صالح النعامي

صالح النعامي

صحفي وباحث فلسطيني

 

دفع أثمان إستراتيجية نيابة عن إسرائيل
التحول في أولويات السياسة الأميركية

الاعتبار الاقتصادي
الدعوات لسياسة انعزالية
التحولات الديمغرافية في أميركا

من يتابع الجدل الإسرائيلي الداخلي يلحظ بوضوح مستوى القلق من إمكانية حدوث تحول سلبي على مسار العلاقة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، في ظل توالي الكثير من المتغيرات التي باتت تدفع مزيدا من النخب الأميركية للمقارنة بين العوائد التي تحصل عليها الولايات المتحدة من العلاقة مع إسرائيل، مقابل الثمن الباهظ الذي تدفعه من أجل الحفاظ على الطابع الحالي لهذه العلاقة.

إن الإسرائيليين يرصدون عدداً من المظاهر التي تعكس تحول كيانهم إلى عبء حقيقي على كاهل الولايات المتحدة، وليس ذخراً لها، كما يسوق حتى وقت قصير.

دفع أثمان إستراتيجية نيابة عن إسرائيل
إن ما يقلق الإسرائيليين بشكل خاص حقيقة تكريس الانطباع داخل الولايات المتحدة بأن واشنطن باتت تدفع أثماناً إستراتيجية نيابة عن إسرائيل، دون أن تقدم تل أبيب أي مقابل يذكر. قد بدا هذا واضحاً بعد تفجر ثورات الربيع العربي، حيث أن دوائر صنع القرار في إسرائيل باتت تطالب الولايات المتحدة بأن توفر الشروط التي تضمن عدم تدهور بيئتها الإستراتيجية، بعد زوال أو تصدع بعض أنظمة الاستبداد العربية التي كانت حافظت على استقرار البيئة الإستراتيجية للكيان الصهيوني، بما يخدم مصالحه.

فعلى سبيل المثال، تطالب إسرائيل بأن تضمن الولايات المتحدة ألا يؤثر سقوط نظام مبارك وفوز مرشح الإخوان المسلمين بمنصب الرئاسة سلباً على التزام القاهرة باتفاقية "كامب ديفيد"، بل وصل الأمر إلى حد أن صناع القرار في تل أبيب يراهنون على أن توظف الإدارة الأميركية المساعدات لمصر في إجبار النخبة الحاكمة في القاهرة حالياً على مواصلة خط الشراكة الإستراتيجية مع تل أبيب.

صناع القرار في تل أبيب يراهنون على أن توظف الإدارة الأميركية المساعدات لمصر في إجبار النخبة الحاكمة في القاهرة حالياً على مواصلة خط الشراكة الإستراتيجية مع تل أبيب

وقد هدفت الزيارات العديدة التي قام بها وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك للولايات المتحدة مؤخراً للضغط على واشنطن لكي تضمن بألا يؤدي أي حل للأزمة السورية إلى تمكين الجماعات الجهادية السنية من الحصول على موطئ قدم في سوريا، في حال تم التخلص من نظام بشار الأسد، وهو ما تعتبره تل أبيب تطوراً يغير بيئتها الإستراتيجية بشكل كارثي.

ولم يعد سراً أن إسرائيل تطالب -عبر القنوات السرية- واشنطن بالتأثير على مجريات الأمور في الأردن، بحيث لا ينجح الحراك السياسي في الأردن في تغيير طابع الحكم هناك بشكل يؤثر على الشراكة الإستراتيجية القائمة والمتجذرة بين الكيان الإسرائيلي وهذا النظام.

ولقد تجندت واشنطن لصالح إسرائيل ومنعت قبول فلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، وتوظف حالياً كل أدوات الضغط السياسي والمالي على السلطة الفلسطينية لثنيها عن التوجه لمحكمة الجنايات الدولية لعرض ملف الاستيطان اليهودي هناك، بعد أن تم قبول فلسطين، كدولة مراقبة في الجمعية العامة.

ولم تتردد إسرائيل في توظيف كل آليات الابتزاز من أجل دفع الولايات المتحدة لتصعيد العقوبات الاقتصادية ضد إيران، من أجل إجبارها على وقف برنامجها النووي. تدرك إسرائيل أن وفاء الولايات المتحدة بهذه المطالب، أو بعضها يتطلب من الأميركيين دفع أثمان اقتصادية وإستراتيجية كبيرة، ومع ذلك فإنها ترفض القيام بالخطوات التي ترى الإدارة الأميركية أنها تساعدها على الوفاء بهذه المطالب، وعلى رأس هذه الخطوات دفع التسوية السياسية للصراع مع الشعب الفلسطيني قدماً.

ليس هذا فحسب، بل إن إسرائيل تحرص على جعل قدرة واشنطن على مساعدتها أمراً بالغ الصعوبة، عبر إصرارها على مواصلة الاستيطان ومشاريع التهويد في القدس وأرجاء الضفة الغربية، بشكل يحرج الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي. ومن الأهمية بمكان التنويه هنا إلى حقيقة أن المطالب الإسرائيلية آنفة الذكر تأتي في ظل تراجع مكانة الولايات المتحدة في المنطقة، كنتاج للثورات العربية وغياب أو تضعضع أنظمة الحكم التي كانت أدوات الضغط الأمريكية ذات قدرة كبيرة على التأثير فيها.

التحول في أولويات السياسة الأميركية
مما لا شك فيه أن ما يفاقم حجم الأعباء التي تفرضها إسرائيل على كاهل الولايات المتحدة أنها تأتي متزامنة مع التحول الذي طرأ على سلم أولويات السياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس باراك أوباما. فمن المعروف أن الولايات المتحدة باتت ترى في منطقة جنوب شرق آسيا الحيز الجيوإستراتيجي الأكثر أهمية بالنسبة لها، والذي يتوجب أن تركز جهودها من أجل منع الصين من الاستحواذ عليه، وذلك حفاظاً على مصالحها الاقتصادية بشكل أساسي.

وقد زادت أهمية هذه المنطقة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الولايات المتحدة. ومن نافلة القول، أن هذا التحول يقتضي أن يتقلص مستوى اهتمام واشنطن بمنطقة الشرق الأوسط، مما يعني أنه عندما تطالب تل أبيب واشنطن بمواصلة تركيز اهتمامها على المنطقة بما يخدم مصالحها فقط، فإن هذا يتناقض مع المصالح الأميركية، وهذا بحد ذاته يعكس حقيقة أن إسرائيل باتت بالفعل عبئا إستراتيجياً على الولايات المتحدة.

إن إحدى القضايا التي باتت تستحوذ على الجدل الإسرائيلي الداخلي، وتغذي القلق الصهيوني بشأن مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة هي التحول الاقتصادي الهائل الذي يحدث في الولايات المتحدة، والمتمثل في ثورة "الغاز الصخري"، والتي من المتوقع أن تضمن للولايات المتحدة اكتفاءها الذاتي من النفط والغاز بحلول العام 2016، أي أن هذا التطور يعني استغناء الولايات المتحدة عن مصادر الطاقة في الشرق العربي.

في حال استغنت الولايات المتحدة عن مصادر الطاقة في العالم العربي، فإن هذا يعني المس بمكانة إسرائيل الإستراتيجية لدى الولايات المتحدة

ولا خلاف في إسرائيل على أنه في حال تحققت هذه التنبؤات، فإنها تعتبر تطوراً إستراتيجياً سلبياً على إسرائيل. وحسب المنطق الإسرائيلي، فإنه في حال استغنت الولايات المتحدة عن مصادر الطاقة في العالم العربي، فإن هذا يعني المس بمكانة إسرائيل الإستراتيجية لدى الولايات المتحدة، ولن تكون ثمة حاجة لدورها كشرطي يعمل لصالح الأميركيين.

وهنا علينا أن نذكر ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون في مقابلة مع قناة التلفزة الأميركية "سي.أن.أن" عندما سئل عن حجم الثمن الاقتصادي الذي تدفعه الولايات المتحدة لإسرائيل. فجاء رد شارون بسيطاً ومباشراً، حيث قال: "إسرائيل هي بمثابة حاملة طائرات ثابتة تعمل لصالح الولايات المتحدة في المنطقة".

الاعتبار الاقتصادي
لقد كانت هذه مفاجأة من العيار الثقيل لأكثر النخب الحاكمة في إسرائيل، عندما طالب السيناتور راند بول بتقليص حجم المساعدات الأميركية للكيان الصهيوني. لم يكن مصدر المفاجأة يعود فقط إلى مجرد أن يصدر هذا التصريح عن مشرع أميركي، بل أيضاً لأنه صدر عن أحد قادة الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ التي تحاول أن تصر في كل مناسبة على التشديد على أهمية الالتزام الأميركي بدعم إسرائيل اقتصادياً وعسكرياً.

وأكثر ما أثار استهجان النخبة الصهيونية حقيقة أن بول اختار أن يعبر عن موقفه في مطلع زيارة قام بها مؤخراً لإسرائيل. إن الحجة التي قدمها بول لتبرير مطالبته تعكس إلى حد ما طابع الجدل الذي يحتدم في الولايات المتحدة حول ما إذا كانت إسرائيل تمثل ذخراً للولايات المتحدة أم عبئا إستراتيجياً عليها. وقد تساءل بول: "كيف بإمكان الولايات المتحدة أن تواصل تقديم الدعم المالي لإسرائيل على هذا النحو، في الوقت الذي تقترض فيه 50 ألف دولار كل ثانية من الصين لسد العجز في موازنتها.

الدعوات لسياسة انعزالية
ويسجلون في إسرائيل بقلق كبير تعاظم الدعوات داخل النخب الأميركية لتبني سياسة انعزالية على صعيد العلاقات الخارجية وانكفاء الولايات المتحدة على ذاتها والاهتمام بشؤونها الخاصة. إن ما يقلق الإسرائيليين بشكل خاص حقيقة أن من يتشبث بهذه الدعوات هي النخب المحسوبة تحديداً على اليمين العلماني في الولايات المتحدة.

ومن الواضح أن تبني هذا النمط من السلوك الإستراتيجي لا يصب في صالح إسرائيل، التي تقتضي مصلحتها أن تواصل الولايات المتحدة دورها واهتمامها بالشأن العالمي، لأنها تستفيد من هذا الدور. إن أكثر ما أثار انزعاج النخب الإسرائيلية في هذا الصدد هو صدور كتاب "القوة الحكيمة"، لمؤلفه تيد كريفنتر، والصادر عن مركز "كاتو" والذي يؤصل لمذهب جديد في السياسة الخارجية الأميركية قوامه: النأي عن الاهتمام بشؤون العالم، علاوة على تضمينه انتقادات حادة لسلوك اللوبي اليهودي، مع العلم أن المؤلف محسوب على نخب اليمين العلماني الأميركي.

إن ما جعل هذه الدعوات تكتسب صدقية بالنسبة للإسرائيليين هو إصرار الرئيس أوباما على تعيين تشاك هاغل وزيرا للدفاع، وهو الجمهوري الذي اتهم بتأييد تدخل أقل للولايات المتحدة في الشأن العالمي، علاوة على تحفظه على فرض العقوبات الاقتصادية على إيران.

التحولات الديمغرافية في أميركا
إن أحد أهم الاستخلاصات المزعجة التي خلصت إليها النخب الإسرائيلية من نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة تقول إن فرص أن يتولى مرشح جمهوري سدة الحكم في الولايات المتحدة مستقبلاً باتت تؤول إلى الصفر، وذلك بسبب التحولات الديمغرافية هناك، والتي تتمثل في الزيادة الكبيرة في نسبة الأميركيين من أصول لاتينية وأفريقية، الذين يعتبرون المصوتين الطبيعيين للحزب الديمقراطي، مقابل تراجع نسبة الأميركيين البيض، الذين يشكلون جل مصوتي الحزب الجمهوري.

يحزكيل درور:
على القيادة الإسرائيلية استغلال ما تبقى للولايات المتحدة من هيبة عالمية، والاستعانة بها في فرض مشروع تسوية للصراع مع الفلسطينيين يضمن مصالح إسرائيل

ويفترضون في إسرائيل أنه كلما خاض المرشحون الديمقراطيون الانتخابات في ظل الإحساس بأنهم سيحققون فوزاً فيها، فإن هذا يقلص من تأثير المنظمات اليهودية على نتائج الانتخابات، ويمنعها من فرض إملاءات مسبقة على المتنافسين. وعلى الرغم من أن الواقع أكثر تعقيداً مما يحاول عدد من الباحثين والكتاب الإسرائيليين تصويره، فإنه مع ذلك يعكس حجم المخاوف التي تعتمل في الذهن الإسرائيلي إزاء مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.

من الأهمية بمكان الالتفات إلى ما كتبه مؤخراً يحزكيل درور، الذي يوصف بأنه "أبو الفكر الإستراتيجي" الإسرائيلي، حيث حذر من التداعيات الكارثية لمظاهر الضعف الأميركي وتقلص اهتمام واشنطن بالمنطقة على مصالح إسرائيل الاستراتيجية، وهو يرى أن على القيادة الإسرائيلية استغلال ما تبقى للولايات المتحدة من هيبة عالمية، والاستعانة بها في فرض مشروع تسوية للصراع مع الفلسطينيين يضمن مصالح الكيان الصهيوني الإستراتيجية.

على الرغم من كل ما تقدم، فإن كل الدلائل تشير إلى أن الواقع الحزبي الإسرائيلي الداخلي، كما أفرزته الانتخابات الأخيرة لا يسمح بتغيير نمط التعاطي الإسرائيلي الحالي، الذي لا يساعد صناع القرار في واشنطن على الدفاع عن منطلقات سياساتها في المنطقة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك