عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي

أحلام التأسيس
تحديات وانتكاسات
نهاية الحرب الباردة وتوازنات جديدة
من أجل حماية الحرية والديمقراطية

أحيت الجامعة العربية ذكرى تأسيسها الذي تم في الثاني والعشرين من مارس/ آذار من سنة 1945. وهي ربما مناسبة للعودة لقراءة مسيرة هذه المنظمة والوقوف على أهم مراحل تطورها ومحاولة تصور آفاقها في ظل التحولات التي أنتجتها الثورات العربية.

فمن تحديات التأسيس إلى تجاذبات الحرب الباردة وصولا إلى اهتزازات الواقع العربي بعد ثورات الحرية، يبدو أن تاريخ هذه المؤسسة كان عنوانه الرئيس اجترار الفشل تلو الآخر في انتظار ما يمكن أن تفتحه الثورات من أفق جديد.

أحلام التأسيس
كان تأسيس الجامعة العربية وليد ظروف تاريخية وثقافية عامة داخلية وكذلك خارجية. فقد جاء هذا التأسيس على المستوى الفكري كتجسيد لتطور التيار القومي العربي الذي ما انفك يتوسع منذ المؤتمر العربي الأول الذي انعقد في باريس سنة 1913 والذي نشطت ضمنه جمعيات عروبية مثل جمعية العهد والعربية الفتاة وحزب اللامركزية. وربما استفاد هذا التيار بصفة عامة من تراجع مفهوم الرابطة الإسلامية بعد إلغاء الخلافة في تركيا الكمالية والتحول من الإمبراطورية إلى الدولة الوطنية.

تأسيس الجامعة العربية يتضمن وبشكل متعارض مع الطرح الوحدوي تأكيدا على الدولة الوطنية على حساب الدولة القومية

أما على المستوى السياسي فقد كان للتأسيس بعد مهم باعتبار الوضع الجديد الذي خلفه استقلال البلدان العربية وخاصة المشرقية منها وباعتبار الوضع الدولي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية. كان لا بد على البلدان العربية التي لم تستعمر أو التي خرجت من نير الاستعمار قبل الحرب العالمية الثانية التأكيد على استقلالية قرارها من خلال انخراطها الطوعي في أطر جديدة تعوض الأطر البريطانية والفرنسية السابقة.

من جهة أخرى فإن الإطار الجديد يمكنها نسبيا من تفادي خيبات الوعود السابقة بدولة عربية (ماك ماهون) ومن خطر انزلاق في ما يمكن أن يشبه تجربة سايكس بيكو جديدة. أما على صعيد العلاقات الدولية فإن سير الحرب العالمية الثانية أثبت بروز قوتين عالميتين جديدتين هما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، وكان الشعور بالعمل المشترك لتأكيد الذات مطروحا لدى العديد من منظري الوحدة العربية والعمل العربي المشترك في تلك الفترة.

قد نضيف إلى ذلك أن الدولة الوطنية الناشئة في العالم العربي ترى أمامها جملة من التحديات مثل بناء الإدارة وضمان الأمن والاستقلال ثم خاصة النهوض بشعوبها من وضع الفقر والتخلف، وهي ملفات تتطلب نوعا من التعاون.

أما على المستوى التاريخي العام فهناك إشكالية لابد من الإشارة إليها والمتمثلة في أن تأسيس الجامعة العربية يتضمن وبشكل متعارض مع الطرح الوحدوي تأكيدا على الدولة الوطنية على حساب الدولة القومية.

فقد جاء ميثاق التأسيس لإعطاء شرعية قانونية لتأسيس الدول الوطنية التي تشكلت في خضم التاريخ سواء بعد انحلال الإمبراطورية العثمانية أو بعد جلاء الاستعمار أو نتيجة تطور تاريخي سابق (حالة مصر وتونس والمغرب).

كانت الطموحات التي حملتها الجامعة كبيرة. فإضافة إلى مفهوم العمل العربي المشترك والذي كان يهم الدول المستقلة آنذاك وُجد رهان كبير حول دور الجامعة المساعد في الخروج من الاستعمار بالنسبة للدول العربية المغاربية التي كانت بأمس الحاجة إلى سند خارجي. وفي هذا السياق تنزلت زيارات رموز الحركة الوطنية المغاربية إلى القاهرة مثل علال الفاسي عن المغرب والحبيب بورقيبة عن تونس ومصالي حاج عن الجزائر.

كان هناك نوع من الفوران إذن لإثبات الوجود العربي السياسي المستقل زادت من زخمه ثورة الضباط الأحرار في مصر والتي تبنت شعار مناهضة الاستعمار والوحدة العربية. لكن هذه البارقة من الأمل سرعان ما فسحت الطريق لجملة من خيبات الأمل كادت تعصف بهذا الهيكل الناشئ.

تحديات وانتكاسات
كانت الانتكاسة الأولى والمدوية للعمل العربي المشترك ومن ورائه إطار الجامعة العربية هو هزيمة الجيوش العربية أمام دولة إسرائيل الناشئة. فبغض النظر عن الظروف الأخرى التي ساهمت في هذه الهزيمة ومن ضمنها فرض وقف لإطلاق النار استفاد منه الكيان الإسرائيلي الوليد، إلا أن قلة التنسيق بين الدول العربية، وافتقاد القرار السياسي الموحد، ربما لعبت دورا حاسما في هذه الهزيمة.

الامتحان الثاني الذي تعرضت له الجامعة العربية والذي كاد يعصف بالكيان الهش تمثل في تبعات إنشاء حلف بغداد سنة 1955 والذي كان يهدف لمقاومة المد الشيوعي. كان الرد على التوجه الغربي من خلال إنشاء الجمهورية العربية المتحدة سنة 1958 (بين سوريا البعثية ومصر الناصرية) والتي جسدت التوجه نحو المعسكر الشرقي في العالم العربي. لقد عاشت الجامعة العربية نسبيا على وقع هذا التجاذب الذي جسد انخراطا مبكرا للعالم العربي في الحرب الباردة.

من بين الأزمات المبكرة التي عجزت الجامعة العربية على استيعابها تلك التي اندلعت بين الجمهورية العربية المتحدة من جهة وتونس من جهة ثانية والتي أدت إلى غياب ممثل تونس لمدة ثلاث سنوات (1958 إلى 1961) عن الجامعة. كانت الأزمة في عمقها تعكس التعارض بين التوجه القومي العربي وبين مشروع الدولة الوطنية ثم في مستواها الشخصي تعارضا بين شخصيتي الحبيب بورقيبة وجمال عبد الناصر.

تمثل الامتحان هذه المرة في كون الجامعة تجد نفسها أمام قضية تدخل دولة عربية في شؤون دولة أخرى حيث كان الحبيب بورقيبة يعيب على مصر الناصرية مساندة خصمه صالح بن يوسف الذي تبنى التوجه القومي العربي في تونس. ففي مقال صدر في جريدة لوموند الفرنسية سنة 1958 اعتبر الحبيب بورقيبة الابن، والذي كان وزيرا للخارجية آنذاك، أن الجامعة العربية تحولت إلى منتدى تسيطر عليه الجمهورية العربية المتحدة أكثر منه إطارا محايدا.

خلال الثمانينات وبعد حقبة وجيزة من التضامن استعاد العجز العربي حيويته على وقع الأزمات المتتالية بين البلدان العربية مثل الخلاف الجزائري المغربي والخلاف السوري العراقي والخلاف الليبي التونسي

في خضم هذه الانتكاسات الداخلية ربما نستثني تلك الحقبة الفاصلة بين هزيمة 1967 ومعركة العبور سنة 1973 وما صاحبها من أزمة نفطية عالمية. تميزت هذه المرحلة نسبيا ببعض التضامن العربي حول القضية الفلسطينية والتصدي للخطر الإسرائيلي. وربما في سياق هذا التضامن العربي يمكن أن نفهم تجميد عضوية مصر على خلفية إمضائها معاهدة كامب ديفيد سنة 1978 مع إسرائيل وما نتج عنه من نقل لمقر الجامعة إلى تونس لتنتهي بذلك حقبة السيطرة المصرية التي استمرت منذ نشأتها.

خلال الثمانينات وبعد حقبة وجيزة من التضامن استعاد العجز العربي حيويته على وقع الأزمات المتتالية بين البلدان العربية مثل الخلاف الجزائري المغربي والخلاف السوري العراقي والخلاف الليبي التونسي، إلى غير ذلك من المناوشات التي اتخذت أحيانا شكل مساندة المعارضة المسلحة لهذا النظام أو ذاك. لقد بينت الجامعة من خلال هذه الملفات عجزها على استيعاب الخلافات.

نهاية الحرب الباردة وتوازنات جديدة
يمكن اعتبار اجتياح الكويت وما تبعه من حرب على العراق بمثابة نهاية الحرب الباردة في العالم العربي لأنها غيرت نوعا ما التوازنات التي كانت قائمة سابقا. لقد أدى غزو العراق إلى بروز توجهين عربيين قطعا مع التحالفات التقليدية لفترة الحرب الباردة. توجه أول مساند للكويت تزعمته السعودية ومصر ودول الخليج التي تمكنت من استمالة سوريا إلى صفها.

ثم التوجه الثاني الذي لم يساند الاجتياح العراقي لكنه لم يساند كذلك التدخل الغربي، ونجد فيه الجزائر وتونس والسودان وليبيا واليمن. كانت الغلبة بالطبع للتيار الأول مما مكن مصر من استعادة مقر الجامعة العربية وافتتحت بذلك مرحلة جديدة طغى عليها التقرب من الولايات المتحدة التي أصبحت اللاعب الدولي الوحيد تقريبا.

ازداد الوضع تعقيدا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر وهيمنة إشكالية الحرب على الإرهاب وما تبعها من توجه نحو فكرة الشرق الأوسط الجديد. مثلت هذه الفترة شبه غياب كامل للجامعة العربية بسبب انصياع كل البلدان العربية تقريبا إلى ما يشبه الغطرسة الأميركية خاصة في عهد جورج بوش الابن.

لقد لاحظنا خلال تلك الحقبة الأخيرة نوعا من التفسخ التام للموقف العربي وذلك تحت سياسة الوعيد والتدخل الأميركي المباشر. لكن هذا الوضع لم يدم طويلا ليؤدي التدخل العسكري الأميركي في العراق وإسقاط صدام حسين إلى تشكل توجهين عربيين هما شق الممانعة حول سوريا مدعوما بإيران ثم الشق المقابل حول السعودية ومصر. الجديد في الأمر هذه المرة أن الانقسام اتخذ بعدا مذهبيا من خلال محور عربي شيعي يضم سوريا وحزب الله والعراق، ثم محور سني حول السعودية.

لم يدم هذا الوضع طويلا لأن رجة الثورات العربية خلطت الأوراق من جديد لتجد الجامعة نفسها من جديد في مهب رياح تغيير غير قادرة على فك ألغازه والتعامل معه.

من أجل حماية الحرية والديمقراطية
لقد أدخلت الثورات العربية عناصر جديدة في معادلات الوضع العربي. أول هذه العناصر ربما كان تحويل إشكالية السلطة من إشكالية خارجية مرتبطة بالعلاقات الخارجية وخاصة مع الدول الكبرى إلى وضعها الطبيعي المتمثل في علاقة المحكوم بالحاكم.

وفي هذا الاتجاه بدأ نوع من التحول في اهتمامات الجامعة العربية من العلاقات العربية الخارجية والبين عربية إلى الأوضاع الداخلية في بعض البلدان التي شهدت تغييرات في السياق الثوري الحالي.

لكن من الواضح أن التغير الحالي لم يقطع تماما مع الانقسام السابق. لقد أضعف الربيع العربي ما يسمى بشق الممانعة بحكم الثورة ضد نظام الأسد وعلي عبد الله صالح والقذافي. في حين يبدو أن الشق الآخر الذي تتزعمه السعودية وقطر قد استفاد من هذا التحول مرحليا أو أنه يحاول توجيهه خاصة من خلال الدور السعودي القطري في الأحداث السورية.

نشهد اليوم غيابا شبه تام لدور الجامعة العربية وهو غياب منتظر بحكم عدم تأقلم ميثاق الجامعة وثقافتها وتركيبتها مع إشكالية الحريات

بحكم هذه التوازنات الجديدة نشهد اليوم غيابا شبه تام لدور الجامعة العربية وهو غياب منتظر بحكم عدم تأقلم ميثاق الجامعة وثقافتها وتركيبتها مع إشكالية الحريات. أي أن الجامعة العربية كانت طوال تاريخيها امتدادا للأنظمة وليس لإرادة شعوبها.

كما أنه من الواضح أن تراجع الدور المصري استفادت منه الدول الخليجية لتفرض اليوم نوعا من الهيمنة، غير أنه دور مؤقت لأن طبيعة دول الخليج ذاتها غير متأقلمة مع إشكالية الحريات التي يفرضها الظرف الحالي.

أعتقد أن المشروع الحقيقي للجامعة العربية اليوم هو مشروع جامعة يتجاوز دورها التنسيقي بين أنظمة سالبة لحريات شعوبها، إلى مؤسسة قادرة على تسهيل التحول باتجاه الحريات والديمقراطية. لكن مثل هذا المشروع يتطلب أولا أن يتسع مجال الحريات ومجال المشاركة السياسية في البلدان التي ما زالت تحافظ على تركيبة سياسية واجتماعية تقليدية. ومن جهة ثانية لا بد من تغيير ميثاق الجامعة العربية كي تصبح إطارا يدعم الحريات والديمقراطية والمواطنة ويعمل على الدفاع عن المصالح العربية دون توظيف سياسي كما ساد من قبل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك