مصباح الله عبد الباقي

مصباح الله عبد الباقي

​أكاديمي وكاتب أفغاني

 

الانتخابات الرئاسية القادمة
أوضاع غير مستقرة
محاولة تأجيل الانتخابات

زار الأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلسي (NATO) أندرس فوغ راسموسن يوم 4/3/2013 كابل برفقة وفد كبير، والتقى بالرئيس الأفغاني حامد كرزاي، وكان الهدف المعلن لزيارته مراقبة سير عملية نقل المسؤوليات الأمنية من قوات الناتو إلى الجيش الأفغاني التي بدأت قبل عام تقريبا.

لكن راسموسن تطرق في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس الأفغاني بعد اللقاء الرسمي إلى قضيتين أساسيتين؛ وهما الانتخابات الرئاسية القادمة في أفغانستان، وتطمين الحكومة الأفغانية بوقوف المجتمع الدولي عامة ودول منظمة حلف شمال الأطلسي مع الشعب الأفغاني بعد 2014 أيضا، ويبدو أن طرح هاتين القضيتين هو الهدف الأساسي للزيارة، ومن هنا سأناقش إحدى هاتين القضيتين في السطور القادمة.

الانتخابات الرئاسية القادمة
من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية القادمة في أفغانستان في الأسبوع الأول من أبريل/نيسان القادم؛ لأن الرئيس الأفغاني الحالي حامد كرزاي سيكمل الدورة الثانية لحكمه الذي طال لاثنتي عشرة سنة، وأكد الأمين العام للحلف الأطلسي راسموسن في المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده في القصر الرئاسي بكابل على ضرورة نزاهة الانتخابات القادمة، وقال: إن إجراء الانتخابات حق مسلم للشعب الأفغاني، لأن أفغانستان دولة مستقلة وذات سيادة، لكنه أضاف: يجب أن تكون الانتخابات القادمة عامة بحيث يشارك فيها جميع فئات الشعب الأفغاني، ويجب أن تكون نتيجتها مقبولة لدى الجميع.

راسموسن:
يجب أن تكون الانتخابات القادمة عامة بحيث يشارك فيها جميع فئات الشعب الأفغاني، ويجب أن تكون نتيجتها مقبولة لدى الجميع

ويبدو من تصريحات الأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلسي، ومن تصريحات وزارة الخارجية الأميركية ومن تحركات السفارة الأميركية والسفارات الغربية الأخرى في كابل، أن الانتخابات الرئاسية القادمة تهم أميركا وحلفاءها الأوروبيين جدا؛ لأن وقت إجرائها يوافق السنة التي أعلنت أميركا والحلف الأطلسي فيها سحب قواتهما من أفغانستان، وتظن أميركا والناتو أن الانتخابات الرئاسية القادمة إذا كانت نزيهة وشارك فيها أغلبية الشعب الأفغاني فسيؤدي ذلك إلى إنهاء الحرب، واستتباب الأمن، واستقرار الوضع في أفغانستان، وسيوفر ذلك فرصة للناتو وأميركا للمضي قدما في خطة سحب قواتهم من أفغانستان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تريد أميركا إجراء انتخابات نزيهة تكون نتيجتها مقبولة للجميع لكي تثبت سلامة قرارها بالتدخل العسكري في أفغانستان عام 2001؛ لأنها أعلنت حينذاك أنها تريد بهذا النوع من التدخل أن تحوّل الدول الفاشلة سياسيا وإداريا واقتصاديا إلى دول ناجحة مستقرة تتمتع بنظام سياسي واجتماعي مستقر، وكانوا يعتبرون أفغانستان مثالا لهذا النجاح.
 
فإذا تمكنت من إجراء انتخابات نزيهة وقبل الشعب الأفغاني كله بنتائجه فستقول للعالم أنها حولت دولة فاشلة إلى دولة ناجحة ذات حكومة منتخبة يقبل بها الشعب الأفغاني كله، لكن كيف يمكن لحالة الفشل التي استمرت إحدى عشرة سنة، والفساد الذي سرى في جميع مفاصل الدولة والمجتمع أن يتحول إلى حالة النجاح والإنجاز بين عشية وضحاها؟! ثم ماذا جنى الشعب الأفغاني من التجربتين الانتخابيتين السابقتين ليشجعه ذلك على تلبية السيد نداء الأمين العام لحلف شمال الأطلسي بمشاركة جميع فئات الشعب في الانتخابات القادمة؟

إلى جانب ذلك السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: ما سر إصرار الأميركان والناتو على إجراء الانتخابات الرئاسية في ظل الانقسام الداخلي؟ هل الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية طريق الوصول إلى الوفاق الوطني وإلى استقرار الوضع في أفغانستان؟ وهل ستتوقف الحرب في أفغانستان بإجراء الانتخابات النزيهة؟

الذي يدركه كل متابع للوضع في أفغانستان أن الإجابة بالنفي؛ لأن الانتخابات يمكن أن تكون وسيلة مثلى لتداول السلطة بين الأحزاب المتنافسة في المجتمعات المستقرة التي تذعن فيها جميع أطراف اللعبة الديمقراطية لقواعدها، وتوجد فيها في نفس الوقت مؤسسات قوية قادرة على إخضاع الخارجين على قواعد اللعبة لسلطة القانون.

أوضاع غير مستقرة
أما أفغانستان فليس الوضع فيها كذلك، فإنها في حالة حرب، وتوجد فيها جماعات مسلحة تقاوم الوجود العسكري الأجنبي ولا تعترف بالنظام القائم ولا تعترف بقوانينها، ولا توجد قوة تقدر على إجبارها على قبول النظام القائم، فإن أميركا وحلفاءها لم يقدروا على ذلك مع استخدام القوة بصورة مفرطة في إحدى عشرة سنة ماضية، فلو أجريت الانتخابات -حتى وإن كانت نزيهة- من سيجبر تلك المجموعات التابعة للمقاومة المسلحة على قبول نتائجها؟ وهذا يعني أن الوضع الأمني والسياسي سيبقى على حاله بعد الانتخابات أيضا، ولن تتغير الظروف كثيرا، ولن يؤدي إلى الوفاق الوطني.

كان الشعب يريد الحد من مشاكله الأمنية والاقتصادية، إلا أن أداء الحكومة في السنوات الماضية، ومن ورائها أميركا والحلفاء، قد أوصل الشعب الأفغاني إلى حد اليأس

ويبدو أن الانتخابات القادمة ستكون أسوأ بكثير من الانتخابات الماضية من حيث المشاركة الشعبية والنزاهة، وذلك لأن الشعب الأفغاني شارك في الانتخابات الأولى مشاركة فعالة وفي جميع المناطق، وضعف إقبال الشعب على الانتخابات الثانية كثيرا، وكان سبب ضعف الإقبال هو الاستياء الشعبي من الفشل الذريع لحكومة كرزاي ومن ورائها أميركا ودول حلف شمال الأطلسي في تحقيق آمال الشعب والحد من مشاكله.

كان الشعب يريد الحد من مشاكله الأمنية والاقتصادية، كما كان يتوقع حسن الإدارة ورشادة الحكم، إلا أن أداء الحكومة في السنوات الماضية ومن ورائها أميركا والحلفاء، قد أوصل الشعب الأفغاني إلى حد اليأس، فإن الفساد الإداري والرشاوي واختلاس الأموال من قبل موظفي الجيش الأميركي وكبار الشخصيات في حكومة كرزاي وصغارهم وصل إلى أوجّه، وأن حكومة كرزاي ومن ورائها أميركا والحلفاءا لم تنجز شيئا في إرساء دعائم الاقتصاد الوطني وإيجاد البنية التحتية، فنظام الزراعة مدمر كما كان، لم يتغير الوضع كثيرا عما كان عليه قبل عشر سنوات.

وتجتاح البلد موجة من البطالة وخاصة في المدن الكبيرة؛ لأن أفغانستان لا تعرف شيئا اسمه الصناعة والمصانع، وخاصة المصانع الكبيرة التي تستوعب أعدادا كبيرة من العمال! ويعيش الشعب الأفغاني على البضائع والسلع المستوردة من الخارج، لا مناسبة بين الاستيراد والتصدير، فقد وصلت الواردات إلى أكثر من ستة مليارات دولار، وأما الصادرات فكانت ما يقرب من ستمائة مليون دولار فقط، وكانت الصادرات عبارة عن الفواكه وبعض الصناعات اليدوية.
 
وأما الجانب الأمني فحدث عنه ولا حرج، فالقتال مستمر لم يتوقف للحظة، ويطلب كل يوم مزيدا من التضحيات من الشعب، ولم تتوصل الحكومة أو لم تحاول أن تصل إلى حل سلمي مع جهات المقاومة المسلحة.. فهل بعد هذا الفشل الذريع تتوقع أميركا والحلف الأطلسي إقبالا كبيرا من الشعب الأفغاني على الانتخابات القادمة؟! ماذا يمكن أن يتوقعه الشعب من الانتخابات القادمة؟ وإذا كان الأمر كذلك -وأميركا والحلف الأطلسي تدرك ذلك- فلم كل هذا الإصرار على إجراء الانتخابات بهذه الصورة؟

يبدو أن هذه الجهات لا تريد حل النزاع وإنهاء المشكلة من جذورها في أفغانستان، وإلا لو أرادت ذلك لسلكت الطريق الموصل إليه، وهو الحوار الحقيقي بين كل الجهات الأفغانية؛ سواء كانت في الحكومة أو كانت في المقاومة، حوار يجب أن توضع فيه كل القضايا الخلافية على الطاولة، وأن يتوصل من خلاله إلى تحديد ملامح النظام القادم وطرق تداول السلطة فيه مع  احتفاظ كل طرف بآرائه الخاصة لنفسه.

فإذا اقتنعت كل الجهات على مبادئ معينة فسينتهي النزاع، وستنتهي الحرب، وبانتهاء الحرب ستنتهي كل المشاكل المترتبة عليها، أما إذا أصرت أميركا أو حلف شمال الأطلسي على إجراء الانتخابات في الوضع الحالي من غير التوصل إلى الوفاق الوطني عبر طاولة الحوار الأفغاني فإن ذلك سيؤدي إلى تأزيم الوضع أكثر من ذي قبل؛ لأن جهات المقاومة سترى نفسها خارج اللعبة السياسية لمدة خمس سنوات قادمة، وسيؤدي ذلك بطبيعة الحال إلى استمرار الحرب، واستمرار الحرب سر جميع مصائب الشعب الأفغاني.

كرزاي حاول بشتى الطرق تأجيل الانتخابات القادمة، ولم يكن غرضه التوصل إلى الوفاق الوطني بل كان يهدف من ذلك إلى تمديد فترة رئاسته

محاولة تأجيل الانتخابات
أود أن أشير هنا إلى أن الرئيس الأفغاني الحالي حاول بشتى الطرق تأجيل الانتخابات القادمة، لكن لم يكن غرضه التوصل إلى الوفاق الوطني -وإن عزف على هذا الوتر أيضا- بل كان يهدف من ذلك إلى تمديد فترة رئاسته، ويبدو أن الأميركان لم يوافقوه على ذلك، ومن ثم يرى المحللون أنه من الممكن الجمع بين المصلحتين؛ مصلحة التخلص من حكومة كرزاي التي أثبتت فشلها في كل المجالات طوال العقد الماضي، ومصلحة الوصول إلى الوفاق الوطني، بالتوصل عن طريق الحوار إلى الاتفاق على حكومة وحدة وطنية تشكلها شخصيات يتفق عليها جميع أطراف الصراع، وتتولى هذه الحكومة بعد ذلك مبادرة الحوار الوطني، وتعديل الدستور بالطرق والوسائل المتفق عليها، وإجراء الانتخابات وفق الدستور، سواء كان النظام رئاسيا أو كان برلمانيا حينذاك.

فإذا سارت الأمور على هذا المنوال يمكن عندئذ إنهاء الحرب عن طريق القضاء على أسبابها، وأما إذا أصرت أميركا ودول حلف شمال الأطلسي على مواقفها الخاطئة، واستمرت في بناء الخطأ على الخطأ فإن ذلك سيؤدي إلى مزيد من التأزيم في الوضع الأفغاني، وبالتالي استمرار الحرب، واستمرار معاناة الشعب الأفغاني التي طالت عقودا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك