بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

أزمة البناء المؤسسي
نهاية السلطة

رب ضارة نافعة

تبلغ الثورات مبلغ الاكتمال والنجاح حينما تتم عملية الانتقال الآمن والناجز من مرحلة الفعل الثوري إلى عالم الدولة، وذلك بعدما تستكمل بناء وترسيخ دعائم كافة مؤسسات الدولة السياسية والأمنية والاقتصادية، وتنتهي من صوغ الأطر الدستورية والقانونية التي تنظم العلاقة السوية والمتوازنة فيما بين هذه المؤسسات وبعضها البعض كما الرئاسة من جانب، وبينها مجتمعة وبين مواطني هذه الدولة والعالم الخارجي من جانب آخر.

أزمة البناء المؤسسي
تشي أوضاع مصر خلال المرحلة الانتقالية بتعثر واضح في عملية إصلاح المؤسسات أو إعادة بنائها بعد الإطاحة بنظام مبارك. إذ يمكن الادعاء بأنها تقدم نموذجا مهما لتراجع سلطة الدولة واضمحلال قوتها في ظل بروز تحديات داخلية عديدة في غضون ثورة أطاحت بعلاقات القوى التقليدية بين الفاعلين الأساسيين، بينما لا تبدو النخبة السياسية أو حتى مؤسسات الدولة قادرة، حتى الآن، على بلورة أنماط جديدة وملائمة لتلك العلاقات.

فشأنهم شأن غالبية الحركات والتيارات الإسلامية في غالبية البلدان العربية، يواجه إسلاميو مصر تحديا جوهريا في التعاطي مع مؤسسات الدولة كالرئاسة والشرطة والجيش والقضاء، بعد أن دأبوا مضطرين بجريرة الإقصاء والاستبعاد طيلة عقود على البقاء والعمل خارج الأطر الشرعية والهياكل المؤسسية الرسمية للدولة، وحينما أتاح لهم الربيع العربي الولوج لتلك المؤسسات والعمل تحت مظلة هذه الأطر، وقف تحالف حصار الثورة المضادة وملاحقة المعارضة العلمانية، حائلا دون حدوث التأقلم والتكيف، فكان الوقوع في براثن الحنين إلى التنظيم السري والارتكان إلى العمل عبر مؤسسات موازية، ومن ثم جاء التعثر في الأداء.

إذا جاز لنا الزعم أن علاقة التبعية التامة والمزمنة من قبل مؤسسات الدولة للرئاسة قد تم تفكيكها جزئيا جراء الثورة وتداعياتها، يصعب الجزم بأن نمطا أنسب وأكثر توازنا من العلاقة قد تم تأطيره بعد

وربما شكل ذلك محور الخلاف الرئيس بين تجربة التيارات السياسية ذات المرجعيات الإسلامية في بلدان العالم العربي وخبرة نظيراتها في الحالة التركية. فلقد أتاح تماس الأتراك مع رياح الديمقراطية والحداثة الأوروبية فرصة مثالية لاستيعاب الإسلاميين ودمجهم في العملية السياسية الرسمية مبكرا، بعد أن لحقت تركيا بركب الموجة العالمية الثانية من التحول الديمقراطي في أعقاب الحرب الكونية الثانية.

حيث تسنى للحركة الإسلامية التي تزعمها نجم الدين أربكان تشكيل أحزاب سياسية وخوض الانتخابات والمشاركة في تشكيل الحكومات الائتلافية بالتحالف مع تيارات ليبرالية ويسارية وقومية، الأمر الذي ساعد على عصرنة ولبرلة الإسلاميين الأتراك ومكنهم من احتراف العمل السياسي عبر المؤسسات والأطر الشرعية، وخولهم تحقيق نجاحات ملفتة في إدارة البلاد على كافة الصعد.

وجراء الإقصاء المزمن والحصار المتواصل، تبدو النخبة الحاكمة في مصر اليوم، حتى الآن على الأقل، كما لو كانت غير قادرة على بلورة الصيغة الملائمة للعلاقة السوية بينها وبين مؤسسات الدولة، لا سيما الأجهزة الأمنية كالجيش والشرطة والاستخبارات إضافة إلى القضاء.

فإذا جاز لنا الزعم أن علاقة التبعية التامة والمزمنة من قبل هذه المؤسسات للرئاسة قد تم تفكيكها جزئيا جراء الثورة وتداعياتها، يصعب الجزم بأن نمطا أنسب وأكثر توازنا من العلاقة قد تم تأطيره بعد. وهو ما قد يفسر أجواء الغموض والالتباس التي تخيم على علاقة الرئيس بتلك المؤسسات.

فلكم بدا للكثيرين تعاظم هواجس الرئيس من الجيش، خصوصا بعد أن أبرزت ثورة يناير مدى وهن البنية المؤسسية المدنية للدولة مقارنة بقوة الجيش ومؤسسيته، والتي تعود بداياتها الحديثة إلى عهد محمد علي باشا مطلع القرن التاسع عشر، بينما تمتد جذورها إلى عصر الدولة القديمة، التي تأسست قبل قرابة خمسة آلاف عام على يد الملك مينا موحد مملكتي الشمال والجنوب عام 3200 ق.م، ومؤسس أول جيش مصري وطني حديث في تاريخ البلاد.

ورغم تأكيده اعتزال السياسة، قد يضطر الجيش إلى تغيير رأيه بسبب تدهور الأوضاع أو تعرض الأمن القومي لتهديد محقق، أو حتى تفاقم الطلب الشعبي، فقد يقبل القيام بدور خدمي تأميني فقط إلى حين تتعافى مؤسسات الدولة المدنية من دون التورط في السياسة، لكنه قد يغدو طرفا سياسيا بشكل متدرج، خصوصا بعد أن أكدت مصادر عسكرية لجريدة "الشروق" المصرية يوم 13 مارس/آذار الماضي أن القوات المسلحة لا تنوي الانقلاب على الرئيس المنتخب، لكنها قد تتدخل بغرض "تصحيح مسار الثورة" والحيلولة دون تشكيل "مليشيات مسلحة".

ونتيجة لذلك، ارتأى البعض أن قلقا تملك الرئيس إثر رأب الصدع في العلاقة بين الجيش والشعب خلال أحداث بورسعيد الأخيرة، والذى بلغ حد المطالبة بنزول الجيش وتحرير بعض التوكيلات للفريق السيسي في داخل البلاد وخارجها لإدارة الدولة.

وقد تراءى للبعض أيضا ارتياب الرئيس من بوادر التفاهم بين الشرطة والشعب، والتي بدت جلية أمام قصر الاتحادية في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حينما حاصر المتظاهرون القصر الرئاسي اعتراضا على الإعلان الدستوري، وأشيع أن الرئيس طلب من وزير الداخلية وقتها اللواء جمال الدين التصدي لهم، فامتنع الأخير بعد أن رفض الرئيس منحه تكليفا مكتوبا، فإذا بالمتظاهرين يحملون ضباط الشرطة على الأكتاف مرددين "الشعب والشرطة إيد واحدة".

أما جهاز الشرطة، فقد بدا في موقف لا يحسد عليه. ففي الوقت الذي يحاول إعادة ترتيب أوضاعه الداخلية وصوغ علاقات أفضل مع الشعب كما كافة مؤسسات الدولة، لم يسلم من مساعي التأثير عليه واستقطابه.

فمن جهة، تحاول النخبة الحاكمة إعادة تطويعه لمساعدتها في الصمود أمام هجوم المعارضة الشرس كما الغضب الشعبي المتنامي، جراء تأخر ثمار أداء الرئيس وحكومته.

ومن جهة أخرى، لا تتورع قطاعات شعبية عن محاسبة الشرطة بأثر رجعى على مواقفها وتجاوزات بعض أفرادها فيما مضى، مثلما تجلى في هجوم الألتراس على بعض المنشآت الشرطية عقب الحكم في مجزرة ملعب بورسعيد. وبالتزامن مع استمرار تربص وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية برجال الشرطة، لم تتوان جموع شعبية عن مطالبة الجيش بأن يحل محلها على غرار ما جرى في بورسعيد.

وذهبت بعض التيارات أبعد من ذلك بطرحها أفكارا من قبيل خصخصة الشرطة أو حلها والاستعاضة عنها بشركات أمن خاصة، حتى وصل الأمر بالتيارات الإسلامية إلى الشروع في تدشين قوات شرطة "إسلامية" محاولة الاستفادة من ما أشيع عن إعلان النيابة العامة منح الضبطية القضائية للمواطنين استنادا إلى المادة ٣٧ من قانون الإجراءات الجنائية، والتي تتيح للمواطن الإمساك بمرتكب أي جريمة متلبسًا وتسليمه لأقرب مأمور ضبط قضائي، دونما احتياج إلى أمر بضبطه. وهو الأمر الذي اعتبرته النيابة العامة كما خبراء قانونيون تجاوزا يمهد السبيل للحرب الأهلية وظهور دولة المليشيات.

تراجع السلطة أو اضمحلال القوة قد باتا ظاهرة عالمية بامتياز خلال الآونة الأخيرة بفعل العولمة وثورة الاتصالات وبروز فاعلين دوليين جدد يتحدون سلطة الدولة ومؤسساتها

نهاية السلطة
يصعب الزعم بأن مصر بوضعها المؤسسي الراهن تمثل بدعا من دول العالم، حيث يرى مفكرون كثر أن "تراجع السلطة" أو "اضمحلال القوة" قد باتا ظاهرة عالمية بامتياز خلال الآونة الأخيرة بفعل العولمة وثورة الاتصالات وبروز فاعلين دوليين جدد يتحدون سلطة الدولة ومؤسساتها.

ففي كتابه المعنون "نهاية القوة.. من مقار الشركات إلى ساحات المعارك، من الكنائس إلى الدول، لماذا لم تعد السلطة تعني ما كانت تعنيه في السابق؟!" يسلط  "مويزس نعيم" رئيس التحرير السابق لمجلة "فورين بوليسي" الضوء على أحد أهم التحديات التي تواجه العالم في مطلع القرن الحادي والعشرين، وهو تغير طبيعة القوة أو السلطة على مختلف مستوياتها، وكيف تنعكس هذه التغيرات ليس فقط على الدول وعلاقاتها ببعضها البعض، بل على ديناميات العلاقات الجديدة داخل الدول وفي ما بينها.

وفي بحث له بجريدة "واشنطن بوست" بعنوان "لماذا أضحى أصحاب المناصب بلا سلطة؟!" يخلص نعيم إلى حقيقة مفادها أن"السلطة تتآكل وتتراجع وتضمحل، حيث صارت أسهل في الحصول عليها، وأصعب في ممارستها، وأكثر سهولة بكثير في فقدانها ".

فقد لاحظ أن رجال السياسة والحكم لم تعد لديهم السلطات التي كانت فيما مضى، ويسجل أنه من بين ٣٤ حكومة ديمقراطية حول العالم عام ٢٠١٢ كانت هناك أربع فقط يحوز رئيسها أغلبية في البرلمان. ويرصد نعيم كذلك زيادة تأثير الأحزاب والجماعات الصغيرة، حتى في مجال الأعمال، حيث انخفض متوسط فترة تولي المديرين لرئاسة الشركات الكبرى من عشر سنوات إلى خمس فقط.

ورغم اعتقاده في أن اضمحلال القوة وأفول السلطة لم يخل من بعض الإيجابيات كتحرير الشعوب وإضعاف الأنظمة السلطوية، يحذر نعيم من المضاعفات السلبية لتنامي هذه الظاهرة، والذي قد يتمخض عن حالة من الفوضى أو انهيار الدولة، خصوصا في الدول النامية، التي تفتقد للتوازن والاستقرار المؤسسي كما لرسوخ الإرث القانوني والدستوري.

رب ضارة نافعة
برغم ما تطويه بين ثناياها من مثالب شتى على مصير البلاد والعباد، ربما لا تخلو أجواء التأزم والارتباك التي تلقي بظلالها على مؤسسات وأجهزة الدولة المصرية خلال المرحلة الانتقالية لثورة يناير 2011، من بعض الإشارات الإيجابية.

فقد تمهد السبيل لإعادة صوغ العلاقات البينية لتلك المؤسسات فضلا عن علاقاتها بالجماهير على نحو سوي ومتوازن، بما يفضى في نهاية المطاف إلى ترسيخ مبادئ وقيم الديمقراطية فضلا عن إرساء دعائم دولة المؤسسات وتعزيز سيادة القانون.

فمن شأن هذا التأزم أن يتمخض عن حالة من الحراك، تسفر بدورها عن إعادة هيكلة هذه المؤسسات، بحيث تتم مأسسة الرئاسة، وتأكيد حرفية الجيش بمنأى عن السياسة، ووضع الشرطة على مسافة واحدة من النظام والشعب، علاوة على تعزيز استقلال القضاء، وتفعيل مبدأ الفصل الحقيقي بين هذه المؤسسات كافة بما لا يعرقل التعاون البناء فيما بينها.

ولقد بدأت تلوح في الأفق المصري الملبد بالغيوم بشارات لهذا التطور الإيجابي. ففي لفتة مهمة وغير مسبوقة على طريق إعادة هيكلة الشرطة وإقرار التصالح بينها وبين الشعب، خرج وزير الداخلية على الملأ معلنا في مؤتمر صحفي أن تغيرا جوهريا ومحمودا قد طال العقيدة الشرطية، مؤكدا أن جهاز الشرطة لن يكون مواليا لأي طرف، وأنه ملك للشعب ويعمل لخدمته لا لخدمة النظام، وأنه يقف على مسافة واحدة من الطرفين.

وفي خطوة مفصلية باتجاه وضع أسس راسخة وسليمة لعلاقات مدنية عسكرية أفضل في مصر، عمدت القوات المسلحة إلى توجيه رسائل واضحة ومباشرة للجميع. حيث أعلن قائدها العام التزامها الحياد وعدم التدخل في السياسة ما لم يتهدد أمن البلاد أو تشرف الدولة على الانهيار.

كما أكد رفضه أية تدخلات أو وصاية من أي طرف كان على الحملات المتواصلة التي تشنها القوات المسلحة في سيناء، سواء بغرض هدم الأنفاق الحدودية مع قطاع غزة أو لتصفية العناصر المسلحة والجماعات المتطرفة هناك.

المصريون أمام فرصة تاريخية لإعادة هيكلة مؤسسات دولتهم، ووضع أسس ومبادئ موضوعية وديمقراطية لتنظيم تفاعلاتهم السياسية، وتنقيتها من الممارسات المشينة

وفي سياق ذي صلة، لم يخل حكم القضاء الإداري بوقف قرار رئيس الجمهورية الداعي لإجراء الانتخابات البرلمانية وإعادة القانون الذي ينظمها إلى المحكمة الدستورية العليا، من إشارات مهمة ومبشرة في آن على عزم القضاء المصري التحرر من إسار السلبية والتسييس والاستتباع.

ولعلها تكون فرصة تاريخية أمام المصريين لإعادة هيكلة مؤسسات دولتهم، ووضع أسس ومبادئ موضوعية وديمقراطية لتنظيم تفاعلاتهم السياسية، وتنقيتها من الممارسات المشينة التي علقت بها منذ زمن كالعمل على شيطنة الآخر السياسي واغتياله معنويا وسياسيا من خلال الحملات الإعلامية المضللة والمغرضة، على غرار ما يجرى مع تيارات سياسية ذات مرجعيات إسلامية.

ولن يكون بوسع هكذا ممارسات سوى تقويض أحد أهم إنجازات ثورة يناير والمتمثل في نقل هذه التيارات، ذات الثقل الجماهيري الذي لا يمكن تجاهله، من الفضاء السياسي الافتراضي إلى عالم السياسة الواقعي بهياكله المؤسسية وأطره الدستورية والقانونية، عبر إفشال تجربتها في الحكم، علاوة على إجهاض المساعي الرامية إلى مدنية تلك التيارات ودمقرطتها. الأمر الذي يزج بها في نهاية المطاف نحو التشرنق واللوذ بتنظيماتها وولاءاتها الأولية التقليدية بغية الاستقواء بها في مواجهة حصار الخصوم وملاحقة المتربصين والمنافسين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك