خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري

 

مخاوف متبادلة
إمكانية التحالف

منذ بدء الجيش الحر عملياته العسكرية ضد النظام السوري، ثمة مخاوف متبادلة بينه وبين الأكراد وتحديدا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي نجح في بسط سيطرته على معظم المناطق ذات الغالبية الكردية الممتدة من عفرين شمالا إلى نهر دجلة في أقصى الشرق، وهو يعد عمليا الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني.

مخاوف متبادلة
هذه الخشية المتبادلة لها أسباب كثيرة تتجاوز المعادلة الداخلية السورية، فالأكراد عموما ولاسيما حزب الاتحاد الديمقراطي يعتقدون بأن الجيش الحر الذي يتلقى أشكال الدعم من تركيا له أجندة بفعل التأثير التركي، من بينها إقصاء المكون الكردي في سوريا المستقبل لصالح بعد أيدولوجي له علاقة بالسياسة الإقليمية لتركيا وخوف الأخيرة من تطورات القضية الكردية في المنطقة.

تفجر المواجهة بين الجيش الحر والأكراد في رأس العين واحتمال امتدادها إلى مناطق أخرى, وضع الجانبين أمام امتحان العلاقة وشكلها

في المقابل يعتقد الجيش الحر -ومعه الكتائب المسلحة التابعة لجبهة النصرة- بأن ثمة تحالفا غير معلن بين النظام السوري وحزب الاتحاد، وأن الأخير يُستخدم كورقة في الصراع الجاري لتعويم الأزمة السورية جغرافيا، وتحديدا تجاه تركيا التي هي في حرب غير معلنة مع النظام السوري، بعدما وصلت العلاقات بينهما إلى قطيعة لا رجعة عنها كما يقول المسؤولون الأتراك.

هذه الخشية المتبادلة تحولت قبل أشهر إلى حالة من الصدام والمواجهة العسكرية على الأرض في مدينة رأس العين (سري كانيه باللغة الكردية) وسكانها خليط من العرب والكرد والآشور والشيشان.. إلخ، عندما حاولت كتائب مسلحة من الجيش الحر وجبهة النصرة السيطرة على المدينة.
 
وقد بررت هذه الكتائب هجومها على المدينة بأن هذه المنطقة جزء من سوريا مثل باقي المناطق الأخرى، وبالتالي فمن حقها السيطرة عليها، بينما يرى الأكراد أن هذه المنطقة وغيرها من المناطق الكردية باتت محررة وليس فيها وجود عسكري للنظام، فلماذا الهجوم عليها؟ ولماذا الإصرار على عسكرة المناطق الشمالية الشرقية التي تتواجد فيها أغلبية كردية؟ حيث تزداد المخاوف الكردية من أن تؤدي سيطرة الكتائب المسلحة على هذه المناطق إلى قصفها من قبل النظام وتعرضها للتدمير بعدما كانت تعيش بعيدا نسبيا عن حدة المواجهات العسكرية، ولجأ إليها عشرات الآلاف من النازحين من مختلف المناطق السورية ولاسيما من محافظات دير الزور وحلب وحمص وإدلب.

في الواقع، إذا كانت معركة رأس العين بمثابة الصدمة بين الجانبين، فإنها دفعت بالأكراد إلى حالة من رص الصفوف والتعبئة العسكرية والعمل على تشكيل جيش كردي موحد في المناطق الكردية التي تسيطر عليها اللجان الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي حقق من وراء هذه المعركة المزيد من الشرعية في الشارع الكردي، في مواجهة أحزاب المجلس الوطني التي شكلت مع حزب الاتحاد الهيئة الكردية العليا في أربيل برعاية شخصية من رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، فكتائب الجيش الحر وجبهة النصرة بدت في نظر الأكراد مجموعات إسلامية وعروبية وقبائلية لا تؤمن بحقوق الأقليات والطوائف.

في المقابل وجد الجيش الحر في الاستماتة الكردية في الدفاع عن الخصوصية القومية، فارقا في علاقتهم بكل من النظام والقوى المطالبة بإسقاطه من جهة، ومن جهة ثانية بأولوياتهم وقضية تأرجحهم بين الهوية الوطنية السورية وحقوقهم القومية التي قد تصل إلى حد المطالبة بنوع من الحكم الذاتي، حيث تكتسب المناطق الكردية أهمية خاصة نظرا لاستحواذها على ثروات إستراتيجية مثل النفط والغاز والقطن، وهذه الثروات في نظر الجيش الحر تعد مالا وسلاحا بينما هي لدى الأكراد تأكيد للنزعة القومية وما يترتب على ذلك من إدارة واقتصاد ومجتمع وحكم محلي.

اتفاق التهدئة بين الجيش الحر والأكراد فتح قنوات التواصل والتفاهم ومحاولات بناء الثقة، لاسيما أن التطورات الميدانية تفرض ذلك بشكل يومي

تفجر الأمور بين الجانبين على هذا النحو، واحتمال امتداد المواجهة بينهما إلى مناطق أخرى ولاسيما عفرين القريبة من الحدود مع تركيا، وكذلك أحياء في مدينة حلب التي لها حساسية خاصة، وضع الجانبين أمام امتحان العلاقة وشكلها، فالصدام الذي جرى في رأس العين كان أشبه بسؤال الصدمة للتفكير بمستقبل هذه العلاقة والبحث عن قواسم مشتركة بدلا من الصدام والحرب.

فكانت الترجمة لكل ما سبق التوصل إلى اتفاقيات للتهدئة وتشكيل لجان مشتركة لإدارة المناطق الساخنة، حيث كان لافتا قيام وفد برئاسة عضو المنبر الديمقراطي ميشيل كيلو بزيارة إلى مدينة رأس العين واللقاء مع الأطراف المعنية والتوصل إلى اتفاقية تهدئة بين حزب الاتحاد والكتائب المسلحة. وقد كانت لهذه الاتفاقية الدور الكبير في استبدال الخشية والمخاوف بنوع من التفاهم وتشكيل لجان مشتركة لإدارة المناطق والبلدات التي تشهد صدامات وتوترات أمنية، إلى درجة يمكن القول معها إن المرحلة التي تلت هذه الاتفاقية بدت كأنها مسار لفتح قنوات التواصل والتفاهم ومحاولات بناء الثقة، ولاسيما أن التطورات الميدانية جعلت من كل ذلك بمثابة حاجة يومية للطرفين.

إمكانية التحالف
في الواقع، إلى جانب هذه التطورات الميدانية برزت مجموعة من المؤشرات السياسية التي توحي بإمكانية حصول تحالف بين الجانبين، ولعل من أهم هذه المؤشرات: 

1- اللقاء الذي جرى قبل فترة في القاهرة بين رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي صالح مسلم ورئيس الائتلاف الوطني السوري معاذ الخطيب، وإعلان الجانبين حرصهما على ترسيخ التفاهم بين الأكراد والمعارضة السورية.

2- اتفاق السلام التركي الكردي وتداعياته على أكراد سوريا، وتحديدا حزب الاتحاد الحليف الأساسي لأوجلان في ساحة أكراد سوريا، إذ من شأن هذا الاتفاق -خاصة إذا سارت الأمور كما هي مرسومة- تخفيف حدة الشكوك والعداء الكردي إزاء الدور التركي وقوى المعارضة السورية الحليفة لأنقرة.

3- الكلمة التي وجهها القائد العسكري لحزب العمال الكردستاني مراد قره يلان إلى أكراد سوريا خلال الاحتفال بعيد النيروز في القامشلي، إذ قال إن "ثورة غرب كردستان لم تكن مهمة فقط لكم بل لكل كردستان.. إنها ثورة سوريا من أجل سوريا حرة.. نحن معكم وستنتصرون". وقد فهم من هذا الكلام تحول في رؤية حزب العمال تجاه النظام السوري على وقع انطلاق قطار السلام الكردي التركي في إميرالي.

إذا كان ثمة مؤشرات توحي بإمكانية حصول نوع من التحالف بين الأكراد والجيش الحر، فإن الصدام يظل قائما في ظل غياب أي اتفاق سياسي بينهما

4- اللافت أنه تزامنا مع المؤشرات السابقة جرت صدامات عسكرية للمرة الأولى بين اللجان الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي والجيش السوري في القامشلي وحي الشيخ مقصود في حلب، مقابل الحديث للمرة الأولى عن تعاون وتنسيق بين اللجان الكردية والجيش الحر ميدانيا على الأرض.

في الواقع، من الواضح أن ثمة مؤشرات تتضافر وتشير إلى إمكانية حصول نوع من التوافق والتعاون -إن لم نقل التحالف- بين الأكراد والجيش الحر، ولعل ما يمنع ذلك هو غياب التوافق السياسي بين الأكراد والمعارضة السورية، في ظل تعثر انضمام المجلس الوطني الكردي إلى الائتلاف الوطني السوري، والمخاوف الكردية القوية من عدم استجابة المعارضة لمطالب الأكراد في الاعتراف بحقوقهم القومية، دون أن يعني ما سبق أن خيار الصدام بين الجانبين انتهى في ظل غياب اتفاق سياسي على شكل الحقوق القومية الكردية، وحشد كل طرف قواته للسيطرة على المدن الكبرى في الجزيرة السورية وتحديدا مدينة القامشلي الإستراتيجية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك