عمر عاشور

عمر عاشور

أستاذ محاضر في الدراسات الأمنية والإستراتيجية

الرئاسة وإصلاح القطاع الأمني
إنجازات تحققت
معضلة وزارة الداخلية

"المشكلة سياسية يا سيادة الوزير"، جملة قالها أحد الصحفيين المشاركين في مؤتمر لوزير الداخلية المصري اللواء محمد إبراهيم يوم 10 مارس/آذار 2013. وكان اليوم الذي سبقه يوماً عصيباً على الجميع. فقد حُرِقَ نادي الشرطة ورُوِعَ رواده، وحُرِق اتحاد الكرة المصرية وسُرِقَتْ خزينته، وهوجمت فنادق سياحية عدة بوسط القاهرة من قَبَل محتجين على أحكام أصدرتها محكمة ابتدائية ضد متهمين بقتل ما يربو على السبعين مشجعا لكرة القدم في ملعب بورسعيد الرياضي في فبراير/شباط 2012.

"طيب اخرجني منها. أنا مش سياسي أنا مسؤول عن الأمن"، رد الوزير على الصحفي. "ما تكلم الرئاسة" أصر الصحفي. "يا سيدي أنا مش مكلف بالحوار مع الرئاسة، أنا رجل أمن... مسؤول عن أمن المواطن المصري.. ماتدخلنيش في السياسية"، رد الوزير مرة أخرى.

لعل الحوار يلخص أحد أركان أزمة قطاع الأمن في مصر. فبالإضافة لمحاولات تسييس القطاع الأمني وعملية إصلاحه، وهي عملية على رأس مطالب ثورة اندلعت قبل عامين يوم عيد الشرطة احتجاجاً على وحشية سلوكها مع المواطنين، فإن للأزمة جوانب أخرى.

بطء عملية الإصلاح، وقلة فاعلية وزارة الداخلية في احتواء التهديدات الأمنية اليومية، والصراعات الداخلية المتراكمة في الوزارة، كل هذا  أدى إلى وضع سياسي وأمني خطير في مصر

فبطء عملية الإصلاح، بما تشمله من محاسبة ومراقبة وتطهير وتَمْدِين، مع قلة فاعلية وزارة الداخلية في احتواء التهديدات الأمنية اليومية، مع الصراعات الداخلية المتراكمة في الوزارة نتيجة أوضاع خاطئة أظهرتها الثورة، أدى كل هذا إلى وضع سياسي وأمني خطير في مصر، ربما تلخصه كلمة الوزير: "هل المخطط هو إسقاط الشرطة؟! خلاص! اعتبرونا انكسرنا وتصرفوا أنتم مع بعض".

منذ أسابيع لخص المفكر الكبير الأستاذ فهمي هويدي في إحدى مقالاته دراسة مقارنة كنت قد أجريتها عن إصلاح قطاع الأمن في مصر. والدراسة المشار إليها وغيرها من المبادرات سُلّمِتْ ونُوقِشَتْ بالفعل مع عدد من المسؤولين المصريين من مؤسسات عدة. وكان اهتمام المسؤولين بها واضحاً، أما قدرتهم على تنفيذ توصيات الدراسة والمبادرات فلم تكن كذلك.

تعتبر مسألة "الأمن" معضلة رئيسية فيما بعد الثورات العربية، سواء في تونس أو مصر أو ليبيا أو اليمن، أو –باعتبار ما سيكون– سوريا. فمن دون أمن لن تأتي الاستثمارات الخارجية، وهي ضرورة ملحة في مصر، إذ إن حكومة الرئيس مرسي ورثت ديونا داخلية تقدر بـ1.2 تريليون (ألف ألف مليون) جنيه مصري، أي أنها لا تملك الكثير لتستثمره في الداخل. وأيضا من دون أمن فلن يأتي السياح ولن تحقق العدالة الاجتماعية ولا الاستقرار السياسي.

بمعنى أكثر شمولاً سيعتمد نجاح أو فشل التحول الديمقراطي في مصر على مسألة الأمن وإصلاحاته. والسؤلان الرئيسيان المطروحان في هذا لإطار هما:

1- هل القطاع الأمني فعال في احتواء أو تحييد التهديدات الحقيقية لأمن المواطن المصري؟
2- هل يملك الشعب المصري -ممثلاً في مؤسسات الدولة المنتخبة- محاسبة القطاع الأمني إن تجاوز أو انتهك أو قصر؟ الإجابة معقدة، ولكنها أقرب للنفي منها للإيجاب.

الرئاسة وإصلاح القطاع الأمني
حتى الآن يمكن وصف طريقة تفاعل الرئاسة وحزب "الحرية والعدالة" وجماعة "الإخوان المسلمين" مع إصلاح القطاع الأمني بأنها حَذِرة، تدريجية، غير ثورية. فالرئاسة تفضل العمل في ظل قواعد النظام المعمول بها بدلاً من تغيير تلك القواعد ودفع تكلفة ذلك. ولكنها في الوقت ذاته لم تفوت بعض فرص التغيير عندما كانت الأجواء مُهيأة (أي عندما تكون تكلفة وخطورة الإصلاح منخفضة أو متوسطة).

ففي أعقاب مجزرة سيناء في أغسطس/آب 2012، أقال الرئيس ونقل عدداً من أقوى لواءات القطاع الأمني. فشملت تلك الحركة مدير المخابرات العامة اللواء مراد موافي، وقائد الحرس الجمهوري اللواء نجيب محمد عبد السلام، وقائد الشرطة العسكرية اللواء حمدي بدين، ومدير أمن القاهرة اللواء محسن مراد، وقائد قوات الأمن المركزي اللواء عماد الوكيل.

هذا بالإضافة للإطاحة بقيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وكان ما يجمع هؤلاء اللواءات هو الموقف المناهض لعملية التغيير، والإصرار على إبقاء الوضع على ما هو عليه، والرغبة في الحفاظ على عدد من سياسات وممارسات نظام مبارك. وقد تم اتهام اثنين من هؤلاء اللواءات، وهما بدين ومراد، من قبل العديد من التنظيمات الثورية والإصلاحية -من بينها "الائتلاف العام لضباط الشرطة"- بتنظيم حملة مُمنهجة لقمع الثوار.

وأما فيما يخص "عدم التغيير" فربما المثال الأبرز هو تعيين الرئيس للواء خالد ثروت مديرا لجهاز الأمن الوطني في أكتوبر/تشرين الأول 2012. فاللواء ثروت يأتي من قلب جهاز مباحث أمن الدولة المُنَحلّ. وكان يترأس إدارة "النشاط الداخلي"، وهي "الإدارة العامة" المسؤولة عن مراقبة والتحقيق مع منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام. وقد ترأس فيما سبق أيضا "مجموعة" "مكافحة النشاط الإخواني"، وهي "المجموعة" المسؤولة عن تحييد أو تقليص أو إنهاء نشاط "الإخوان" إبان حكم حسني مبارك. فبعيداً عن "أخونة الأمن" تم تعيين مسؤول سابق عن مكافحة "الإخوان" على رأس جهاز الاستخبارات الداخلية المصرية.

وبعيداً أيضاً عن الإصلاحات في تونس، حيث كان أول وزير داخلية بعد الثورة هو أحد ضحايا تعذيب وزارة الداخلية، كان أول وزير داخلية يعينه أول رئيس مدني منتخب بحق في مصر هو اللواء أحمد جمال الدين. واللواء جمال الدين مثير للجدل، يتهمه البعض بالولاء لوزير داخلية مبارك -حبيب العادلي- المُدان جنائياً. واتُهم أيضاً بالتشدد أثناء مفاوضات إطلاق سراح السجناء السياسيين بعد الثورة، وذلك من قبل بعض أعضاء اللجنة التي شكلتها الرئاسة للتفاوض بشأن الإفراجات. واتهم مرة أخرى بالتشدد أثناء المحادثات لأنهاء اشتباكات شارع "محمد محمود" الدموية التي وقعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2011.

في تونس كان أول وزير داخلية بعد الثورة هو أحد ضحايا تعذيب وزارة الداخلية، وفي مصر كان أول وزير داخلية يعينه أول رئيس مدني منتخب بحق في مصر هو اللواء أحمد جمال الدين المناهض للتغيير

كما كان اللواء شاهداً في "محاكمة ضباط أمن الجيزة"، حيث تم توجيه الاتهام إلى سبعة عشر من رجال الشرطة بقتل وجرح المتظاهرين في يناير/كانون الثاني 2011. ولقد دافع عن رجال الشرطة مؤكداً أن الضحايا قُتِلوا في إطار الدفاع المشروع عن النفس. كما يتهمه أعضاء ائتلاف "ضباط ولكن شرفاء" -هو تنظيم شرطي إصلاحي غير رسمي- بكونه عضواً سابقا في فصيل قوي مناهض للإصلاح في الوزارة يُطلَق على أفراده وصف "رجال العادلي" (على اسم وزير داخلية مبارك حبيب العادلي).

إنجازات تحققت
وفي الإجمال يمكن تلخيص ما قامت به إدارة الرئيس محمد مرسي حتى الآن في ملف إصلاح قطاع الأمن كما يلي:

1- الاهتمام بالاطلاع على بعض الدراسات والمبادرات ومناقشتها.
2-  نقل أو إقالة بعض القيادات الأمنية أو النيابية، خاصة السيئة السمعة أو المعادية لعملية التغيير و/أو الإصلاح.
3- تشكيل لجنة للإفراج عن المعتقلين السياسيين.
4- تعيين بعض الشخصيات الثورية أو الإصلاحية في مناصب عدلية، كوزير العدل المستشار أحمد مكي.

أما فيما يخص تنفيذ توصيات الدراسة والمبادرات، كالتشريعات الخاصة بمراقبة القطاع الأمني (عن طريق لجان برلمانية مثلاً كما هو الحال في معظم الديمقراطيات بدءاً بإنجلترا وكندا وانتهاءً بإندونيسيا وجورجيا)، أو "تمدين" المناصب القيادية الشرطية، أو صياغة برامج تدريب على وسائل مكافحة الشغب غير القاتلة، فلم يحدث شيء على تلك الأصعدة.

أي أن "الخطوات الكبيرة" على طريق إصلاح القطاع الأمني ما زالت مستقبلية، وإن كانت البيئة الحالية بما فيها من استقطاب حاد ومزايدات غير مجدية لعملية الإصلاح ومحاولات مستميتة لإقحام القطاع الأمني في الصراع السياسي خاصةً من قِبَل من هَزَمته الثورة (فلول النظام السابق) أو ممن لم تختره أغلبية الشعب.

فبعض الخاسرين في العملية الثورية أو في العملية الديمقراطية يريدون الاستقواء بمن يحمل السلاح في مؤسسات الدولة ليكون مطيتهم  للقصر الجمهوري. وبغض النظر عن سذاجة الفكرة (التي اعتقدها حزب التحرير الإسلامي في الخمسينيات وتجاوزها بعد ذلك، وهي أن من يحمل السلاح سيخاطر بنفسه وضباطه ثم بعد نجاحه سيسلم الحكم لمدنيين جالسين في مكاتبهم، لا يملكون شرعية مانديلا ولا كاريزما أردوغان ولا مشروع روزفلت) فإن لها أثاراً سلبياً على عملية إصلاح قطاع الامن.

ولعل خطاب وزير الداخلية المصري في مؤتمره الصحفي المشار إليه يتضمن رسالة بأنه يفهم اللعبة ويتضمن مناشدة بأن تُخرج القوى السياسية جهاز الشرطة من تلك اللعبة ومن صراعاتها وحساباتها.

وقد احتوى خطاب سابق للوزير (بتاريخ 19 فبراير/شباط 2013) على ما يشبه صرخة استغاثة: "لدي 186 شرطيا مقتولا وأكثر من 800 مصاب.. بعض أفراد الشرطة الغاضبين يمنعون مديري الأمن من دخول مكاتبهم احتجاجا، وهناك من يحاول حرق القصر الرئاسي بشكل أسبوعي، وبعض الصبية أغلقوا مجمع التحرير (أكبر مجمع حكومي في البلاد) لأربعة أيام... متى سأجد الوقت لأصلح؟ عندما تنتهي هذه المهاترات السياسية".

معضلة وزارة الداخلية
ولا شك أن العنف السياسي والجنائي في الشارع ومحاولات استمالة قطاع الأمن والزج به في المعترك السياسي وبشكل عام حالة الاستقطاب الحاد في البلاد أثرت سلباً على مبادرات إصلاح قطاع الأمن في مصر.

فهناك سياسيون يدينون انتهاكات الشرطة ويدعون لإصلاحها على الفضائيات والبرامج الحوارية من ناحية، وفي الوقت نفسه يمدحون لواءات وقضاة معروفين بتأييدهم للانتهاكات، بل دعمها والتغطية عليها. ولسان حال هؤلاء السياسيين يقول: "إذا عُذِبت أنا وأنصاري فسنصرخ في الإعلام، وإذا عُذَبَ منافسي وأنصاره فسنصفق للجلاد!"، وهذا ما يزيد الأمر سوءاً.

فمن ناحية وزارة الداخلية مسؤولة عن تأمين مؤسسات الدولة (التي يملكها المواطن الدافع للضرائب المصري لا الحكومة المنتخبة من قبله) والدفاع عنها ضد من ينوي حرقها أو اقتحامها أو إغلاقها بالقوة.

ومن ناحية أخرى أية إصابات بين المهاجمين ستترجم على الفور بأنها وحشية شرطة، دون النظر في تفاصيل كل حالة. هذا بالإضافة إلى أن قوات الأمن المصرية محدودة الخبرة في أساليب وتكتيكات مكافحة الشغب غير القاتلة، ولم يكن لدى القيادة لا الوقت ولا الموارد لإعادة التدريب على أساليب مختلفة بمناهج جديدة (وهذا جزء رئيسي من عملية الإصلاح).

لا يكتمل تحول ديمقراطي دون القضاء على التعذيب، وإنهاء اللامحاسبة سواء فيما يخص الأجهزة الأمنية أو يخص مرتكبي العنف غير المبرر، مع فرض رقابة مدنية على كل من القوات المسلحة والمؤسسة الأمنية

ويلخص لي أحد ضباط الأمن المركزي الذين شهدوا مواجهات قصر الاتحادية في يناير/كانون الثاني الماضي ما يتردد في داخل القطاع: "ما يقولوه لك (بعض النشطاء) كذب.. والله كله كذب.. نحن نُهاجم أحيانا بالمولوتوف وأحيانا أخرى بالخرطوش. لو هرب الضابط سيتهم بالجبن والإهمال وسيحاكم. ولو قاتل فقتل أو أصاب أحدهم فسيحاكم أيضاً. فماذا عليه أن يفعل بالضبط؟".

وفي كل الأحوال فإن المؤكد قطعياً هو أنه لا يكتمل تحول ديمقراطي دون القضاء على  التعذيب، وإنهاء اللامحاسبة سواء فيما يخص الأجهزة الأمنية أو فيما يخص مرتكبي العنف غير المبرر، وذلك مع فرض رقابة مدنية فعالة على كل من القوات المسلحة والمؤسسة الأمنية.

وكما تُعلَمِنا تجارب الأمم الأخرى، لا سبيل لذلك إلا بإنهاء حالة الاستقطاب الحاد، وتقنين الصراع السياسي (ولو بشكل مؤقت) ليكون داخل المؤسسات الديمقراطية وخارج لعبة العنف، وبإنهاء تسييس واستغلال الأجهزة الأمنية وعملية إصلاحها، وبوحدة صف القوة السياسية فيما يخص مطلب الإصلاح، ليتم اعتباره مطلبا ثوريا ملحا وموحدا لن تقوم ديمقراطية في مصر دون تحقيقه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك