عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلام بجامعة ميزوري

 

ثارت ثائرة الغرب وإسرائيل لطلب الطيب أردوغان رئيس وزراء تركيا في الاجتماع الخامس لمنبر الحضارات بجنيف في مارس/آذار الجاري أن تُوزر الإسلاموفوبيا (التمييز ضد المسلمين) كجريمة ضد الإنسانية، مثلها مثل الفاشية والعداء للسامية والصهيونية.

وسبق أن تقدم قادة عرب كثيرون بمثل طلب أردوغان إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2012 استنكاراً للفيلم المسيء (المسمى "براءة المسلمين") إلى رسول الله خير البشر المصطفى. وأزعج المطلب الرئيس أوباما الذي قال إن حجب تداول الفيلم المسيء -باعترافه- يخرق دستور أميركا الذي يحمي حرية العبير. وتردد المطلب في جنبات اجتماع مجلس حقوق الإنسان الأخير بجنيف من دول عربية وإسلامية.

واقشعرت الدول الغربية لمشروع قرار قدمته الدول الإسلامية بالخصوص لينظر المحققون الدوليون في حالة التمييز العرقي على المسلمين بسبب الإسلاموفوبيا. فسيضطر الغرب بالنتيجة إلى تحريم نشاطات إبداعية عدّها من حرية التعبير.

الغرب والمسلمون في نطاح متكرر حول أعمال مسماة إبداعية منذ الرواية المسيئة "آيات شيطانية" المسيئة التي كتبها سلمان رشدي، وأشتد هذا النطاح وشذّ بعد أحداث سبتمبر، وتوالت الرسوم والأفلام الهازئة بالإسلام ورسوله

ظل الغرب والمسلمون في نطاح متكرر حول أعمال مسماة إبداعية منذ رواية "آيات شيطانية" المسيئة التي كتبها سلمان رشدي. واشتد هذا النطاح وشذّ بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001 كما تجسد ذلك في توالي الرسوم والأفلام الهازئة بسيرة رسول الله. وبدا هذا النطاح كدورة معادة قال الدكتور علي المزروعي إنها نطاح سخري: فالغرب في غاية الدهشة لعمق غضبة المسلمين للإساءة إلى المصطفى، بينما المسلمون -من جهتهم- مروعون بتجرد الغرب من الحساسية لرموزهم وتاريخهم. وتتابعت هذه الدورات وتسارعت. 

ترافق مع احتجاجنا على الفيلم المسيء إلى المصطفى وقائع ستخرج بنا -متى أحسنا تحليلها- إلى إستراتيجية طويلة المدى في الغيرة للمصطفى نكسر بها الحلقة المفرغة من الفعل وردة الفعل. وسيكون هذا التثقيف في المعنى الذائع من مصطلح الثقافة الذي رده إلى "تثقيف العود" بمعنى جعله سديد الإصابة. فقد حوت هذه الوقائع الغربية صنوفاً من ازدواج المعايير الذي هو سمت أهل الشوكة وامتيازهم. كما جاءت بوسائط سانحة للإعلام الأفضل بالإسلام في الغرب، ومتى أخذنا بناصية هذه الإمكانات ثقفت الشارع المسلم ووطنت غيرته الشماء في إستراتيجية طويلة المدى لتوقير رموز ديننا.

ترافقت مع ثورتنا على الفيلم المسيء أربع وقائع اتصلت بصورة ما بما نحن بصدده من غثاء الغرب عن رموزنا. وهي:

- صدور كتاب لسلمان رشدي عن تجربته في العيش مختبئاً من ملاحقة فتوى آية الله الخميني في 1989 بردته عن الإسلام لنشره "آيات شيطانية" ووجوب قتله.

- حكم قضائي فرنسي بإدانة صحيفة فرنسية نشرت صوراً عارية الأعالي لدوقة كمبردج زوجة الأمير وليام حفيد ملكة بريطانيا.

- تدشين الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لنصب تذكاري لضحايا المحرقة اليهودية في فرنسا.
- افتتاح فرانسوا هولاند لقسم الآثار الإسلامية في متحف اللوفر.

استعرضت نانسي شيفر كتاب رشدي الأخير "جوزيف أنطون: ذكريات" الذي روى فيه حياته الخفية طلباً للنجاة من فتوى الخميني بحل دمه في 1989. فقال إن مسألته نجمت من صدام لإيران الموسوسة من الغرب الذي أصبحت فيه حرية التعبير سليقة. وأراد رشدي من الغرب أن يواجه الأصولية الدينية التي لا تتورع عن إعدام الكاتب. ومن أبواب الكتاب الهامة إشهار خجله من توبته النصوح أمام علماء دين مسلمين بعد مناصحة.

من قرأ سيرة المصطفى في "آيات شيطانية" صدقت عنده كلمة فيرلين كيلنكينبورغ: "بعض الأشياء في بعض الأوقات أهم من الفن" (النيويورك تايمز 8/23/2004). ولم استجل قيمة عبارة كيلنكينبورغ إلا بعد تدريسي كتاب "آيات شيطانية" ضمن مقرر عن الإسلام والغرب في جامعة ميسوري بالولايات المتحدة. فبعد قراءة نص "حادثة الإفك" من سيرة ابن هشام قال لي أحد طلابي إنه بينما رد دان براون في "شفرة دافنشي" (2003) الاعتبار لمريم المجدلانية العاهرة نجد أن رشدي جعل من امرأة شريفة عاهرة.

ومن وضاعة رشدي أنه لم يصبر على القذف بحقه صبراً ألزمنا به -باسم حرية التعبير- وهو يهاتر رموزنا هتراً في روايته. فلجأ للقضاء يطلب 11 مليوناً إسترلينياً ليرد اعتباره من قذف أحد حماته من الشرطة الإنجليزية. وكان الشرطي وصفه في كتاب له بأنه "نذل، كريه، وبخيل، ومغرور، وعديم اللطف إلى درجة" حتى أنه طلب إجارة من الحكومة لرجال الأمن الذين سكنوا معه لوقايته. ووصف رشدي كتاب الشرطي بأنه محض قذف لا تكلؤه حرية التعبير (الغارديان 2 أغسطس/آب 2008).

وترَبّح رشدي بدعواه ضد حارسه القديم بالقذف مما أذن به عرف غربي قضى بأن لا حق للميت في دعاوى القذف. فلا يمكن لمسلم مثلاً أن يُقاضي لشتم نساء الرسول حسبة أمام محاكم الإنجليز. ولكن بوسع الحي أن يقاضي روائياً كرشدي بالقذف. ويسوقنا هذا إلى الواقعة الأخرى التي ترافقت مع غيرتنا على المصطفى بعد عرض الفيلم المسيء على الإنترنت. إذ حكمت محكمة فرنسية خلال تلك الأيام على ناشر مجلة "كلوسر" الفرنسية الكف عن نشر صور لكاثرين ميدلتن دوقة كمبردج التقطها المصورون المتربصون وهي عارية من أعلى.

وبنت حكمها على أن المصورين خرقوا حقوقها بالخصوصية. كما حكمت على الناشر بأن يدفع للدوقة وزوجها الأمير وليام مبلغ ألفيْ جنيه إسترليني نظير أتعابهما القانونية. ووصفت المحكمة الصور بـ"المُتَقَحِمة". ووصف الزوجان نشر الصور بأنه "شاذ" ولا مبرر له، ولا مثيل له سوى تطفل المصورين الذي قضى على حياة الأميرة ديانا والدة وليام (إنترناشونال هيرالد تريبيون 19 سبتمبر/أيلول 2012).

المزروعي:
الغرب على سنة أن الخيانة مما يُرتكَب بحق الوطن وليس الأمة كما يرى المسلمون، فلا يفرق المسلمون بين الدولة والدين، فالردة عن الدين تتلابس مع الخيانة

لو جرت محاكمة ناشر "كلوسر" في إنجلترا -التي هي مملكة الأمير- لكان خرقه مما يتسع على الرتق. فبحسب علي المزروعي فالغرب على سنة أن الخيانة مما يُرتكَب بحق الوطن وليس الأمة كما يرى المسلمون. فلا يفرق المسلمون بين الدولة والدين. فالردة عن الدين تتلابس مع الخيانة.

وزاد مزروعي بأن الردة لا تزال مما يوقع صاحبها تحت طائلة القانون في بريطانيا. لكنها لم تعد من كبائر الجرائم، وتقتصر على من أساء إلى المسيحية دون غيرها من الأديان. وقال إنه -من جهة أخرى- لا يفرق البريطانيون بين الدولة والعائلة المالكة. فحتى يومنا هذا تجد القانون البريطاني يجرم " تلويث" الدم الملكي أو من "يُغَمِضُه"، مثل مواقعة زوجة الابن الأول وولي العهد. فمتى مست تلك العائلة شائنة ورفعت بها دعوى كان المتهم -متى ثبتت الدعوى- خائناً للوطن.

ولم تصمد "استباحة" الميت ورموزه خلال تلك الأيام التي شغب فيها الغرب بسيرة المصطفى بحجة أن الميت لا عصمة له. فشهد الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند تدشين نصب تذكاري لضحايا المحرقة اليهودية في بلد ما. ودعا في "القداس" المقام للعلمانية ليصب الماء البارد على غضبة المسلمين للمصطفى (الحياة 22 سبتمبر/أيلول 2012).

وقد أصاب محمود غزلان من الإخوان المسلمين حين رحب بانتقاد حكومة فرنسا للرسوم، ولكنه طالب بأن يتعامل القانون الفرنسي بمثل ما يتعامل به مع منكري المحرقة اليهودية (الإنترناشونال هيرالد تريبيون 20 سبتمبر/أيلول 2012). فسبق لمحكمة سويسرية الحكم -في اعتلال فاضح للمعايير- على المؤرخ البريطاني ديفد إيفرنج بالسجن سنوات ثلاث لأنه أنكر أن للنازيين غازاً في معسكرهم الدموي بأوشيويز. وحوكم بمقتضى قانون صدر في 1992 يجرم من أنكر أو خفف أو اتفق له إيجاد أعذار لجرائم النازية ضد الإنسانية. 

ومن المهم لفت النظر إلى أن حرية التعبير لا تزال مبدأً خلافياً على فخر الغرب بتحققها فيه. فرأينا في 1999 كيف هدد جولياني عمدة نيويورك بأنه سيتوقف عن تمويل متحف بروكلين (65 مليون دولار) إذا لم تُزل من معرض له لوحة "مريم العذراء تقدس سرها" للفنان الأفريقي الإنجليزي كرس أوفيلي. وقد استخدم في رسمها روث البقر وقصاصات من مجلات الجنس. ووصف العمدة اللوحة بأنها "شتم" للكاثوليك بخاصة وافتراء على المسيحية بشكل عام. وخرق العمدة بقوله سوابق قضائية قضت بأنه طالما قبلت الحكومة تمويل عمل إبداعي فإنه لم يعد من حقها التمييز بين تلك الأعمال التي اتفق نشرها أو عرضها للقائمين بها.

ولم يتوقف الحجر على حرية التعبير عند الرموز المقدسة. فقد تمتع الرئيس ريغان بالصون من الشغب الإبداعي. فاضطرت "سي بي أس" إلى حجب مسلسل عنه في 2005 نظراً للاحتجاج عليه بزعم إساءته إلى حياة الرجل. وبلغت الحملة على المسلسل من الضراوة حداً قالت معه نيويورك تايمز إنها أثارت جدلاً أطرافه ربما لم تشاهد المسلسل نفسه. ووصفت الجريدة هذا الحجر على حرية التعبير بأنه مفصل من الأسلوب السوفياتي القارس في عداء الحرية.

ومن جهة أخرى، هناك إيجابية تزامن احتجاج المسلمين على الفيلم المسيء كما رأينا مع نشوء منصات عرض للحضارة الإسلامية في الغرب. إذ افتتح هولاند (رئيس جمهورية فرنسا) القسم الإسلامي في متحف اللوفر. وتأخر قيام هذا القسم دون أقسام الحضارات الأخرى. ولكن أن تأتي أخيراً خير من ألا تأتي أبداً.

وقال هولاند إن العرض يوفر للزائر الغربي "جزءاً من التعرف على الذات". فأفضل سلاح في نظره لمحاربة الظلامية التي ينسبها البعض إلى الإسلام موجود في الإسلام نفسه، أي في حضارته. وقالت مديرة القسم إن عرض مأثرة الإسلام هي ما يُفرِغ المتطرفين من الحجة، ويحجب الإسلام عن التلوث بفعلهم (الشرق الوسط 19/9/2012).

إن لم نثقف الاحتجاج بإستراتيجية مزدوجة من نقد معيارية الغرب وموالاة عرض حضارتنا عليه، فتحنا للتطرف باباً يلجه المهان طوعاً

تذرع الغرب دائماً بمبدأ حرية التعبير للتغطية على بؤس حساسيته تجاه تظلم المسلمين من شغب بعض مبدعيه حيال مقدساتهم. وقد رأينا في ما تقدم نذراَ طعنت في هذا المبدأ. فالمبدأ الذائع تحكميّ وتولد من خبرة الغرب الخاصة في عصمة الأحياء دون الأموات، دون الإسفاف. ومتى ما أردنا للمبدأ أن يشمل الإنسانية -كما يرغب أصحابه- صح أن يستعين بخبرات بشرية أخرى ساوت بين الأحياء والأموات في الصون، بل ربما غَلَّبت الأموات على الأحياء في الشأن.

ثم إن الغرب تخير من الأحياء ذوي الدم الأزرق الملوكي فجعل مسهم بسوء ردة وخيانة. ثم إنه كال بمكيالين في حرمة الأموات فأحسن إلى موتى الهولوكوست ورموزها، بينما أنكر على المسلمين رد الغثاثة عن رموزهم التاريخية. لا غلاط أن حرية التعبير مبدأ نبيل. ولكن متى كانت معياراً للغرب -في قول محمد أركون- يقيس به حظه من التحضر من حظنا من التسفل، كف أن يكون مبدأ للإنسانية جمعاء، بل ضرباً من نظرية النشوء والارتقاء من البدائية حتى الحضارة.

إن لم نثقف الاحتجاج بإستراتيجية مزدوجة من نقد معيارية الغرب وموالاة عرض حضارتنا عليه، فتحنا للتطرف باباً يلجه المهان طوعاً. قالت هوندا دياب للأسوشيتد برس في مظاهرة أمام القنصلية الأميركية في سدني بأستراليا: "لقد سقمنا من كل أحد يتخذ حبيبنا رسول الله سخريا" (غلف تايمز 16 سبتمبر/أيلول 2012). والطريق من هذا الهوان على النفس إلى الثأر كيفما اتفق قصير جداً.

فبعد مظاهرة بصنعاء كان حسين جمعة (فني مصاعد) يرفع صورة لزعماء القاعدة بوصفهم من نصروا الإسلام حقاً. وحين سئل عما إن كان ينتمي للقاعدة قال: "يكون لي الشرف لو أنني أنتمي إليها" (الحياة 22 سبتمبر/أيلول 2012).

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك