عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي

 

مصادر التهديد
الحلول السياسية
خارطة للمصالحة والمشاركة

يتناول هذا المقال مسار الانتقال الصعب في مصر بعد شهور من التأزم السياسي واندلاع أعمال العنف في بعض الميادين، وهو يشرح بعض أهم مصادر التهديد ويقدم معالم الحل السياسي المنشود. 

مصادر التهديد
لا أعتقد أن هناك خطورة في مصر من إعادة إنتاج النظام القديم، نظرا لأن "بيئة" و"أدوات" صناعة مستبد جديد غير متوفرة الآن، كما أن الاعتماد على التخويف والأمن في إعادة إنتاج نظام شمولي جديد غير ممكن على الأقل على المديين القصير والمتوسط، اللهم إلا إذا سالت أنهار من الدماء وهذا مستبعد أيضا حسب تقديري.

لكن الخطر يأتي من استخدام البعض هذا الأمر كفزاعة تربط بين الحكم الحالي وبين الاستبداد، دون العمل في الواقع الفعلي على إقامة أحزاب سياسية قوية لها قاعدة شعبية تستطيع منافسة القوة التنظيمية للإخوان والتيار الإسلامي بشكل عام.

تخندق كل فصيل وراء رؤية تفسيرية خاصة به أدى إلى استقطاب حاد بين النخب والقوى السياسية، انتقل مؤخرا إلى الشباب وأصبح هناك حالة من الحراب الأهلي على المستويين اللفظي والفعلي على الأرض

ولا خطر على مصر من السقوط في دولة ثيوقراطية يتحكم فيها المشايخ، لأن التيار العريض في مصر لن يؤيد هذا إذا ما فكّر فصيل ما فيه، فالبلاد تعيش ثورة شعبية انكسرت فيها كل حواجز الصمت والخوف، وليس من السهولة خداع الشعب من جديد. وهناك قاعدة شعبية عريضة لا تصوت بشكل عام للتيار الإسلامي، فضلا عن أن الجزء الأكبر من الناخبين لم يُسيس بعد ولا يذهب لصناديق الانتخاب (نحو 68% من الناخبين حسب آخر استفتاء كان على الدستور منذ نحو شهرين). لكن الخطر يأتي من استخدام هذا في المعارك السياسية لتبرير العجز السياسي، أو الاكتفاء بترديد هذه المخاوف بدلا من العمل في الشارع وتوسيع دائرة الناخبين وحفزهم على المشاركة.

كما أن مصر لا تتعرض لخطر على هُويتها العربية والإسلامية، ولا يمكن تصدير خطاب سياسي قائم على تخويف الناس على هويتهم وتصوير المجال العام على أنه صراع بين الإسلام وأعدائه، وأن وراء كل حزب ليبرالي أو يساري "أتاتوركًا" يسعى إلى "علمنة" البلاد والعباد. لكن الخطر يأتي من استخدام هذا الأمر أيضا كفزاعة لكسب الأنصار وحشد الناس سياسيا وتحقيق مكاسب سياسية، وكبديل لبذل الجهد المطلوب لدمج القاعدة الشعبية العريضة للتيار الإسلامي في حياة سياسية سليمة.

لكن ثمة مصادر أخرى للخطورة، أولها يأتي من عدم قدرة الكثيرين على رؤية الصورة بشكل كامل وقراءة الواقع بكافة أبعاده. فكل فريق يتمحور حول رؤيته التفسيرية الخاصة لما يدور في مصر ويرغب في إخضاع الطرف الآخر له بشكل كامل. ليست كل أفعال وسياسات الرئيس خطأ ومن الخطورة الانقلاب، بعد شهور، على شرعية أول رئيس منتخب بعد الثورة، وتصور أن الانتخابات المبكرة هي الحل.

وفي الجهة الأخرى، انقضى العهد الذي يتم فيه "تجريم" أو "تخوين" كافة المعارضين، أو تصور أنه يمكن قمعهم من جديد. ويجب أن لا يوضع كافة المعارضين في سلة واحدة، فهناك معارضة وطنية لسياسات الرئيس كانت من مؤيدي الرئيس وسببا أساسيا في انتصاره في الانتخابات، وهناك مجموعات شبابية وصلت إلى حالة من اليأس بعد مرور أكثر من عامين على الثورة وهي لا ترى ثمارا لها على أرض الواقع. وهناك قطاع عريض من الجماهير يكاد يثور على الثورة بسبب أنه لا يرى للثورة الأولى أي ثمار، ولم يتم توجيه خطاب سياسي واع لهذه الجماهير ولا تحفيزها للعمل من أجل الثورة ومطالبها.

إن تخندق كل فصيل وراء رؤية تفسيرية خاصة به أدى إلى استقطاب حاد بين النخب والقوى السياسية، انتقل مؤخرا إلى الشباب وأصبح هناك حالة من الحراب الأهلي على المستويين اللفظي والفعلي على الأرض، مما أدى إلى عشرات الضحايا وانسداد أفق الحلول السياسية الجادة.

ويتم هذا كله في بيئة إقليمية ودولية تتوسع فيها دائرة استهداف التغيير في مصر للحيلولة دون أن تقدم مصر نموذجا يحتذى به للتغيير بالمنطقة. فلا شك أن هناك قوى إقليمية ودولية يهمها عدم رؤية تغيير سياسي ناجح وظهور حكومات وطنية في دولة محورية كمصر، لما لهذا من آثار مهمة على موازين القوة في المنطقة والعالم كله. حراب الفصائل السياسية في الداخل يساعد بلا شك في تسهيل مهمة تلك القوى.

الحلول السياسية
لا شك أن مسار الانتقال صار مركبا، وهذا حال الثورات دوما، وبالتالي يجب أن لا يختزل المسار في أنه مؤامرة من أطراف بالداخل والخارج، كما يجب أن لا ينظر إلى الإخوان بمفردهم على أنهم السبب. كل الأطراف أخطأت، وللجميع مخاوف من الجميع، والثورة مستهدفة بالفعل. ولهذا يجب التركيز على الحلول السياسية الممكنة إذا أردنا فعلا أن ننقذ البلاد ونعبر بها إلى بر الأمان. ويجب أن تهتم الحلول السياسية بمحورين، هما معالجة العنف والمصالحة السياسية.

علينا أولا التمييز بين فئات مختلفة تمارس أشكالا مختلفة من العنف، فهناك فئات مأجورة تعمل كأداة في يد القوة المضادة للثورة، ولا يصلح معها إلا سحب أي غطاء سياسي عنها واحتواؤها ومواجهتها بحسم لكن دون تجاوز القانون.

وهذا يتطلب دعم المنظومة التشريعية بقوانين تمكن السلطة من التعامل بفعالية مع الخارجين عن القانون، ويتطلب العمل على إصلاح كافة الأجهزة الأمنية إصلاحا جذريا. هذا بجانب ضرورة إصلاح المنظومة القضائية لتكون مستقلة تماما عن السلطة التنفيذية وتتحول بالفعل إلى أداة للعدالة الناجزة.

يجب التركيز على الحلول السياسية الممكنة إذا أردنا فعلا أن ننقذ البلاد ونعبر بها إلى بر الأمان، ويجب أن تهتم الحلول السياسية بمحورين، هما: معالجة العنف والمصالحة السياسية

وهناك مجموعات شبابية احتجاجية كالألتراس والبلاك بلوك، أثبتت أحداث بورسعيد أنها قادرة على التأثير بطرق غير تقليدية، كقطع الطريق وتعطيل القطارات، ولدى بعضهم أفكار محددة بشأن الثورة وبنية السلطة والدولة. لا يمكن تجاهل هؤلاء أو مواجهتهم أمنيا، ولا بديل عن الحوار وخلق آليات للاستفادة من طاقاتهم والاستفادة من أفكارهم. هؤلاء الشباب ثروة قومية، ومن ثم هناك ضرورة لتعديل الدستور لتغيير نمط ممارسة السلطة وتمكين الشباب وكافة فئات المجتمع من ممارسة السلطة بآليات ديمقراطية تشاركية ومجتمع مدني فعال.

وهناك شباب غاضبون يعبرون عن غضبهم في مجتمع حرمهم من أبسط متطلبات الحياة. هؤلاء قد يكونون، كما كتبت من قبل، نواة لغضبة حشود أخرى من المهمشين الذين لم تتحسن أوضاعهم بعد الثورة، ويشهدون كل يوم معارك سياسية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

أوضاع هؤلاء لا بد أن تكون على رأس أولويات أي حكومة، ففي بلد فيه نحو 1200 عشوائية بعدد سكان يتجاوز 12 مليونا حسب مصادر مختلفة، يجب أن تكون هناك وزارة أو مجلس أعلى للمهمشين والعشوائيات حتى يتم القضاء تدريجيا على هذه المشكلة، ويتحول هؤلاء الناس من محرومين إلى مواطنين مشاركين في البناء. إنهم أيضاً ثروة قومية.

خارطة للمصالحة والمشاركة
أما الحلول السياسية، فلا بد أن تنطلق من فرضيتين أساسيتين، الأولى اقتناع القوى السياسية الحاكمة والمعارضة بأن المباراة ليست صفرية، وأنه لا يمكن لفريق القضاء على الآخر. والثانية اقتناع الرئيس بأن مواجهة المؤامرة تبدأ بتقوية السلطة بالشعب وتوسيع قاعدة التحالفات والاستماع إلى الخبراء وليس العكس.

ففي المراحل الانتقالية في حالات الانتقال الناجحة كان من الضروري المشاركة في السلطة وتحمل الجميع مسؤوليات إدارة مرحلة الانتقال وبناء المؤسسات. أما في الحالات الفاشلة فكان من أهم أسباب الفشل انقسام القوى السياسية وتنافسها على الغنائم قبل الانتهاء من البناء.

لا حل في اعتقادي إلا بما كان يجب فعله يوم 12 فبراير/شباط 2011: مصالحة وطنية شاملة تخرج عنها وثيقة مكتوبة يوقع عليها الجميع، وتتضمن خارطة طريق محددة تتضمن ما يلي:

أولا: توقف كل فصيل عن ادعاء احتكار الحكمة والفهم والوطنية، وقيامه بتقديم الأجندة الوطنية على أجندته الحزبية، وإدانته العنف بجميع أشكاله. بجانب تنقية خطاب كل فريق من العبارات التي لا تتفق مع متطلبات مرحلة البناء مثل "الاحتكام إلى الأوزان النسبية"، "إسقاط النظام والرئيس المنتخب"، "الديمقراطية مجرد صندوق الانتخابات"، "الاستقواء بالخارج أو بالجيش"، وغير ذلك.

ثانيا: إقرار مبدأ المشاركة وليس التنافس، أي مشاركة الجميع في تحمل العبء ومواجهة القوى المعادية للثورة، وذلك بتشكيل حكومة موسعة برئاسة شخصية من خارج التيار الإسلامي بجانب الرئيس الحالي، على أن تُمثل فيها جميع التيارات المختلفة أو من ترشحهم هذه التيارات. وعلى أن تشرع الحكومة فورا في إنقاذ الاقتصاد وإعادة هيكلة جهاز الشرطة، وإصلاح مؤسسة القضاء ووضع نظام فعال للعدالة الانتقالية.

ثالثا: تشكيل فريق عمل من خبراء النظم السياسية والدستورية للنظر في تعديل الدستور، على أن تتضمن التعديلات القضايا التي أثارتها القوى السياسية في السابق بجانب إضافة بنود جديدة تعكس المضامين الاجتماعية والاقتصادية للديمقراطية المنشودة، بغرض تحقيق العدالة الاجتماعية ومعالجة الفروقات الطبقية وخدمة قضايا المهمشين والفقراء. بجانب الاهتمام بإضافة بنود جديدة تحفز الناس على احترام حكم القانون وتفعيل دولة المؤسسات وتقوية الأحزاب ودفعها للتوافق وخدمة الصالح العام.

وهناك حاجة إلى أن تتضمن التعديلات الدستورية بندا ينص على أن تكون أول حكومة بعد الانتخابات القادمة حكومة وطنية موسعة طوال مدة عمل مجلس النواب الذي هو مجلس تأسيسي لمرحلة بناء وتأسيس، كما حدث في أول انتخابات بجنوب أفريقيا بعد التحول الديمقراطي مطلع التسعينيات. فمن سنن الانتقال الديمقراطي الناجح أنه يجب أن لا يسود منطق "سلطة ومعارضة" في مرحلة الانتقال وإنما المشاركة في السلطة والتوافق.

رابعا: الكف عن تسييس ما لا يجب تسييسه (الجيش والشرطة والقضاء والإعلام والجهاز الإداري للدولة)، وتشكيل فرق عمل من الخبراء لإعادة بناء كافة مؤسسات الدولة على أسس وطنية ومهنية تماما، وعدم تسييس هذا الأمر، وذلك حتى يشعر المواطن بالأمل في الانتماء إلى دولة عصرية مختلفة تماما عمّا كان سائدا ويستطيع المشاركة في البناء.

الحلول السياسية لا بد أن تنطلق من فرضيتين أساسيتين: الأولى اقتناع السلطة  والمعارضة بأن المباراة ليست صفرية، والثانية اقتناع الرئيس بأن مواجهة المؤامرة تبدأ بتقوية السلطة بالشعب

خامسا: تشكيل فريق لفتح حوار حقيقي مع كل المجموعات الشبابية بهدف الاستماع لهم أولا ثم إيجاد آليات فعالة لدمجهم وتمكينهم من المشاركة والبناء. إن استمرار تجاهل الشباب أو الاستهانة بمطالبهم لن يؤدي إلا إلى تصاعد حركات الاحتجاج وعرقلة كل محاولات البناء.

سادسا: وضع خطة إعلامية وتثقيفية وتعليمية على أسس علمية وبأهداف محددة، تزرع الأمل والوعي في نفوس الناس، وتحضهم على العمل والمشاركة، وتحدد لهم مخاطر الانتقال ومعالم خارطة الطريق ومستقبل البلاد، وتوضح لهم أيضا الملفات التي ستحتاج إلى فترات زمنية ممتدة حتى تتم معالجتها. هذا أمر في غاية الأهمية بالنظر إلى حالة اليأس والإحباط لدى قطاعات كبيرة من الشعب جراء الفشل في معالجة الملفات التي تمس حياة الناس. طاقات الناس إما أن تستثمر لدعم الانتقال والبناء وإما تترك فتصبح عقبة في حد ذاتها.

برغم صعوبة الحلول السياسية بعد تعقد الأمور على الأرض، لكن يجب أن لا يُتَوقف عن محاولة الوصول إليها. وعلى الجميع التفكير جيدا في أن الفشل في الوصول إلى هذه الحلول، لا قدر الله، يعنى تطور الأمور والوصول لنهايات قد تكون سيئة للغاية. هناك سنن كونية تمتلئ بها كتب التحول الديمقراطي ويجب أن لا يُستَخفَّ بها، والمقدمات الحالية تفتح الباب لكل السيناريوهات.

المصدر : الجزيرة

التعليقات