرصة الانتفاع بمواطنيه البوذيين والهندوس، ويشكلون أكثر من ثلث السكان، مع تمتعهم بكافة الحريات الوطنية.

وجدير بأنصار الدولة المدنية في مصر ألا يصنعوا من حكاية "دين الدولة الإسلام" مسألة كبرى، فماليزيا مثلاً ينص دستورها على أن دين الدولة الإسلام.

لم يتأهل الإخوان بمصر بعد لطرح مشروع اقتصادي حقيقي، ولم يتأهلوا بعد للانكباب على تحسين دنيا الناس، ولم يتأهلوا بعد للتسليم بأن الحكم تكليف لا تشريف، وأن التكليف من طبيعته أن ينتقل من جهة إلى جهة باختيار الناس.

ولم تتأهل المعارضة المصرية كي تفكر في الاقتصاد تفكيراً بارداً.. لا تزال تائهة في عبارات الدستور، وفي مناكفة الحاكم على الصغائر، واللوم على المعارضة قليل، وعلى الإخوان كثير. فمن طبيعة المعارضة أن تقول، ولها أن تقول ما تقول، ومن واجب الحاكم أن يعمل، وعليه أن يعمل في خدمة مجموع الشعب.      

يتطلع العرب إلى مصر، ويريدونها قاطرة لنهضة كبيرة ينالهم منها رشاش. وعندما تدمع عينا شخص مغربي أو سوداني أو فلسطيني وهو يسمع الشيخ إمام يهدر بأنشودته العظيمة: "يا مصر قومي وشدي الحيل"، فذلك لأن في قلب كل عربي مكانا مخصصا لمصر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك