حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية

 

أنماط التدخل الغربي
أفغانستان الأفريقية
مقدمات خاطئة ونتائج كارثية

لقد طرحت أزمة مالي وتصاعد المد الجهادي الإسلامي في بلدان الساحل والصحراء الأفريقية فرصة سانحة للدول الغربية من أجل العودة بمشاريعها العسكرية إلى أفريقيا مرة أخرى. ويلاحظ المتابع للفكر الإستراتيجي الغربي عموما تركيزه على قضايا الأمن ومحاربة الإرهاب من خلال الإشارة إلى القدرات غير المتوقعة لتنظيم القاعدة والجماعات الموالية له في الساحل الأفريقي.
 
وعلى سبيل المثال نجد أن رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون يحذر من التراخي في مواجهة المخاطر الأمنية المترتبة على تنامي قدرات الجماعات الإسلامية الراديكالية في مناطق الصحراء الأفريقية.
 
ومن المعلوم أن إقليم الساحل يضم الدول الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء والتي تشمل السنغال وغامبيا ومالي وبوركينا فاسو وموريتانيا ونيجيريا وشمال الكاميرون وتشاد والنيجر.
 
وعلى الرغم من ثراء الإقليم بثرواته الطبيعية مثل الذهب واليورانيوم والنفط فإنه يعد من المناطق الأقل نموا في العالم حيث يعاني سكانه من الفقر وتردي الأوضاع المعيشية. وطبقاً للتقديرات الأممية في عام 2012 فإن نحو 18 مليون من سكان الساحل يعانون من خطر المجاعة، كما أن نحو ثمانية ملايين شخص من بينهم في حاجة إلى مساعدات إنسانية طارئة. فما الذي حدث خطأ في دول الساحل والصحراء وأدى إلى عودته كأحد محاور السياسة الدولية؟!

أنماط التدخل الغربي
إن المسكوت عنه في تبرير عملية الهرولة الغربية للتدخل في شمال أفريقيا وإقليم الساحل هو الرغبة في الهيمنة والحفاظ على النفوذ في هذه المنطقة ذات الأهمية الجيوإستراتيجية الكبرى. ولا شك أن فهم ما يحدث في مالي وجوارها الجغرافي يحتاج إلى إمعان النظر في ثلاثة متغيرات أساسية:
 
أولها: سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا أواخر 2011، وهو ما أدى إلى تدفق الأسلحة والمقاتلين عبر الحدود إلى الساحل والصحراء. 

الأنماط المختلفة للتدخل العسكري الغربي في إقليم الساحل والصحراء معيبة وتنطوي على أهداف استعمارية جديدة، وهو ما قد يفضي إلى نتائج خطيرة بشأن تطور الصراع في المنطقة الأفريقية بشكل عام

وثانياً: الصراع التاريخي بين جماعات البربر والطوارق وحكومات بعض دول الساحل الأفريقي، وهو الصراع الذي اتخذ شكل حركات التحرر الوطني في شمال مالي.
 
أما المتغير الثالث فإنه يرتبط بالأزمة المالية والاقتصادية التي عانت منها أوروبا وأدت إلى تبني سياسات تقشف قاسية في بعض الدول، وهو الأمر الذي دفع بأفريقيا الغنية بثرواتها الطبيعية لتصبح المنفذ والملاذ للأوروبيين، ولا سيما مع اشتداد حدة المنافسة مع بعض القوى الاقتصادية الصاعدة في النظام الدولي مثل الصين والهند وروسيا.
 
ولا يخفى أن التدخل العسكري الغربي في الساحل الأفريقي ليس بجديد. فالعسكرية الفرنسية تمتلك سلسلة من القواعد الكبرى في دول مثل ساحل العاج وبوركينا فاسو وتشاد والغابون مع وجود قوات خاصة ذات جاهزية عالية للقيام بغارات جوية.
 
وتفصح سيرة العلاقات الفرنسية الأفريقية في مرحلة ما بعد الاستقلال عن أن فرنسا استخدمت هذه القوات العسكرية للحفاظ على أمن بعض النظم الموالية لها أو خلع البعض الآخر عن السلطة بحجة محاربة الإرهاب أو من أجل دعم المصالح السياسية والاقتصادية الفرنسية.
 
وقد جاء اهتمام الولايات المتحدة الأميركية بمنطقة الساحل الأفريقية متأخراً نسبياً وفي إطار شعار الحرب على الإرهاب الذي رفعته الإدارة الأميركية في مرحلة ما بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001.
 
وطبقاً لتحليل وزارة الدفاع الأميركية، فإن هذه المنطقة تمثل خطرا إستراتيجيا على الولايات المتحدة الأميركية. وعليه قد يكون مفهوماً ومبرراً قيام الرئيس أوباما يوم 22 فبراير/شباط 2013 بإرسال مائة عسكري أميركي لإنشاء قاعدة عسكرية في النيجر للتجسس من خلال استخدام الطائرات من دون طيار. وتنفق الإدارة الأميركية سنوياً مبالغ كبيرة من أجل تدريب ودعم القوات المسلحة لدول الساحل والصحراء ولنشر طائرات الاستطلاع وفي بعض الأحيان القيام بعمليات خاصة.
 
وعلى أية حال فإن الحرب على الإرهاب أضحت مجرد شعار ترفعه الولايات المتحدة في صراعها ضد الصين. إذ إنه لولا القاعدة في أفريقيا لما تمكنت الولايات المتحدة من القيام بأنشطة عسكرية تستهدف في حقيقة أمرها النفوذ الصيني المتزايد في أفريقيا. وعليه فإن مقولة الحرب على الإرهاب أضحت تعني أي شيء ما عدا الإرهاب.
 
ويطرح الاتحاد الأوروبي نمطاً ثالثاً للتدخل العسكري في الساحل الأفريقي من خلال دعم القوات الوطنية في بلدان المنطقة من أجل محاربة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر وتهريب المخدرات، وهي مخاطر تستهدف بشكل مباشر الأمن الأوروبي.
 
ولا شك أن هذه الأنماط المختلفة للتدخل العسكري الغربي في إقليم الساحل والصحراء هي معيبة وتنطوي على أهداف استعمارية جديدة، وهو ما قد يفضي إلى نتائج خطيرة بشأن تطور الصراع في المنطقة الأفريقية بشكل عام.

أفغانستان الأفريقية
يبدو أن ثمة تشابهاً بين تداعيات التدخل الأميركي والغربي في أفغانستان والعراق وخبرة التدخل في مالي ودول الساحل الأفريقي. ولعل ذلك ما دفع بعض المراقبين إلى القول إن الحرب في مالي سوف تؤدي لا محالة إلى إعادة إنتاج النموذج الأفغاني في الواقع الأفريقي وذلك لأكثر من عامل واحد:
 
أولاً: تعد منطقة شمال مالي وإقليم الساحل بشكل عام من بين المناطق الأكثر فقراً في العالم حيث تعاني من غياب مشاريع التنمية، كما أن المتغير القبلي يلعب دوراً أساسياً في التركيبة السكانية لشعوب المنطقة. ولعل هذه المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية تمارس دوراً محورياً في سيرورة الصراع والأمن الإقليمي.

المشابهة الحقيقية بين أفغانستان ومالي تتمثل في أن التطرف الديني هو امتداد لسلسلة طويلة من الاختلالات والأزمات الإقليمية التي ترجع بجذورها إلى واقع الفقر وعدم التوازن في الحياة التقليدية والانقسامات العرقية

ثانياً: الطبيعة الجغرافية الصعبة للمنطقة، وهي تذكرنا بخصائص التضاريس الوعرة في أفغانستان. إذ استطاع الجهاديون في شمال مالي والصحراء حفر الكثير من الأنفاق والكهوف. كما أن حرارة الشمس المحرقة تقلل من القدرة القتالية للجيوش النظامية.
 
فقد روي أن أفراد الجيش المالي لا يستطيعون القتال إلا في فترات الصباح المبكر. كما أن القوات الأفريقية ومن بينها الفرقة النيجيرية غير مؤهلة للقتال في ظل هذه البيئة الصحراوية القاسية.
 
ثالثاً: تعاطف السكان المحليين، وهو ما يؤدي إلى دعم الأيديولوجية التي يؤمن بها الإسلاميون في شمال مالي وساحل الصحراء. وربما يزداد هذا التعاطف بشكل كبير كلما ازداد عدد الضحايا من المدنيين نتيجة الغارات التي تشنها القوات الفرنسية ومن تحالف معها. كما أن استمرار القوات الأجنبية لفترات أطول في المنطقة يؤدي إلى تنامي النزعات المعادية للاستعمار بين السكان المحليين.

رابعاً: صعوبة هزيمة الجماعات الجهادية، إذ إنها تنتهج أسلوب حرب العصابات ويمكن لأفرادها الاختفاء بسهولة بين أفراد القبائل المحلية. وقد استطاعت هذه الجماعات على الرغم من وجود ملاحقات استخباراتية غربية إقليمية بناء شبكة من الاتصالات، وهو ما مكنها من البقاء والتعامل مع بعض الجماعات الجهادية الأخرى مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجماعة بوكو حرام في نيجيريا.

ومع ذلك فإن البعض يرفض هذا الاحتمال ويرى أن تحول شمال مالي إلى أفغانستان أخرى أمر غير وارد لسببين أساسيين وهما: غياب الحاضن الإستراتيجي الذي يقوم مقام باكستان في أفريقيا حيث إن الجزائر وافقت في نهاية المطاف على التدخل الفرنسي في مالي.

أما السبب الثاني فهو يرجع إلى طبيعة الخطاب الإسلامي الصوفي السائد في شمال مالي والذي يرفض تماما الخطاب السلفي الجهادي، وهو الأمر الذي يجعل بيئة الساحل الأفريقي طاردة لمثل هذه الأيديولوجيات المتطرفة.
 
وعلى أية حال فإن المشابهة الحقيقية بين أفغانستان ومالي تتمثل في أن التطرف الديني يمثل عرضاً لمرض. إنه امتداد لسلسلة طويلة من الاختلالات والأزمات الإقليمية التي ترجع بجذورها إلى واقع الفقر وعدم التوازن في أنماط الحياة التقليدية والانقسامات العرقية والإهمال من قبل الحكومات المركزية. إنها بإيجاز شديد نتيجة لفشل عملية بناء الدولة. فإذا ما قام الغرب بتبرير تدخله الاستعماري الجديد تحت دعاوى محاربة الإرهاب والتطرف، فإنه يتجاهل جذور الأزمة ويتعامل مع أعراضها.
 
مقدمات خاطئة ونتائج كارثية
إن الحلول والمشاريع العسكرية التي طرحها الغرب للتعامل مع قضايا الساحل الأفريقي تعيد نفس أخطاء الماضي، ولا تأخذ بعين الاعتبار الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى العنف وفشل الدولة الوطنية في هذه المنطقة من العالم.
 
ولكي تتضح معالم  الصورة ينبغي تأمل الخطاب الدعائي لزعماء الغرب والمتعلق بالحرب على الإرهاب. فقد أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون أمام مجلس العموم أن "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والجماعات الموالية له يمثل خطراً وتهديداً مباشراً لأمن المملكة المتحدة". أليس من الصعوبة بمكان تصديق مقولة إن نحو ألفي شخص من المقاتلين الذين يبعدون آلاف الكيلومترات ويعانون من انقسامات داخلية يمثلون تهديداً مباشراً لبريطانيا العظمى؟!
 
وفي السياق نفسه أعلنت الولايات المتحدة أن جماعة بوكو حرام النيجيرية منظمة إرهابية عالمية. إن مثل هذه الحركات والجماعات الجهادية ينبغي النظر إليها في سياقها المحلي والإقليمي حيث إنها تنهمك أساسا في ديناميات السياسات المحلية والإقليمية، كما أنها في حالة تجاوزها لذلك الواقع مثل حالات اختطاف الأجانب فإنها تكون مدفوعة بدوافع جنائية وليست أيديولوجية أو سياسية. 

الحلول والمشاريع العسكرية التي طرحها الغرب للتعامل مع قضايا الساحل الأفريقي تعيد نفس أخطاء الماضي ولا تأخذ بعين الاعتبار الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى العنف وفشل الدولة

ولا شك أن التدخل العسكري لا يستطيع أن يحل هذا النمط من الصراعات المعقدة التي تشهدها منطقة الساحل الأفريقي. ويكفي أن نشير إلى الخبرات الأخرى في أفغانستان حيث من المتوقع بعد سنوات طويلة من الحرب وممارسة القمع أن يعود مقاتلو طالبان إلى الحكم في أعقاب رحيل القوات الدولية عام 2014. ألم تكن نتيجة هذه الحروب التي خاضتها أقوى الجيوش الغربية هي انتشار المد الأصولي الإسلامي في معظم أنحاء العالم من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى القرن الأفريقي وصولاً إلى دول الساحل والصحراء؟!
 
واستناداً إلى ذلك كله وباستدعاء دروس التاريخ الغربي، يتضح أن محاولة التخلص من نفوذ الإسلاميين في الساحل الأفريقي من خلال الحسم العسكري قد ينتهي بها الأمر إلى توسيع دائرة نفوذ الإسلاميين على طول سواحل الأطلسي في دكار وأبيدجان وكوتونو وما إلى ذلك. ألم يقم أعضاء بوكو حرام النيجيرية باختطاف رهائن فرنسيين في شمال الكاميرون؟!
 
ويبدو أن السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق الغربي في الصحراء الأفريقية هو ما عبر عنه عيسى نداي وزير التعليم والثقافة السابق في مالي بقوله "إن علينا بناء عالم جديد يقوم على الحرية والعدالة والتضامن بين الشعوب. عالم يسوده السلام والتقدم الاجتماعي. ولتحقيق هذه الغاية ينبغي التخلص من المخططات الحالية ووقف الأكاذيب التي تلوث أسماعنا ليل نهار، وعوضاً عن ذلك نقوم بتصميم سياسات وطنية بعيداً عن هيمنة الغرب بحيث تصبح غايتها هي الإنسان قبل البنيان". وباعتقادي أن هذه الغاية التي تنوء بحمل تبعاتها الجبال سوف تمثل تحدياً حقيقياً للأجيال القادمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك