منير شفيق

منير شفيق

 

خلال شهر واحد زار وزير الخارجية الأميركية جون كيري الكيان الصهيوني وسلطة رام الله ثلاث مرّات. وقد اعتبر الكثيرون ذلك دليلاً على تصميم أميركي لإيجاد حل ما بين حكومة نتنياهو وسلطة رام الله. فراحت تنتشر تصريحات ومعلومات وتسريبات عن شروط وضعها كل من نتنياهو وعباس لإطلاق المفاوضات بينهما.

كثرت التكهنات عن الهدف الأميركي من وراء هذا الاهتمام المفاجئ بإيجاد ذلك الحل. فقد اعتكفت إدارة أوباما منذ سبتمبر/أيلول 2010 عن مثل هذا المسعى، وذلك بعد الفشل الذريع للمساعي التي بذلها الرئيس الأميركي باراك أوباما ومبعوثه جورج ميتشل لإيجاد تسوية ما، كانت في حينه على رأس أولويات الإستراتيجية الأميركية في العهد الأول لولاية أوباما.

الهدف من وراء اهتمام أميركا بالموضوع الفلسطيني، إلى جانب استعادة العلاقات بين أردوغان ونتنياهو، يرجع إلى رغبة واشنطن في ترتيب أوراقها في المنطقة ضمن إستراتيجية جديدة

أكثر التحليلات السياسية اتجهت إلى توقع إعطاء إدارة أوباما في عهده الثاني الأولوية في إستراتيجيتها الجديدة للمحيط الهادئ، كما سبق أن أعلنت قبل سنتين. وقد تناقض هذا نسبياً، أو مؤقتاً، مع تخصيص أول زيارة له خارج الولايات المتحدة، بعد نجاحه الثاني في الانتخابات الرئاسية، إلى الكيان الصهيوني ورام الله وبيت لحم وعمان مستثنياً مصر. ثم تتالت زيارات وزير خارجيته مع الإعلان عن اهتمام خاص بإطلاق مفاوضات التسوية من جديد.

البعض اعتبر أن الهدف الأميركي وراء هذا الاهتمام بالموضوع الفلسطيني، إلى جانب استعادة العلاقات بين أردوغان ونتنياهو من خلال اعتذار الأخير في أثناء زيارة أوباما، يرجع إلى الأزمة السورية والصراع مع إيران، أو بكلمة أخرى لترتيب أوراق أميركا في المنطقة ضمن إستراتيجية جديدة.

مشكلة هذا التقدير للموقف يرجع إلى تعداد عوامل تشغل الإدارة الأميركية في تفسير الهدف من الزيارة. ولكن دون تحديد العامل الأول الأكثر أهمية في المرحلة الراهنة. 

صحيح أن ثمة مجموعة قضايا ستُبحث في هذه الزيارات أو بكلمات أخرى محاولة تحقيق أكثر من هدف. وهذا ما ينطبق على أغلب التحركات السياسية. ولكن هذا المنهج لا يلتقط الهدف الرئيسي من هذه التحركات حين يعدّد عدّة أهداف ويضعها على قدم المساواة من الأهمية. ذلك لأن في كل تحرك سياسي ثمة هدفاً أول له، ثم تأتي، ثانياً، وثالثاً، الأهداف الأخرى والتي لا بدّ بدورها من أن تُبحَث أو يُصار إلى التطرّق لها. 

إن الدافع الأول للحراك الأميركي باتجاه الكيان الصهيوني وسلطة رام الله يكمن في الخشية من اندلاع انتفاضة في الضفة الغربية. فمؤشرات انفجار الوضع في الضفة الغربية باتجاه انتفاضة ثالثة راحت تتدافع ولا سيما ابتداء من حرب الثمانية أيام، إذ راحت نواة انتفاضة تنمو في التضامن مع المقاومة في قطاع غزة. وقد أسهم ذلك، إلى جانب عوامل أخرى، بطلب أوباما ونتنياهو وقف إطلاق النار طوال السبعة أيام التي تلت يوم اغتيال الشهيد القائد أحمد الجعبري وشنّ غارات استهدفت مواقع صواريخ.

وكان من المؤشرات ردود الفعل الشعبية الغاضبة في الضفة الغربية تضامناً مع إضرابات الأمعاء الخاوية، ثم مع استشهاد عرفات جرادات تحت التعذيب، ثم جاء المؤشر الأشدّ دلالة بعد استشهاد القائد الميداني الأسير ميسرة أبو حمدية أبو سنينة في السجن وهو مكبّل اليدين والقدمين. فعلى الرغم من أن هذا المؤشر حدث مؤخراً فإنه جاء تأكيداً على المخاوف الكثيرة التي عبّر عنها عدّة كتاب وسياسيين صهاينة من احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية.

لم يكن بلا مغزى إسراع إدارة أوباما للضغط على نتنياهو للإفراج عن أموال الضرائب المحتجزة لدى حكومة نتنياهو، مما فاقم من أزمة سلطة رام الله، وراح يصبّ الزيت في مصلحة المؤشرات المتجهّة نحو الانتفاضة.

الوضع الأميركي لإدارة أوباما والوضع الراهن لحكومة نتنياهو لا يسمحان، بسبب ما نَشأَ من ميزان قوى فلسطيني وعربي وإسلامي وعالمي، بمواجهة انتفاضة ثالثة

الوضع الأميركي لإدارة أوباما والوضع الراهن لحكومة نتنياهو لا يسمحان، بسبب ما نَشأَ من ميزان قوى فلسطيني وعربي وإسلامي وعالمي، بمواجهة انتفاضة ثالثة، كما كان الحال بمواجهة الانتفاضتين الأولى والثانية. فالوضع العالمي للرأي العام العالمي أصبح الآن حساساً جداً ضدّ جرائم الكيان الصهيوني وفي مصلحة الشعب الفلسطيني. وإدارة أوباما تعاني على المستوى الدولي منافسة روسية وصينية وفقداناً للمبادرة والسيطرة، فضلاً عن الأزمة المالية الداخلية وبروز منافسين اقتصاديين كبار كالهند والصين والبرازيل ودول أخرى.

وإدارة أوباما تعاني من ارتباك عام في تحديد أولويات إستراتيجيتها، بل ارتباك على مستوى كل قضية من القضايا التي تواجهها.

باختصار، ميزان القوى العالمي وما حدث من متغيّرات في ميزان القوى العربي والإقليمي بعد فشل إدارة جورج بوش الابن أمام المقاومة والممانعة في العشرية الأولى من القرن الحالي، وبعد انهيار محور الاعتدال العربي من خلال الثورات العربية، وأضف بروز عمالقة دوليين منافسين لأميركا، كل ذلك لا يسمح لإدارة أوباما ولحكومة نتنياهو (التي تعاني من تصلّب الشرايين وفقدان العقلانية) بأن يحتملا انتفاضة مصمّمة حازمة لا تتوقف قبل تحقيق أهدافها.

ولنتذكر أنهما لم يحتملا حرباً أكثر من سبعة أيام مما فرض عليهما الرضوخ لشروطها التي أعلنها خالد مشعل ورمضان شلح في مؤتمر صحفي مشترك.

من هنا يمكن القطع بأن الهدف الأول والرئيسي وراء الاهتمام الأميركي الطارئ بالموضوع الفلسطيني هو الحؤول دون تدهور الصراع في الضفة الغربية باتجاه انتفاضة. وهذا هدف مطلوب لذاته أكثر مما هو مطلوب لخدمة أهداف أميركية أخرى في المنطقة أو خارجها. وذلك لأن الانتفاضة آخذة باستكمال شروط اندلاعها، الأمر الذي سيضع أميركا والكيان الصهيوني أمام مخنق لا قِبَلَ لهما عليه.

فالحراك الأميركي هو في الدفاع في محاولة لإنقاذ الموقف. وإلاّ لما انشغل أوباما وكيري في مسعى أقرب للفشل منه للنجاح وقد انطبق عليهما المثل: "سألوه ما الذي يرضيك بالمر قال الأَمَرّ منه".

يجب أن يُضاف عند التشديد على أن من واجب الطرف الآخر (الشعب الفلسطيني ابتداءً من جماهير الضفة الغربية) أن يدرك أهمية السعي السريع إلى الانتفاضة وعدم السماح بتمييع الوضع، فشروطها متوفرّة وقد زادت قوّة مع انقسام رأسَيْ السلطة في رام الله وتعاظم الضغوط لإلغاء الاتفاق الأمني ووقف حراسة الأجهزة الأمنية للاحتلال والمستوطنين حين تقف حائلاً بين شباب الضفة الغربية وشاباتها ودحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات واستنقاذ القدس والمسجد الأقصى والإصرار على تحرير الأسرى.

لم يسبق أن مرّت موازين قوى دولية وإقليمية ورأي عام عالمي وإسلامي وعربي بمثل ما يحدث الآن من توفرّ شروط انتصار انتفاضة شعبية بتحقيق أهدافها ببضعة أشهر أو أكثر قليلاً. وذلك إذا توفرّ التصميم لجعلها طويلة الأمد وغير قابلة للمساومة أو التفاوض.

فالعدو الصهيوني ينسحب بلا قيد أو شرط إذا ما وُضِعَ في الزاوية وأصبحت خسائره المعنوية والسياسية أكبر من عناده وصلفه، وفقد الأمل في المناورة من خلال المفاوضات وتمييع المواقف، إذ يجب أن يتيقن أن الانتفاضة ستكون طويلة الأمد، وعندئذ ستكون دانية القطاف سريعة الانتصار.

إن من أهم عوامل الضغط على الكيان الصهيوني أن يتشكل رأي عام عالمي ضدّه، مما يؤثر على الرأي العام اليهودي داخله فيضغط على حكام الكيان الصهيوني ليخلصهم من ضغط رأي عام يعيشون بين ظهرانيْه.

فعلى سبيل المثال عندما حدثت هذه المعادلة في الانتفاضة الثانية حيث أظهر استطلاع للرأي العام الأوروبي أجراه الاتحاد الأوروبي أن 59% من الرأي العام الأوروبي يعتبر إسرائيل أخطر دولة على السلام العالمي. فالضغط جاء من أنصار الكيان الصهيوني فاضطُرّ إلى الانسحاب من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات بلا قيد أو شرط من أجل إنهاء الانتفاضة.

موازين القوى والمناخ العالمي والحالة العامّة للشعوب في هذه المرحلة أكثر مؤاتاة في مصلحة الشعب الفلسطيني وأشدّ اختلالاً في غير مصلحة الكيان الصهيوني.

أميركا وأوروبا أصبحتا أكثر هشاشة من احتمال رأي عام فلسطيني وعربي وإسلامي يقف إلى جانب انتفاضة فلسطينية ثالثة

هذا ويمكن أن يُضاف أن أميركا وأوروبا أصبحتا أكثر هشاشة من احتمال رأي عام فلسطيني وعربي وإسلامي يقف إلى جانب انتفاضة فلسطينية ثالثة. وقد لعبت هذه الظاهرة دورها في حرب الثمانية أيام في قطاع غزة ولا سيما عندما اضطرت الجامعة العربية لإرسال وفد إلى قطاع غزة وهو تحت القصف تضامناً عملياً مع المقاومة. فقد أصبح للرأي العام العربي وزنه على حكامه وأيضا على الغرب.

وبكلمة، الدعوة إلى الانتفاضة الثالثة وإغلاق الأبواب وإحكامها في وجه أية مساومة أو تفاوض، مع الإعلان الحازم أنها لن تتوقف قبل تحرير كل الأسرى ودحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات من الضفة الغربية ولا سيما من القدس.

ومن ثم التأكيد: "لكل حادث حديث" لأن الموضوع الفلسطيني يجب أن يبقى مفتوحاً على حق العودة والتحرير الكامل لفلسطين من النهر إلى البحر ومن الناقورة إلى رفح. 

بلى، المهم الآن، تحقيق الأهداف الأربعة. ومن ثم لكل حادث حديث. المهم الآن أن نذهب إلى انتفاضة عض الأصابع وسنرى من سيصرخ أولاً. فخوفاً من هذا جاء كيري.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك