مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني

إنقاذ النظام
تشويه الثورة
ضرب الوسطية الإسلامية

نزلت حادثة التفجير التي استهدفت مقر حزب البعث في قلب العاصمة السورية دمشق قبل عدة أيام، وأسفرت عن مقتل عدد من جنود الجيش النظامي والعشرات من المدنيين الأبرياء، كالصاعقة على قلوب الغيورين على الثورة السورية الذين يتوقون ليوم خلاص قريب من الطاغية بشار الأسد وزبانيته المجرمين.

التفجير الذي تبنته جبهة النصرة -أحد فصائل الثورة السورية- وتلته تفجيرات أخرى أوقعت عشرات القتلى من المدنيين دون أن يتحمل مسؤوليتها أحد، يؤشر إلى مرحلة خطيرة طافحة بالفوضى الميدانية والتعقيدات السياسية ما لم تؤوب جبهة النصرة إلى الأصول الراشدة والمحددات السديدة التي تضبط مسار الثورة في إطارات سليمة تراكم مزيدا من الإنجازات الميدانية، وتستثمر الحراك السياسي المتواصل ضد النظام، وتمنع انحراف بوصلة الثورة عن وجهتها الصائبة ومسارها الصحيح.

وهكذا، فإن هذه التفجيرات تضع الثورة السورية أمام ثلاثة مخاطر كبرى يمكن أن تهدد استمراريتها ومستقبلها فضلا عن صدقيتها ونقاء الأهداف التي تنشد الوصول إليها.

إنقاذ النظام
الخطر الأول يكمن في الفائدة القصوى التي يجنيها نظام الأسد المجرم من وراء مثل هذه التفجيرات. فالمشكلة لا تكمن أساسا في مبدأ التفجير الممنهج ضد أحد أهداف النظام، إذ يُشرع لقوى الثورة أن ترسم الخطط والتصورات العسكرية بما ينسجم مع الهدف الأسمى المتمثل في إسقاط النظام، وأن تضع من الوسائل والآليات ما يمكّنها من الإثخان في بنية النظام وضرب رموزه وقياداته المجرمة التي نشرت الموت والخراب والدمار في ربوع سوريا العزيزة، وأزهقت الأرواح الطاهرة وأسالت الدماء البريئة التي خرجت للدفاع عن حقها في تنسم عبير الحرية والعدالة التي طمستها عقود الظلم والقهر والاستبداد.

من الضرورة بمكان قيام جبهة النصرة وقوى الثورة عموما بمراجعة شاملة لخططها العسكرية وتطبيقاتها الميدانية بما يحول دون السقوط في براثن الأخطاء القاتلة التي تزهق فيها الأرواح الطاهرة بغير قصد

لكن أي عمل ثوري مهما كان ينبغي أن يتسم بصفتي: الصحة القيمية، والدقة الميدانية كي يحقق الفوائد المتوخاة والأهداف المرجوّة، وأن يبتعد تماما عن مفاعيل العشوائية الضارة والارتجالية المزعجة التي تقذف بالفعل الثوري خارج نطاق الآمال المطلوبة والغايات المنشودة، وتدور به في الاتجاه المعاكس لعجلة الثورة وحراكها الدؤوب القائم على أرضية استقطاب كافة الفئات والشرائح الشعبية التي تشكل الوقود الحقيقي والداعم الأساس للثورة وأهدافها الأصيلة.

إن من شأن ولوج بعض قوى الثورة السورية إلى معترك التفجيرات غير المحسوبة التي يتوفر فيها طهارة الوجهة والهدف وخطأ الإدارة والتنفيذ أن تشكل أداة إنقاذ وطوق نجاة بالغ الأهمية لنظام بشار الدموي الذي يراهن على خلط الأوراق وحرف المسار الثوري النقي إلى الوجهة الدموية التي يبدع ويتفنن في خوض غمارها بحكم تكوينه النفسي المعروف وتجربته التاريخية الطويلة في القمع والإذلال وسفك الدماء.

وهكذا، لن يكون صعبا توقّع المزيد من التفجيرات الدموية التي يروح ضحيتها المئات بين يوم وآخر بوساطة الأيدي القذرة لأزلام النظام إثر تفجير أو تفجيرات غير مكتملة الإعداد والدراسة لبعض قوى الثورة بهدف إلصاق التهمة بها، ما يحرج قوى الثورة ويلقي على كاهلها أعباء إضافية، ويمنح النظام فرصة نموذجية وهامشا واسعا للمناورة والهروب من دفع الاستحقاقات السياسية وإلقاء الكرة في مربع الثورة والثوار بدلا من تحمل مسؤولية الجرائم والمجازر التي يقترفها بدم بارد صباح مساء.

إن أبسط مقتضيات الحكمة تقطع بضرورة الاستمرار في حشر النظام في الزاوية، وتكثيف الضغوط عليه داخليا وخارجيا، وإتيان كل ما من شأنه تضييق الخناق عليه ومنعه من مواصلة التزود بأكسجين الحياة الذي يتيح له الاستمرار في جرائم القتل والإبادة الجماعية للشعب السوري، وحرمانه من أية فرصة للخروج من مأزق الإدانة والتجريم أو أي هامش يخفف من حدة الحبل الملتف حول رقبته الذي تزداد عقده وثوقا واستحكاما يوما بعد يوم.

لذا، فإن من الضرورة بمكان قيام جبهة النصرة وقوى الثورة عموما بمراجعة شاملة لخططها العسكرية وتطبيقاتها الميدانية بما يحول دون السقوط في براثن الأخطاء القاتلة التي تزهق فيها الأرواح الطاهرة بغير قصد، لأن العبرة ليست في إتقان الخطط العسكرية بقدر ما تكمن في حسن المزاوجة بين دقة التخطيط النظري وسلامة التنفيذ الميداني.

وفي كل الأحوال فإن التأني الكامل والتريث العميق والتنظيم الدقيق ينبغي أن يحكم الأداء الثوري المقاوم لجهة تجنيب المدنيين الآثار الميدانية المترتبة على سيرورة العمل الثوري ضد النظام، وتركيز العمل فقط على أدوات وأزلام النظام دون أي أضرار جانبية.

وليس مستساغا أن تجري أنهار الدماء بغزارة في ربوع سوريا العزيزة، وأن يبلغ قطار التضحيات محطات متقدمة للغاية، لنعود بعدها القهقرى ونجترح من الأعمال والسلوكيات ما يضر القضية السورية العادلة ويخدم أهداف النظام وينقذه من الضغوط المتواصلة والأزمات المتلاحقة.   

تشويه الثورة
الخطر الثاني الذي يتولد عن هذه التفجيرات يكمن في تشويه الثورة السورية والإساءة إلى سلامة أهدافها وطهر وسائلها وأدواتها الكفاحية.

منذ اندلاع الثورة حاول النظام الدموي المجرم أن يدرأ عن نفسه وزر الجرائم وعار المذابح التي اقترفها بحق السوريين الأبرياء، واستفرغ وسعه في سبيل إقناع الشعب السوري والعالم الخارجي بعدالة دفاعه عن الدولة ومؤسساتها، وأن ما يشاع من مجازر ينقل بشاعتها الإعلام لا علاقة له بها، متهما قوى الثورة بارتكابها وافتعالها بغرض تشويهه في عيون السوريين وتأليب المجتمع الدولي ضده لاعتبارات سياسية وداخلية.

قوى الثورة السورية مجتمعة مدعوّة لإبداء أقصى درجات اليقظة والحذر، وعدم السماح للنظام باستثمار أخطائها الميدانية وتوظيفها في إطار أجندة التشويه وقلب الحقائق

لقد عملت الآلة الإعلامية للنظام في مختلف مراحل الثورة على محاولة تبييض صفحة النظام ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ونحت في سبيل ذلك منحى الكذب والتلفيق والافتراء وتدليس الحقائق، وتباكت طويلا على النظام الضحية الذي يواجه المؤامرات الخارجية التي تستهدف صموده ومشروعه السياسي المناوئ لأعداء الأمة وطموحاتها التوسعية.

يدرك نظام الأسد أن تشويه الثورة في عيون أبناء الشعب السوري يشكل مقدمة ضرورية لعزلها عن حاضنتها الشعبية، بما يجعل مهمته في ضربها واستهدافها أكثر يسرا وسهولة، ويدرك أيضا أن تحقيق هذه الغاية لن يتأتى عبر وسائل التشويه الاعتيادية وأساليب الدعاية التقليدية نظرا لحجم ومستوى الوعي الذي يتمتع به الشعب السوري، وإنما عبر خطوات صادمة وأعمال مفجعة تكوي وعي السوريين وتترك جروحا غائرة في تكوينهم النفسي والمعنوي.

وإذا استرجعت ذاكرتنا التفجيرات السابقة التي هزت العديد من المناطق السورية طيلة المرحلة الماضية، وخلّفت صور الأشلاء المتناثرة والجثث الممزقة ومشاهد القتل والتدمير المروعة، واستمات النظام في ربطها وتحميل مسؤوليتها لقوى الثورة، فإننا يمكن أن ندرك حينها حجم مراهنة النظام على تشويه الثورة والثوار، وحرصه البالغ على تمزيق أواصر علاقاتهم مع فئات وشرائح الشعب السوري في إطار معركته الشرسة وحربه اللاأخلاقية ضد مسيرة الحق والحرية والعدالة التي ينشدها ويستحثّ خطاها السوريون الأحرار.

من هنا فإن قوى الثورة السورية مجتمعة مدعوّة لإبداء أقصى درجات اليقظة والحذر في إطار كفاحها المستمر ضد النظام، وعدم السماح للنظام باستثمار أخطائها الميدانية وتوظيفها في إطار أجندة التشويه وقلب الحقائق التي يبدع في التعاطي معها على الدوام.  

 
ضرب الوسطية الإسلامية
أما الخطر الثالث الذي يتهدد الثورة السورية من وراء هذه التفجيرات فيتجسد في ضرب الوسطية الإسلامية التي تشكل رأسمال القوى الإسلامية ذات النفوذ الواسع ضمن صفوف الثورة والثوار.
لقد كان لتشكيل بعض المجموعات الثورية ذات الصبغة الإسلامية وقع بالغ الأهمية والحساسية على الساحة السورية الداخلية والساحتين الإقليمية والدولية، فلا زالت الهواجس والأراجيف التي تغذيها أوساط النظام والدول الكبرى على حد سواء بشأن تنظيم القاعدة وقوى السلفية الجهادية والتنظيمات الثورية الأخرى تفعل فعلها وتحاول جاهدة إسقاط هذه التجارب المرتبطة بالعنف والإرهاب في الوعي الإنساني على ساحة الثورة السورية، ابتغاء تشويه صورة القوى الثورية الإسلامية ونعتها بالتطرف والإرهاب وعزلها عن الحاضنة الشعبية السورية التي تميل فطريا وسياسيا للوسطية على مختلف الأصعدة والمجالات.

ولا ريب أن محاولات النظام السوري الدؤوبة لشيطنة القوى الثورية، وخاصة الإسلامية منها، سوف تؤتي أكلها وتحقق جزءا كبيرا من أهدافها حال انحراف الفعل الثوري للقوى الإسلامية عن مساراته الوسطية وجنوحه نحو اقتراف الأخطاء الميدانية القاتلة التي تسيل فيها دماء الأبرياء.

من المؤسف أن تعيش بعض القوى الثورية الملتحفة بالعباءة الإسلامية نوعا من الغفلة عن التحديات التي تواجه مسيرة الثورة، وتعزل نفسها عن الاستفادة من التجارب الثورية الأخرى، وتبدو سلوكياتها أقرب إلى الممارسة غير المنهجية التي قد تقود إلى مصائب ميدانية أو نتائج عكسية لا تحمد عقباها.

إن القوى الإسلامية تشكل عصب الثورة السورية وعمادها الرئيس، وبها يناط تقديم نموذج إسلامي ثوري راق يتوشح بالقيم الوسطية النافية لكل اتهامات الأعداء وأراجيف الخصوم، ويبسط القضية السورية العادلة في إطاراتها السليمة بعيدا عن شطحات الغلو ونزعات التطرف، ويهيئ الساحة السورية الداخلية نحو مرحلة ما بعد الأسد التي تعلوها قيم التعايش الفكري والمذهبي والسياسي في إطار الانتماء للوطن الواحد والقضية الواحدة والمصير الواحد المشترك.

القوى الإسلامية هي الأكثر تضررا من غيرها بفعل آثار الصورة النمطية التي استقرت في ذاكرة العالم جراء بعض الممارسات اللامسؤولة الصادرة عن بعض القوى المنتسبة إلى التيار الإسلامي العريض

والأمل معقود على استدراك سريع واستخلاص فوري للعبر المترتبة على التفجير الأخير وما اكتنفه من أخطاء ميدانية قاتلة، فالصورة الذهنية التي تلتصق في أذهان الناس والعالم عن جهة ما تصبح نمطية فجة وصعبة التغيير إذا ما أهملها أصحابها والمعنيون بها وأحجموا عن دفع الأتربة والغبار الذي يكسوها، وتغدو صورة راسخة ذات جذور ممتدة في الوعي الجمعي ودون تنقيتها الكثير من العنت والجهود الثقال.

ولعل القوى الإسلامية الأكثر تضررا من غيرها بفعل آثار الصورة النمطية التي استقرت في ذاكرة العالم جراء بعض الممارسات اللامسؤولة الصادرة عن بعض القوى المنتسبة إلى التيار الإسلامي العريض، والأشد حاجة إلى ضبط إيقاع سلوكياتها وترشيد فعلها ومسارها الثوري بما ينسجم مع هدفها الرئيس وتناقضها الأساس المتمثل في نظام الأسد وسلوكه الدموي وقواته الفاشية.

وختاما، فإن قيادة الثورة السورية مطالبة اليوم بالوقوف عند مسؤولياتها التاريخية إزاء سلوكيات بعض المنتسبين إليها، والتدخل الفاعل من أجل منع حرف بوصلة الثورة عن مسارها السليم، وضبط وترشيد الأداء الثوري بما يخدم الثورة السورية العادلة، ويحرم النظام من فرص الاستثمار الداخلي والتوظيف السياسي والإفلات من مشكلاته الكبرى ومآزقه المتعاقبة.   

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك