عبد الله الأشعل

عبد الله الأشعل

أستاذ القانون الدولي

ترددت في الآونة الأخيرة تصريحات لقيادات أمنية وعسكرية تهدف إلى تبديد مخاوف الشعب من الماضي القريب عندما كانت السلطة تبطش بالشعب عن طريق الشرطة بينما الجيش في حرج بين السلطة الباطشة والشعب الضحية، ولذلك عندما واتته الفرصة للتعبير عن نفسه فإنه تقدم لحماية الثورة وضبط الأمن في وقت سقط فيه النظام وانكسرت الشرطة وانفتحت السجون -أو فتحت- وانطلق المجرمون يهددون المواطنين في غيبة الشرطة التي كانت أداة طيعة في يد الحاكم، الذى كان يتحصن بالشرعية الزائفة مما أحرج الشرطة أيضاً وصار الجيش والشرطة والشعب ضحية السلطة الباطشة.

وهذا درس بالغ الأهمية وهو أن السلطة هي التي تستطيع أن تحقق الانسجام بين هذه الأطراف الثلاثة وتجعل كل هذه الأطراف في خندق واحد وراءها لخدمة الاستقرار والتنمية والانسجام الاجتماعي والأمن القومي خصوصاً بعد ثورة نادرة في التاريخ وشعب يبحث عن بناء دولة جديدة ومجتمع صحي ونظام سياسي فعال.

الصراع السياسي بين الرئيس والمعارضة سوف يحدث عطلاً وتدهوراً في الأوضاع الأمنية والاقتصادية بصرف النظر عن سبب تخبط السلطة أو توحش المعارضة

في هذه الظروف اشتد الصراع السياسي بين الرئيس والمعارضة مما يحدث عطلاً وتدهوراً في الأوضاع الأمنية والاقتصادية بصرف النظر عن سبب تخبط السلطة أو توحش المعارضة، وهي علاقة معقدة جعلت الرئيس المنتخب غير قادر على تحقيق أهدافه، والشعب من وراء الطرفين يرقب ويحكم ولكنه يعاني من هذا التدهور ويخشى على وطنه من المخاطر والمؤامرات التي تحتاج إلى مهارة في المعالجة.

هذا المناخ دفع القيادات العسكرية والأمنية إلى القلق وألقى عليها أعباء كبيرة لأن الجيش والشرطة هما الضامنان لأمن الوطن والمحافظة على كيانه.

والمؤلم أن الصراع تحول إلى مواجهة، وتخشى الشرطة أن تكون طرفاً فيها فتتهم من الشعب والرئيس -بسهولة- بانتهاك حقوق الإنسان، ولذلك فإن الشرطة ترى أن الصراع سياسي ولا تريد أن ترى أن هناك عدواناً على مؤسسات الدولة لا يمكن تبريره بأي مبرر حتى لو كان الرئيس في نظر المعارضة عاجزا عن تحقيق مطالب الوطن.

وقد زاد من قلق الشرطة هذا الكم من العنف الذي اختلط في مشهده عناصر ثورية وعناصر إجرامية مع تواتر الحديث عن مؤامرة وأموال تغذي المؤامرة لإسقاط النظام وإذكاء حملة الكراهية والشيطنة ضد الإخوان المسلمين والاستخفاف بالرئيس الذي ترى المعارضة أنه يواجه عدم اليقين في استخدام الجيش والشرطة، كما يواجه معارك لا مبرر لها مع القضاء خاصة بعد حكم محكمة الاستئناف بشأن النائب العام القديم والجديد، وكلها قضايا في نظر الكثيرين تمت إدارتها مثل ملفات أخرى بدرجة عالية من عدم التوفيق.

صحيح أن المعارضة تتجاوز وتربك الرئيس، ولكن الصحيح أيضاً هو أن السلطة السياسية يجب أن تدرك كل ذلك وتتأهب له. وقد ظهرت خلال العام الماضي بعض المواقف سواء حقيقية أو مختلقة تؤدي إلى النيل من العلاقة بين الجيش والرئيس، ثم دخلت المخابرات -أو أدخلت- على الخط بتصريحات غير مسؤولة، وكل ذلك يحمل على الرئيس وتستغله أوساط معارضة وإعلامية بشكل متعمد لخلق بيئة سامة تخدم النتيجة المرجوة وهي زعزعة استقرار مصر وإرباك النظام وصرفه عن غايته.

ومؤدى تصريحات الجيش والشرطة هو أنهما على مسافة واحدة من السلطة والمعارضة وأنهما ينحازان إلى الشعب. هذا الموقف يعكس عدم اليقين في صدد علاقة السلطة بالشعب، وتخشى هذه القيادات أن تكون المسافة بينهما كما تصورها المعارضة، فاختارت هذه القيادات أن تقف مع الشعب وعلى مسافات واحدة من السلطة والمعارضة.

طائفة من محترفي الإجرام على يقين بأن الجيش والشرطة لا يوفران الردع لأي أعمال غير مشروعة تقوم بها، وبالتالي من أمِن العقاب أساء الأدب

هذا الموقف لا يثق بأن السلطة تمثل الشعب، كما أنه لا يثق بأن المعارضة هي التي تمثل الشعب، ولكن الصحيح هو أنه يجب أن تكون السلطة والمعارضة من مكونات النظام السياسي الذي يدعمه الشعب.

ولعل هذا التحليل هو الذي يدفع الناس إلى القلق، كما يدفع طائفة من محترفي الإجرام إلى الظهور على قاعدة أن من أمِن العقاب أساء الأدب، وهي على يقين في هذه الظروف من أن الجيش والشرطة لا يوفران الردع لأي أعمال غير مشروعة تقوم بها، وأصبح الشعب منكشفاً، وهذا هو المناخ المثالي للقلق الشعبي والضيق من السلطة والمعارضة معاً، ومحاولة البحث عن بدائل أمنية واستعدادها أن تقبل مادامت ترفضه، فطُرحت في هذه المساحة أفكار صارت محل جدل في الشارع المصري مثل: هل تحل اللجان الشعبية محل الشرطة؟ وهو أمر رفضته الشرطة، وعليها مقابل ذلك أن توفر الأمن للناس مما لا صلة له بالصراع السياسي بين السلطة والمعارضة.

كذلك تم الدس تأثراً بتصريحات غير مسؤولة بنية البعض تشكيل مليشيات استعداداً للخطر، وتم التدليس على الناس ولعب الإعلام دوراً حاسماً فيه، ويبدو أن هناك جهازاً منظماً يدير معركة عدم الاستقرار في مصر ويساعده على ذلك أخطاء السلطة، وأصبحت السلطة غاضبة ولكنها غير قادرة على احتواء المواقف والتمكن من أدوات السلطة.

في ظل هذه الظروف أيضا تجادل الناس حول تدخل الجيش لإقرار الأمن حتى يزدهر الاقتصاد، وتحفظ البعض بأن الجيش إذا نزل فإنه سيحكم أو يمارس السلطة في المساحات المهجورة من جانب الحاكم، ومما يغذي هذا الجدل تصريحات وزير الدفاع التي تفهم بطرق مختلفة عند كل فريق، ولكن الثابت أن الجيش يجب ألا يسمح بانهيار الدولة، ولكن المشكلة في من يقدر توفر شروط هذا التدخل وشكله وتوقيته.

والحق أن الناس تريد أن تطمئن إلى أنه ما لم تتمكن السلطة من احتواء الموقف وتأمين الوطن والمواطنين فإن عجزها عن تحقيق ذلك لا يمكن تبريره مهما كانت أسبابه، ولابد من قبول تدخل الجيش لملء الفراغ السياسي في الساحة دون الاستغناء عن الشرطة، ولكن نزول الجيش إلى الشارع سوف يفسر على أنه انقلاب عسكري على الرئيس المنتخب، ولن يقبل العالم كله الاعتراف بحكومة من هذا النوع حتى لو طالبت بها الملايين لأن هناك فرقا حاسماً بين دور المجلس العسكري بعد الثورة مباشرة وأي دور له في الأزمة الراهنة.

ونحن ندرك أن الصورة التي رسمتها تبعث هي الأخرى على القلق من صعوبة إيجاد مخرج لهذه الحالة، ولكن يبدو لي أننا لابد أن نصر على النظرية التقليدية وهي أن الشعب قد انتخب الرئيس وأقر الدستور، وأن الرئيس لم يتمكن من العمل بحرية حتى تتكشف إنجازاته أو أخطاؤه، ولذلك يجب أن تحمي الشرطة والجيش الدولة ومؤسساتها بما في ذلك مؤسسة الرئاسة من العبث والعدوان عليها وكذلك مقرات الأحزاب والجمعيات والصحف والمباني العامة والخاصة، وليس من حق أحد أن يعتدي على كل هذه الأهداف حتى لو رفع شعار المعارضة, لأن الجيش والشرطة في هذه الحالة يدعمان خيار الشعب المصري، ولا يجوز أن يوسوس الشيطان عندهما في هذه المساحة المفتعلة بين الشعب والسلطة، ومقابل ذلك على السلطة أن تحسن الأداء حتى لا تحرج الجيش والشرطة بأخطاء لا مبرر لها.

إذا كانت المعارضة تريد مصلحة الوطن فلتجتهد في تقديم الصيغة المطلوبة حتى لا تتهم بأنها تسعى إلى اغتصاب السلطة عن طريق تضليل الشارع وتحدي إرادة الأمة

نحن نصر على أن هذه الثوابت هي أسس الشرعية الدستورية، وتستطيع السلطة أن تكتسب الطبقة الضرورية المكملة لهذه الشرعية وهي الشرعية السياسية أي الفاعلية في الأداء، وتمكين كل الأكفاء من خدمة وطنهم، ولا يجوز أن تنفرد قوة سياسية وحدها بحمل هذا العبء أو احتكار هذا الشرف، ولذلك لا مفر من أن تجمع السلطة بين الشرعية الدستورية والشرعية السياسية حتى تنسجم العلاقة بينها وبين الشعب ويتفرغ الجيش والشرطة لمهامهما المقدسة.

ولابد أن تبحث السلطة مع عقلاء هذا الوطن عن صيغة تحقق ذلك لأن بناء الوطن ومصر الجديدة مسؤولية الجميع، وإذا كانت المعارضة تريد مصلحة الوطن فلتجتهد في تقديم الصيغة المطلوبة حتى لا تتهم بأنها تسعى إلى اغتصاب السلطة عن طريق تضليل الشارع وتحدي إرادة الأمة التي اختارت الرئيس بقطع النظر عن حبها أو كرهها له.

كما يجب على الإعلام أن يدرك أن إسهامه في البحث عن هذه الصيغة أجدى من اجتهاده في الاستخفاف بالرئيس ورموز السلطة، فتلك سلوكيات تبعده عن المهنية وتمس رموز الوطن الذين يحتلون هذه المناصب العامة، وأن يفرق الإعلام بشجاعة بين النقد البناء وبين السخرية البلهاء التي تنال من مهنية الإعلام وسمعة الإعلاميين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك