عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.

التوقيت والمفاعيل
البديل المقنع
المسؤولية والتحديات
الموازين والمسار

بانتخاب غسان هيتو رئيساً للحكومة السورية المؤقتة، يكون الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة قد قطع خطوة هامة، ستؤثر على مسارات الأزمة السورية، وستفتح الباب واسعاً أمام مستجدات ومتغيرات جديدة، على أكثر من صعيد، في داخل سوريا وخارجها، كونها ستشمل مسارات الثورة السورية، وممكنات الوصول إلى تطلعات الثوار السوريين وحاضنتهم الاجتماعية، خصوصاً في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، فضلاً عن التأثير على المواقف الإقليمية والدولية.

التوقيت والمفاعيل
جاء انتخاب غسان هيتو في وقت أكملت فيه الثورة السورية، ثورة الخامس عشر من مارس/آذار 2011، عامها الثاني، ودخولها عامها الثالث بعزم وإصرار ثوارها على الاستمرار حتى تحقيق التطلعات والآمال، وفي ظل أسئلة عن المدى الزمني لصمود النظام الأسدي في وجه الثورة، التي أدخلته في دائرة بركان ثائر لن تهدأ حممه إلا بسقوط ورحيل كافة رموزه ومافياته، وفي ظل أسئلة أخرى تشمل سبل تمكين الثوار وحاضنتهم الاجتماعية من الصمود في وجه الحرب الشاملة التي يشنها النظام، ويستخدم فيها مختلف أسلحة ترسانته العسكرية، من طائرات حربية ودبابات وصواريخ.

عدم انتماء غسان هيتو إلى حزب معين يعطيه استقلالية سياسية، ويكون في حلّ من أي برنامج سياسي أو أيديولوجي لطرف أو لقوة سياسية معينة، وعلى مسافة واحدة من جميع القوى والأطياف

الأمر الذي يفترض ضرورة إمداد حاضنتهم الاجتماعية بمقومات الصمود، وإمداد مكونهم العسكري بما يتطلبه من أسلحة تمكنه من الدفاع عن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والأهم هو تنظيم تفاصيل العيش وتوفير الاحتياجات الإنسانية والإغاثية والطبية في تلك المناطق، فضلاً عن احتياجات الجرحى والمعاقين والنازحين في الداخل السوري واللاجئين في دول الجوار.

وإن كان قرار الهيئة العامة للائتلاف الوطني السوري بتشكيل حكومة مؤقتة قد أنهى جدلاً وتجاذبات امتدت على مدى شهور عدة، إلا أن اختيار شخص غسان هيتو لهذه المهمة فاجأ العديد من أوساط المعارضة السورية، داخل الائتلاف نفسه وخارجه، وارتفعت أصوات منذ اللحظة الأولى تشكك بقدرات الرجل وبمؤهلاته، وتشي بأنه شخصية غير معروفة، كونه عاش أكثر من عشرين سنة في الولايات المتحدة الأميركية.

وعلى أساس مكان عيشه، خارج سوريا، استنتج أن انتخابه كان اختياراً من طرف كتلة "الإخوان المسلمين"، المتهمة بالهيمنة على الائتلاف، لإرضاء الإدارة الأميركية وتشجيعها على الاهتمام أكثر بالملف السوري، لكن ذلك لا يمنع من ملاحظة أن تصرفات حزب الإخوان المسلمين في الائتلاف تثير حفيظة بعض أعضائه، وتشير إلى نمط من السعي إلى الهيمنة، واختيار وتزكية من هم مقربون من الجماعة أو منتسبون إليها.

وهناك من رأى أن اختياره مبني في وجه ما على أساس انحدار هيتو من أصول كردية بوصفه من الأكراد الدمشقيين، ويهدف إلى الحصول على دعم القوى السياسية الكردية وتشجيعها أكثر على الانخراط في الثورة ودعم الحكومة السورية المؤقتة، ويهدف كذلك إلى طمأنة مختلف التكوينات الاجتماعية السورية.

غير أن الأمور لا تأخذ، على الدوام، بالسلب والرفض، واللجوء إلى أسلوب النقّ والتشكيك، إذ يمكن القول إن لجوء الهيئة العامة للائتلاف واحتكامها إلى عملية الانتخاب، بعد ترشيح العديد من الأسماء لرئاسة الحكومة المؤقتة، هو بحدّ ذاته أمر إيجابي، يشير على الأقل إلى إمكانية تجاوز الموروث، غير الديمقراطي الاستبدادي، الذي حاول النظام الأسدي ترسيخه في المجتمع السوري، والذي أصاب ببراثنه المعارضة السورية، التقليدية على وجه الخصوص، والمعارضة غير التقليدية بشكل عام، ولعل الانتخاب بناء على الانتماء إلى الهوية الوطنية يعني البدء بالتعود على الاحتكام إلى مفهوم المواطنة، باعتبار سوريا وطناً للجميع ويحق لأي سوري كان الترشح وخوض الانتخابات لأي منصب رسمي أو غير رسمي، بصرف النظر عن الأصل الإثني والانتماء الديني أو الطائفي أو المذهبي أو المناطقي.

ولعل عدم انتماء غسان هيتو إلى حزب معين يعطيه استقلالية سياسية، ويكون في حلّ من أي برنامج سياسي أو أيديولوجي لطرف أو لقوة سياسية معينة، وعلى مسافة واحدة من جميع القوى والأطياف، فالمرحلة التي يمرّ بها الشعب السوري تفترض الانحياز إلى كل الثائرين السوريين بمختلف أطيافهم، بل إلى كل سوريا.

يضاف إلى ما سبق أن غسان هيتو تفرغ للعمل الإغاثي منذ تشكيل الائتلاف، ويمكن أن يساهم في جهود تعزيز المساندة والدعم للداخل السوري، بدءاً من رغيف الخبر، وصولاً إلى وضع إستراتيجية مناسبة لإعادة إعمار ما هدمه قصف دبابات وصواريخ وطائرات النظام الأسدي، والأهم هو مأسسة عمل الحكومة، وإعادة بناء المؤسسات وترتيب الأولويات، وتأمين الأمن والاحتياجات في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

ويمكن الاستناد هنا إلى ما يملكه الرجل من خبرة طويلة في الإدارة والمؤسسات، واشتهاره بالعمل في قطاع الاتصالات والتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأميركية، إلى جانب كونه من مؤسسي جمعية الدعم القانوني للعرب والمسلمين، ومجلس إدارة في المجلس السوري الأميركي، ثم مشاركته في تأسيس "التحالف من أجل سوريا الحرة"، وفي تأسيس "هيئة شام الإغاثية" في الولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن إدارة وحدة تنسيق الدعم الإغاثي والإنساني في الائتلاف الوطني لقوى الثورة المعارضة.

العناوين الرئيسية لعمل الحكومة ستبدأ "من المناطق المحررة، وستمهد للشعب -وبرعاية الائتلاف- الطريق نحو المؤتمر الوطني العام بعد سقوط النظام، وصولاً إلى انتخابات حرة شفافة

البديل المقنع
لا شك أن تشكيل حكومة سورية مؤقتة يفترض في هذه الظروف أن تشكل بديلاً عملياً، يمكنه الإسهام في تغيير موازين القوى، والتأثير على مسارات الثورة السورية، من خلال إقناع السوريين بأنها تشكل بديلاً مقنعاً يثبت جدارته في إدارة شؤون السوريين في المناطق المحررة، والإشراف على الكتائب والمجموعات العسكرية، وتنظيم شؤون الإغاثة والعدل والطاقة والمياه والجمارك والخدمات وسواها.

ويبدو أن العناوين الرئيسية لعمل الحكومة ستبدأ "من المناطق المحررة، وستمهد للشعب -وبرعاية الائتلاف- الطريق نحو المؤتمر الوطني العام بعد سقوط النظام، وصولاً إلى انتخابات حرة شفافة تعبر عن تطلعات الشعب السوري".

وترتكز على بذل "كل ما في وسعها لبسط سيطرة نواة الدولة السورية الجديدة في المناطق الحرة تنظيمياً وإداريا في شكل تدريجي، وبالتعاون الوثيق مع قيادة أركان الجيش الحر والكتائب"، من خلال أسس لبسط السيطرة، وتقوم على "إرساء الأمن وسلطة القانون، ومكافحة الجريمة والحد من فوضى السلاح، وحماية المنشآت الإستراتيجية، والمرافق العامة والخاصة، وإعادة تشغيل كل ما يساعد أبناء شعبنا الصامد على أن يحيا بحرية وكرامة".

وإن كان التركيز على أولوية تأمين الدعم العسكري والمالي للجيش الحر وهيئة الأركان والثوار بهدف "إسقاط نظام بشار الأسد بكل أركانه"، ورفض وبشكل قطعي أي حوار مع النظام الأسدي، فإن الحديث لم يشمل رؤية الحكومة لكيفية إسقاطه، والسبيل إلى تحقيق ذلك، خاصة وأن معركة إسقاط النظام باتت اليوم معركة بقاء السوريين أيضاً.

المسؤولية والتحديات
تفرض المسؤولية الملقاة على الحكومة السورية المؤقتة تحديات كثيرة، في الداخل السوري والخارج، إذ يتعين عليها أن تضع خطة عامة لمواجهتها، يكون منطلقها التوجه إلى الداخل، وهذا يعني التواصل مع كافة الأطياف السياسية والاجتماعية، ومع الجهاز العسكري، ومع قوى وتشكيلات المعارضة الأخرى، التي لم تنخرط في تشكيلة الهيئة العامة لائتلاف قوى المعارضة والثورة السورية.

ومثل هذه الخطة لن تنجح إلا بالتواصل مع جميع شرائح المجتمع، مما يعني أن وضعها أمام مسؤولية تاريخية في زمن الثورة السورية يقتضي من الحكومة أن تثبت أهليتها وجدارتها، حيث يتوجب عليها أن تؤكد للسوريين أنها تشكل بديلاً ثورياً، يثق فيه السوريون من خلال ما تقدمه على الأرض، وأن تثبت كذلك للمجتمع الدولي أنها تحظى بتأييد وقبول الداخل، كي تحظى بمكانها المستحق في كل المؤسسات الدولية والإقليمية لتمثيل الشعب السوري بمختلف أطيافه ومكوناته. وهي مهمة ليست بالسهلة، وطريقها شاق، ويتطلب عملاً جماعياً ودعماً داخلياً ودولياً.

ولعل عمل الحكومة المؤقتة ومنهجها يقتضي الانطلاق من مبدأ وحدة سوريا أرضاً وشعباً. ولا يمنعها هذا من أن تبدأ عملها من المناطق المحررة، كخطوة أولية، وتحارب في نفس الوقت التجزئة، وأي شكلٍ من أشكال التقسيم.

وقد حصلت الحكومة المؤقتة على تعهد بالدعم المبدئي من الجيش الحر، الذي يتقدم على الأرض بخطى حثيثة، وبالتالي يتوجب على رئيس الحكومة أن يعي مستلزمات وحيثيات عدم فشل مهمته، ومسببات فشلها أيضاً، كي يعمل على توفير سبل النجاح، وقطع الطريق أمام نظام الأسد الآيل إلى السقوط لا محالة، وأمام تلاعب الداعمين له، وخاصة النظامين الإيراني والروسي، والتحرك دولياً لنيل الدعم اللازم للثورة والجيش الحر، خاصة بعد أن أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عدم ممانعتها تسليح الجيش الحر، والاستفادة من مواقف كل من بريطانيا وفرنسا، اللتين أبدتا استعدادهما لدعم المعارضة السورية وتسليح الجيش الحر، الأمر الذي سيفضي إلى تغيير موازين القوى، بما يفضي إلى تغيير مسارات الثورة، والتعجيل بنهاية النظام الأسدي.

الموازين والمسار
يبدو أن مسارات الثورة السورية بانتظار تطورات حاسمة تؤذن بحسم الأمور لمصلحة الثورة، فإلى جانب تقدم المقاتلين على الأرض، نجحت المعارضة بتشكيل حكومة مؤقتة بالتزامن مع استخدام النظام الأسدي آخر أوراقه المتمثلة بمحاولة تصدير أزمته إلى دول الجوار واللجوء إلى السلاح الكيماوي، الأمر الذي يشرّع الباب أمام تغيير الأمور لصالح تدخل أو حماية أو تسليح الجيش الحر، حفاظاً على الأمن والسلم الدوليين.

تأمين الدعم الدولي والإقليمي والعربي ضروري من أجل تمكين الجيش الحر والمجموعات الأخرى من تحقيق مزيد من التقدم على الأرض، والاستمرار في الثورة حتى إسقاط النظام الدموي

وتشير الوقائع إلى أن قوى الثورة تحرز المزيد من التقدم على الأرض، خاصة مع سيطرة الجيش السوري الحر على محافظة الرقة، بوصفها أول محافظة سورية تتحرر بالكامل من قبضة النظام، أسقط فيها تمثال الأسد الأب بأيدي سوريين، في مشهد رمزي مليء بالدلالة، الأمر الذي سيؤثر على انفكاك دير الزور، ومعها المنطقة الشرقية والشمالية، من قبضة النظام السوري.

يضاف إلى ذلك التقدم الملحوظ للثوار السوريين في دمشق وريفها وحلب وريف حلب الغربي، ومحاصرة المطارات العسكرية في كل من محافظتي حلب وإدلب، والسيطرة على بعضها، وبالتالي فإن النظر في الموقف الراهن يشير إلى أن مسار الأحداث في سوريا، بعد تشكيل الحكومة المؤقتة، مرهون بمدى قدرتها على التأثير في موازين القوى، وتغييرها باتجاه الدفع بإمكانيات الثورة في مواجهة النظام، وذلك من خلال إعطاء دفعة قوية لحراك الناس، ووضع رؤية واضحة إستراتيجية للمرحلة الراهنة، وطمأنة السوريين، بمختلف أطيافهم وحساسياتهم، والإجابة على مخاوفهم وهواجسهم من المستقبل في مرحلة ما بعد الأسد.

وتتجسد ممكنات تغيير موازين القوى في بناء علاقات قوية مع قوى الداخل، من مجالس مدنية وجيش حر ومجاميع المقاومة المسلحة، واتباع أسلوب تمويل محدد لهذه القوى، وفق آلية معروفة ومؤسسية لوصول المال والمعدات إليها. والأهم هو تأمين احتياجات الناس في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، من مواد معيشية واحتياجات ضرورية وتوفير الأمن لهم وسبل عيشهم الكريم.
 
ولا شك أن تأمين الدعم الدولي والإقليمي والعربي ضروري من أجل تمكين الجيش الحر والمجموعات الأخرى من تحقيق مزيد من التقدم على الأرض، وإمداد الثوار بأسلحة نوعية تمكنهم من المقاومة، والاستمرار بالثورة حتى إسقاط النظام الدموي، وتجنيب البلاد المزيد من الويلات والدمار. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك