غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري

تشهد منطقة الشرق الأوسط عملية تفعيل كبرى لمحركات الصراع في داخلها، التي يجري العمل على شحنها وتشغيلها بواسطة المشغل الإيراني، وبتشجيع روسي وخذلان أميركي واضح، وتنتصب في هذه اللحظة التاريخية عوامل التفكك الديمغرافية والجغرافية على وقع ضجيج نهوض المذاهب والإثنيات، فيما يبدو أنه توافق غرائبي مع الرؤى الاستشرافية التي استشرفت مستقبلاً للمنطقة ينبني فوق خطوط الدم، في مهمة أطلق عليها الإستراتيجي الأميركي روبرت كابلان تسمية "انتقام الجغرافيا".

تتولى إيران اليوم الإشراف على جبهة تمتد من صور على البحر الأبيض المتوسط إلى البصرة على الخليج العربي، وتناور لإيجاد مكان لها على البحر الأحمر عبر تدخلها في اليمن

ربيع إيران الإستراتيجي
من المعلوم أن إيران تسعى في هذه اللحظة إلى بلورة مكاسبها الإستراتيجية التي حصلت عليها في العقد الماضي نتيجة متغيرات دولية صبّت أغلبها في جعبة مكاسبها الإستراتيجية، فقد اشتغلت طهران على العبث الأميركي في المنطقة طويلاً، وإذا كان الأميركيون هم من أصلوا للإطار النظري للفوضى في منطقة الشرق الأوسط، فإن إيران اشتغلت عملياً على إفراغ ما في ذلك الإطار من تفاصيل وهندسات، عبر تحويلها إلى حيثيات ووقائع صلبة في المشهد الشرق أوسطي، من خلال اعتمادها على الركائز التي صنعتها وثبتتها على مدار العقود الثلاثة الماضية.

واليوم تتولى إيران الإشراف على جبهة تمتد من صور على البحر الأبيض المتوسط إلى البصرة على الخليج العربي، وتناور لإيجاد مكان لها على البحر الأحمر عبر تدخلها المكثف في المشهد اليمني، فيما يبدو أنه محاولة لربط نفوذها في هذه البحور الثلاثة من خلال اكتساحها للمجتمعات المتشاطئة في تلك المناطق، وتفتيتها عبر موجات هائلة من التصارع الطائفي، تمهيداً لإغراقها في حالات اقتتال أهلية ينتج عنها تدمير الأنسجة الوطنية لهذه المجتمعات، مما يسهل عملية سيطرة إيران على هذا الفضاء الجيوستراتيجي الواسع، الأمر الذي يمهد لتحولها إلى قوة إقليمية ودولية في عملية تحول إستراتيجي كبرى.

خريف الشرق الأوسط
وفي مقابل ذلك، تمر منطقة الشرق الأوسط بأخطر مراحل الصراع السياسي وأكثر درجاته قسوة ومصيرية، فقد بلغت حالة الاصطفاف مرحلة لا يمكن معها توقع إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحدث السوري، كما أن حالة العطب في العلاقات بين المكونات المشكّلة لهذه المنطقة تجاوزت طريق العودة منذ زمن، مما يعني أننا بتنا أمام مرحلة مصيرية وقاطعة مع ما سبقها من تاريخ كانت فيه هذه المكونات تتجمع في أطر سياسية معينة هي في طريقها اليوم إلى التفسخ والانحلال.

لا يمثل ما سبق خلاصات مبكرة لحدث ما زال في طور التفاعل، ولا هو نعي مبكر للدولة الوطنية التي تأسست منذ رحيل المستعمر الأوروبي، بقدر ما هو عمل توصيفي لحالة تجلت على جثث عشرات الآلاف من القتلى، وآلام ملايين النازحين والمفقودين، ولم يعد من الممكن الاختباء وراء إصبع أوهام الوطنية، بينما الطرف الآخر (الأسد ومشغلوه الإقليميون والدوليون) يعملون على تأسيس وطن بديل يتم اقتطاعه من حساب جغرافية الوطن السوري.

وعلى وقع ذلك وفي ظلاله، تعيش الحدود والدواخل في سوريا ولبنان والعراق توترا واستنفارا هائلا، فرائحة البارود بدأت تخرج في أكثر من ثغر على الحدود، كما أن التوتر ما عاد بالإمكان حبسه. وثمة ما يشي بأن المنطقة تسير صوب انفجار عظيم، يكون عنوانه "حرب سنية/شيعية"، فالأزمة السورية فاضت على الحدود بقوة، وتكاد تغطي المناطق المحيطة بها.

التسوية السياسية بشأن سوريا ليست سوى كلام للاستهلاك السياسي يراد منه تكريس التموضعات الجديدة في قلب الأزمة، للانطلاق إلى أفق جديد ومختلف في الصراع

تبدو الأطراف كلها وقد غادرت مرحلة الحذر والتخفي، ففي الوقت الذي بدأ التحرك الإيراني وأدواته في المنطقة (حكومة المالكي في العراق، وحزب الله اللبناني) يأخذ طابعاً علنياً وصريحاً، فإن الطرف المقابل لم يعد يحتاج إلى عمليات تمويه للتعبير عن نفسه، وقد قالتها جامعة الدول العربية بوضوح: "كل دولة تريد تسليح المعارضة السورية فهي حرة في فعل ما تراه مناسباً".

أوهام التسوية
هذا يعني أن التسوية السياسية التي يجري الحديث عنها ليست سوى كلام للاستهلاك السياسي يراد منه تكريس التموضعات الجديدة في قلب الأزمة، للانطلاق إلى أفق جديد ومختلف في الصراع ومرحلة جديدة أكثر دموية وخطورة وتدميراً من كل المراحل التي سبقتها.

ولعل ما يعزز هذا الاحتمال، الإعلان الصريح من قبل الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية نيتها السماح بتسليح بعض كتائب الجيش الحر بأنواع من الأسلحة كالعربات القتالية والأجهزة الذكية، وهو قرار طالما ترددت هذه الأطراف في اتخاذه انطلاقا من حساباتها الخاصة المتعلقة بأمن إسرائيل ومستقبل الأمن في المنطقة عموماً، على اعتبار أن لهذه القوى ملحوظاتها وشكوكها تجاه بعض القوى والأطراف المنخرطة في الثورة.

الغريب أن يتم اللجوء إلى هذه الإجراءات في ظل مناخ سياسي يغلب عليه طابع التفاهم -ولو اللفظي والشكلي- بين الطرفين الأساسيين اللذين يعتقد أن لهما التأثير الأكبر في مجرى الأحداث (الولايات المتحدة الأميركية وروسيا) على ضرورة تطبيق مبادئ وثيقة جنيف التي تم التوافق عليها في صيف 2012، وعطلتها الاختلافات في تفسير بعض البنود وخاصة ما يتعلق منها بدور الرئيس بشار الأسد في الترتيبات اللاحقة.

يؤشر ذلك إلى أن أطراف الأزمة تخوض حرب أوراق وليست عملية سياسية، وأن الارتكاز في هذه الحرب سيكون بالاعتماد على الميدان وما يعززه، كما يعني توسيع هامش المناورة إلى أبعد الحدود، وإعادة خلط الأوراق بطريقة تسمح لكل طرف بتحسين شروطه التفاوضية ومواقعه، وبلورة اشتراطاته على وقع سعير الأزمة ولظى نار المشتعل.

الصراع العبثي
غير أن هذا النمط الصراعي يتضمن في طياته مخاطر عدة لكونه يتيح الفرصة للعبث بأسس التعايش الوطني في هذه البلدان الهشة أصلا، ويقامر بتفكيك الأنسجة الوطنية المضعضعة، كما يترك هذه البلدان مكشوفة أمام كل الاحتمالات السيئة، وهي مغامرة لا يمكن لأي عاقل السير فيها لصعوبة عملية ضبط سيولتها إذا تم تثويرها.

هذا النمط من إدارة الأزمات ليس نمطاً عقلانياً ولا رشيداً، حتى إنه يتميز بطابع لا إنساني، فضلاً عن كونه يحمل مخاطر على الأمن العالمي برمته، إذ لا ضامن لعدم انتقال الأزمة وتوسعها خارج حدود الإقليم، كما أن سياسة ترك الأزمة تتفاعل وفق دينامياتها إلى أقصى حد من شأنها أن تغرق المنطقة والعالم بآثارها المدمرة، ثم مَن يضمن على أنقاض الفوضى الشاملة التي ستخلفها هذه الأزمة إمكانية استمرار الحياة المدنية ومواصلتها في بقعة تتوسط المصالح العالمية وتزنر تخومها الحيوية.

تبدو سياسات إيران وروسيا ذات الطابع الانتحاري واللعب على حافة الهاوية لتحقيق مكاسب على صعيد الدور والمكانة سياسة غير أخلاقية لنهوضها على جثة أوطان

سياسة إغراق روسيا وإيران في المشرق سياسة انتهازية وعاجزة، وفيها الكثير من المغامرة، إذ إنه حتى تتم الاستفادة من ثمرتها، سيتطلب ذلك حصول دمار كبير في منطقة شرق المتوسط والخليج، وفي المقابل أيضاً تبدو سياسات إيران وروسيا ذات الطابع الانتحاري واللعب على حافة الهاوية لتحقيق مكاسب على صعيد الدور والمكانة سياسة غير أخلاقية، لنهوضها على جثة أوطان تم ارتهانها بطريقة أو أخرى لصالح مشاريع هذه الدول.

انتقام السياسة
كل ما في المنطقة يشير إلى تصدع المشرق وما حوله، ما بين المتوسط وبحر قزوين، على ما بشر به يوما رأس النظام في سوريا، ولكن ليس كما يشتهي هو ومشغلوه.

لظى النيران لن توفر إيران وروسيا ولا إسرائيل وتركيا، المنطقة كلها ستعاد صياغتها، ليس وفق ما يشتهي ويرغب أصحاب النظريات الإستراتيجية، ولا مثل ما يبشر به أصحاب نظرية المؤامرة.

الأشباح الطائفية والإثنية خرجت من قماقمها وأعلنت أن هذه المعازل لم تكن يوماً دولاً وطنية، وحدود الدم بدأت ترسم بوضوح في مناطق التماس في أكثر من مكان، هو انتقام الجغرافيا والتاريخ، وبالأصح انتقام من كل السياسات، القومية والدولية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك