ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

لم تتمخّض زيارة الرئيس باراك أوباما المنطقة -وضمنها زيارته أراضي السلطة الفلسطينية- عن أي جديد بشأن معاودة تفعيل عملية التسوية، أو بشأن الضغط على إسرائيل لتعديل سياساتها المتعلقة بتلك العملية.

وفي الواقع فإن هذه الزيارة تركّزت أولا: على تأكيد العلاقة المتميزة والوثيقة التي تربط الولايات المتحدة بإسرائيل، رغم كل التجاذبات والمناكفات التي جرت بين أوباما ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في الأعوام السابقة، وثانياً: ضبط السياسات الأميركية الإسرائيلية في ما يتعلق بعديد من الملفات والتحديات التي باتت تواجه الطرفين في المجال الشرق أوسطي الحافل بالمفاجآت والتغيرات والتحديات.

التوقعات من زيارة أوباما للمنطقة كانت جدّ ضئيلة، حتى إنها اعتبرت كمجرد زيارة سياحية، أو زيارة علاقات عامة، ولزوم ما لا يلزم

وعلى العموم، فقد كان الرئيس أوباما صريحاً في تحديد الأهداف التي يتوخّاها من هذه الزيارة في اللقاء الذي جمعه مع زعماء اليهود الأميركيين في البيت الأبيض (7/3)، وأولها: "التشديد على الالتزام الصلب للولايات المتحدة تجاه إسرائيل". وثانيها: "التأكيد لإسرائيل على أن الولايات المتحدة تقف إلى جانبها بحزم في هذا الظرف الذي يتحول فيه الشرق الأوسط إلى منطقة قاسية جدا بالنسبة لها". وثالثها: توجيه رسالة مباشرة إلى إيران مفادها "أن كافة الخيارات موجودة على الطاولة"، أي بما في ذلك الخيار العسكري. أما الهدف الرابع فهو "إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية".

هكذا ثمة ثلاثة أهداف تنطوي على مواقف وخطوات عملية وملموسة، تؤكد فيها الولايات المتحدة لإسرائيل على متانة تحالفها الإستراتيجي معها، وضمانها لأمنها واستقرارها، ومساندتها لها في ما يعترضها من تحديات في الشرق الأوسط. أما في ما يتعلق بالهدف الرابع، فهو مجرد كلام لا ينطوي على استحقاقات ملموسة أو على خطوات عملية، بل إنه يترك لإسرائيل حرية التصرّف في هذا الأمر، بما في ذلك كيفية التعامل مع مشكلة الاستيطان.

وفي الحقيقة، فإن التوقعات من هذه الزيارة كانت جدّ ضئيلة، حتى إنها اعتبرت كمجرد زيارة سياحية، أو زيارة علاقات عامة، ولزوم ما لا يلزم، لأسباب عديدة، أهمها:

1- أثبتت إدارة أوباما -خلال الأعوام الماضية- تردّدها في الضغط على إسرائيل، وميلها إلى الضغط على الفلسطينيين لدفعهم إلى الانخراط في عملية المفاوضات، دون أية معايير ملزمة، وحتى من دون شرط وقف الأنشطة الاستيطانية الذي كانت هي من اقترحه على الفلسطينيين.

هكذا نجح نتنياهو في صدّ الضغوط الأميركية عليه، وصمد في وجهها بحكم استثماره عديدا من الأوراق، وضمنها الورقة الإيرانية، الأمر الذي وجه هذه الضغوط باتجاه الطرف الفلسطيني الأضعف والأقل قدرة على استثمار أوراق القوة الظاهرة أو الكامنة لديه.

2- من الصعب توقّع ضغوط أميركية وازنة على إسرائيل في هذه الظروف، لا سيما في ظل محاولة أوباما خلق نوع من الإجماع الأميركي بين الجمهوريين والديمقراطيين، والنأي بالنفس عن أي شيء قد يعكّر هذا الإجماع، في سبيل تمرير سياساته الداخلية، إنْ المتعلقة بتعميم برنامج "الضمان الصحي"، الذي يعتبره إنجاز حياته وبمثابة ثورة في حياة الأميركيين، أو تلك المتعلقة بالسياسات الضريبية وسبل مواجهة الأزمة الاقتصادية، فهذان هما الموضوعان الحاكمان داخليا لسياسات أوباما، وبديهي فإنهما بالنسبة له أهم بكثير من قضيتي فلسطين والتسوية، وكل قضايا الشرق الأوسط.

3 - واضح أن هذا الزمن -بالنسبة للسياسة الأميركية- ليس الزمن الملائم لعقد التسويات في الشرق الأوسط، إذ ثمة وضع سياسي متغيّر، على خلفية التداعيات الناشئة عن ثورات "الربيع العربي"، وثمة الملف الإيراني ما زال ينتظر. وعليه يبدو أن الإدارة الأميركية تفضّل انتهاج سياسة قوامها تجنّب توجيه الضغط إلى إسرائيل، واعتماد نهج "إدارة الأزمة" أو "إدارة العملية" بدلاً من حل الأزمة أو الحسم فيها، لذا فمن سينتظر أي حلحلة في عملية التسوية في هذه الظروف لن يجدها، وكل ما قد يحصل -إن حصل- مجرد ترقيعات، هي من لزوم سدّ الفراغ، لا أكثر ولا أقل.

4- ليس في الواقعين الفلسطيني والعربي -في المدى المنظور- ما يفيد بتهديد أمن إسرائيل، أو يضرّ باستقرارها، فالوضع العربي مشغول بثوراته الداخلية، أما أحوال الفلسطينيين فقد باتت -مع خلافاتهم وانقساماتهم وتخلف إدارتهم لأوضاعهم- تهيئ لإسرائيل حالاً من الاطمئنان في ظل ما يمكن تسميته بالاحتلال المريح والمربح، خصوصاً في ظل غياب أي شكل من المقاومة في الضفة وفي غزة.

وفي إطار مثل هذا الواقع، بديهي أن لا تشعر إسرائيل بضرورة تقديم أي "تنازل" في سبيل التسوية للفلسطينيين، وتبعاً لذلك من البديهي -أيضاً- أن تشعر الولايات المتحدة بأن لا شيء يضغط عليها، أو يضطرّها لبذل الضغوط على إسرائيل لتنفيذ الاستحقاقات المتعلقة بعملية التسوية.

5- ثمة شيء غير مفهوم، ونوع من التبرّم، بين الأميركيين ونخبهم من أحوال العالم العربي، وردود فعله السلبية على سياسات بلدهم، والتي يعتبرونها تفيد العرب وتحسّن من ظروفهم. فهؤلاء يعتقدون بأن الأكلاف البشرية والمادية التي تكبدتها الولايات المتحدة جرّاء تدخّلاتها في الشرق الأوسط، والعالم الإسلامي، ومحاولاتها تغيير الأوضاع فيه، لم تحرز النجاحات المرجوة، ولا حتى على صعيد تبييض صفحة بلدهم، أو تحسين صورته، عند العرب والمسلمين.

هكذا فإن المساهمة الأميركية في إخراج الاتحاد السوفياتي من أفغانستان نجم عنها ظهور "طالبان"، وتحول هذا البلد إلى أخطر منطقة في العالم، وضمنه ضد المصالح الأميركية. وبينما قامت الولايات المتحدة بغزو العراق (2003) لتخليصه من نظام صدام، إذا بهذا البلد يصبح مجالاً لنفوذ إيران، الدولة الأكثر عداء لأميركا.

اللوبي الإسرائيلي يروج عند الأميركيين فكرة مفادها أن إسرائيل هي الحليف الموثوق والثابت للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وأن العرب -حكاما ومحكومين- ليسوا أهلا للثقة

هذا حدث أيضا في ليبيا، حيث قتل السفير الأميركي فيها، رغم ما قدمه بلده من مساعدة لشعب ليبيا لإسقاط نظام الطاغية القذافي. وبديهي أن هذه الوقائع تعزّز فكرة يروجها اللوبي الإسرائيلي عند الأميركيين، ومفادها أن إسرائيل هي الحليف الموثوق والثابت للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وأن العرب حكاما ومحكومين غير أهل للثقة، وأن مشكلة العالم العربي تكمن في خلافاته واضطراباته، لا في إسرائيل، ولا في احتلالاتها.

ورغم وجاهة كل هذه الأسباب في المدى المنظور، فثمة أسباب أخرى، أكثر عمقا ودلالة، يمكنها أن تفسّر السياسات الأميركية الشرق أوسطية، منها:

1- تعيش الولايات المتحدة هذه الأيام مشاعر مليئة بالثقة أكثر من أي وقت مضى، لجهة اطمئنانها لمستقبلها بشأن مخزونها من الغاز والنفط، مع الكشوفات الجديدة التي تفيد بأن بإمكانها -في غضون العقد القادم- ليس الاستغناء عن نفط الشرق الأوسط، فقط، وإنما أن تتحول إلى مصدّرة له، أيضاً، لا سيما مع توقعات تفيد بإمكان إزاحتها روسيا عن مكانة المصدّر الأول للغاز في العالم.

ويبدو أن هذا التطور يشجّع التوجه الأميركي المتعلق بالتخفيف من المتاعب الشرق أوسطية، وضمنها متاعب التسوية، وترك الأمر للفرقاء المحليين لتدبّر أمورهم، مع مراقبة الأوضاع عن بعد، من دون تورّطات وأكلاف مباشرة.

2- يعتقد عديد من المحلّلين بأن الإدارة الأميركية تتّجه -شيئا فشيئا- نحو انتهاج اللامبالاة، أو إدارة الظهر لقضايا الشرق الأوسط، بسبب قدرتها على الاستغناء عن نفطه (كما ذكرنا)، وبسبب تحوّل اهتمامها نحو مناطق أخرى أكثر أهمية في العالم لأمنها القومي، ولمصالحها الإستراتيجية السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهذا ما بات يصطلح عليه بالتوجه شرقاً.

وفي هذا الإطار، ثمة في النخب الأميركية من يعتقد بأن ما يجري في الصين والهند واليابان، وفي دول أميركا اللاتينية، أهم بكثير لأميركا لمصالحها وأمنها مما يجري في الشرق الأوسط، بتعقيداته ومتاعبه. وبديهي أن هذه النظرة تأخذ في احتمالها إمكان تراجع مكانة إسرائيل، عن ذي قبل، في إطار السياسة الأميركية الشرق أوسطية، لكن من دون أن يعني ذلك اللامبالاة إزاء التهديدات التي قد تتعرض لها.

ولعل هذه النظرة بالضبط هي التي استدعت تسفي بارئيل لاعتبار زيارة أوباما لإسرائيل بمثابة "رحلة وداع". إذ يعتقد بأن "الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ليس تهديداً إستراتيجيا كالصراع بين كوريا الشمالية والجنوبية، أو بين الهند وباكستان أو بين تايوان والصين.. زيارة أوباما، في الوقت الأقل عملية في تحريك المسيرة السياسية، تشهد على نحو متناقض بالاختيار الإستراتيجي الذي تبنّته واشنطن. إن أوباما لا يأتي لصنع السلام بل أتى ليقول سلاماً" (هآرتس 20/3).

3ـ ظلّت إسرائيل، منذ قيامها، بمثابة الدولة الأكثر حظوة لدى الولايات المتحدة، بغض النظر عن رؤسائها، وتفسير ذلك أنها في قصة قيامها، في إدراكات معظم الأميركيين، تشابه قصة قيام الدولة الأميركية ذاتها (الوطن الموعود، وأرض بلا شعب، والهجرة، والاستيطان، ومحاربة السكان الأصليين)، ناهيك عن أن ثمة قطاعا من المسيحية (البروتستانتية) يعتمد "العهد القديم" (التوراة)، وهو ما يضفي على دعم إسرائيل بعدا دينياً، وطبعا ثمة توظيفات "الهولوكوست"، وبالأخير تأتي -أيضاً- مسألة اعتبار إسرائيل جزءاً من الغرب، وامتدادا له في الشرق الأوسط المضطرب.

هذا يفسّر أن علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة تتعدى رؤساءها إلى المجتمع الأميركي، واعتبار خلافاتها مع الإدارات الأميركية جزءا من النقاش الداخلي الأميركي. كما يفسّر ذلك أن إسرائيل -التي تدين للولايات المتحدة بأمنها وتفوّقها الإستراتيجي والعسكري والتكنولوجي- تستطيع صدّ ضغوط الإدارات الأميركية عليها، والتعامل بلامبالاة، في كثير من الأحيان، مع مطالب الرؤساء الأميركيين، وهذا ما حصل في صدّ طلب أوباما المتعلق بتجميد إسرائيل ولو جزئيا ومؤقتا للاستيطان. والجدير ذكره أن إسرائيل تلقت مساعدات مالية من الولايات المتحدة الأميركية، منذ قيامها، تقدر بحوالي 234 بليون دولار.

4- المشكلة على الصعيد المقابل أنه لا يوجد في العالم العربي أي نوع من الضغط على الولايات المتحدة لدفعها نحو تعديل سياساتها المتحيّزة، ظلماً وعدواناً، لصالح إسرائيل، وهي سياسات لا تبالي بالعرب، لا بحكوماتهم ولا بمجتمعاتهم، بل إنها تمعن في امتهانهم، والاستهتار بحقوقهم.

السياسات الأميركية ستتغيّر، لكن هذا سيحصل فقط عندما يتغيّر العالم العربي، أي عندما يعي هذا العالم ذاته ويتصرّف بناء على مصالح مجتمعاته، وأولوياتها ومستقبلها

واللافت أن العالم العربي ظلّ يرتبط -من خلال نظمه السياسية- بعلاقة وثيقة مع الولايات المتحدة، على كافة الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية، وهذا ينطبق حتى على النظم التي كانت تبدو "مقاومة" و"ممانعة"، التي كانت ترتبط بالاتحاد السوفياتي (سابقاً) وبروسيا الاتحادية حاليا، لمجرد محاولة تعظيم مكانتها عند البيت الأبيض، أي على سبيل المساومة لا الضغط.

فوق ذلك فقد لعبت النظم العربية دوراً كبيراً في معادلات القوة إبان الحرب الباردة بوقوفها إلى جانب الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفياتي، بل إنها لعبت دورا مهما في التعجيل بإسقاطه. وفي كل الأحوال، فإن النظم العربية لم تستثمر أية ورقة ضغط سياسية أو عسكرية أو اقتصادية للضغط على الإدارات الأميركية (باستثناء لحظة الضغط المتعلقة بحظر النفط في حرب 1973)، وحتى "المبادرة العربية للسلام" التي أقرّت في مؤتمر قمة بيروت (2002) ظلت حبراً على ورق، لذا فلا شيء يستدعي من الولايات المتحدة التراجع عن نهج دعم إسرائيل، وتغطية سياساتها، طالما أن لا شيء في الواقع العربي يضطرّها حقاً إلى ذلك.

هكذا يمكن القول إن السياسات الأميركية ستتغيّر، لكن هذا سيحصل فقط عندما يتغيّر العالم العربي، أي عندما يعي هذا العالم ذاته ويتصرّف بناء على مصالح مجتمعاته، وأولوياتها ومستقبلها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك