خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري

 

مقدمات السلام                     
في الدوافع
عقبات ومشجعات                 

تتجه أنظار الأتراك والأكراد إلى يوم الحادي والعشرين من مارس/آذار الجاري، أي يوم عيد نوروز وهو العيد القومي للأكراد لا للاحتفال به كما في كل سنة، بل ليكون يوما فاصلا في تاريخ الصراع التركي الكردي بعد أن انطلقت عملية السلام في إيمرالي بين حكومة حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان وحزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان.

حيث من المتوقع أن يطلق حزب العمال في هذا اليوم سراح مجموعة من الجنود الأتراك الذين وقعوا في الأسر على أن تطلق بعدها السلطات التركية سراح العشرات من المعتقلين الأكراد، في أول خطوة متبادلة على طريق تحقيق السلام المنشود بين الجانبين بعد عقود من النهج الأمني الذي خلف عشرات الآلاف من القتلى والجرحى في صراع قومي مرير دمر آلاف البلدات والقرى الكردية وزرع الشقاق بين الأتراك والأكراد.

مقدمات السلام 
إضافة إلى قناعة الطرفين التركي والكردي باستحالة حل القضية الكردية في تركيا عسكريا، وبالتالي ضرورة البحث عن حل سلمي لها على أساس تحقيق الهوية للأكراد والاستقرار لتركيا، فإن كل طرف يحاول الاستفادة من المتغيرات الجارية ومناخ ثورات الربيع العربي لتحسين موقفه التفاوضي وترتيب بيته الداخلي من خلال الحوار واتباع قواعد اللعبة السياسية والديمقراطية.

الرغبة والجدية التي يبديها كل من أردوغان وأوجلان تأتيان على خلفية العديد من المعطيات التي تشي بنهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة للقضية الكردية في تركيا

ولعل ما يشجع الطرفين على السير في هذه العملية هو مجموعة من العوامل الخاصة التي تقف وراء رؤية كل طرف لطبيعة القضية الكردية على مستوى التعريف والمطالب والحقوق، فحزب العمال الكردستاني الذي تأسس قبل 36 عاما لم يعد يرفع تلك الشعارات الماركسية المطالبة بتحرير وتوحيد كردستان وإقامة دولة كردية مستقلة في المنطقة بل وحتى المطالبة بالفدرالية، إذ تراجع سقف مطالبه إلى الاعتراف الدستوري بالهوية الثقافية للأكراد وشكل من إشكال الإدارة الذاتية في إطار قانون الحكم المحلي للأقاليم بعيدا عن الصيغة القومية.

في المقابل فإن سياسة تركيا الكردية في عهد حزب العدالة والتنمية شكلت قطيعة تدريجية مع السياسة الكمالية التي قامت على إنكار القوميات غير التركية مثل الكرد والعرب والأرمن ... واعتبار كل من في تركيا هو تركي بالضرورة، وقد راكمت الحكومة التركية سلسلة من الخطوات التكتيكية أدت إلى الانفتاح التدريجي على القضية الكردية إعلاميا من بوابة الإصلاح وتأسيس المقدمات السياسية والاجتماعية اللازمة للانخراط  في حل هذه القضية سلميا دون أن يعني ذلك التخلي عن النهج الأمني باسم مكافحة الإرهاب.

هذا التغير في الرؤية والممارسة لم يكن بعيدا عن تداعيات مرحلة ما بعد غزو العراق عام 2003 وولادة إقليم كردستان رسميا وانعكاس كل ذلك على القضية الكردية بشكل عام حيث تبين لتركيا الطامحة إلى القيام بدور إقليمي أهمية إقامة علاقات جيدة مع الأكراد في عموم المنطقة والتحول إلى دولة مؤثرة، وعليه يمكن القول إن الرغبة والجدية التي يبديها كل من أردوغان وأوجلان تأتيان على خلفية المقدمات السابقة التي تشي بنهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة للقضية الكردية في تركيا.

في الدوافع 
في الواقع، لا يمكن النظر إلى انطلاق عملية السلام التركي الكردي من  إيمرالي بعيدا عن الدوافع والحسابات السياسية للطرفين وتحديدا للزعيمين أردوغان وأوجلان، فأردوغان يريد من وراء هذه العملية تحقيق جملة من الأهداف، لعل أهمها:

1- التطلع إلى تحقيق إنجاز تاريخي، أي نزع سلاح حزب العمال الكردستاني بعدما فشلت المؤسسة العسكرية في القضاء على الحزب عسكريا طوال العقود الثلاثة الماضية، وتحقيق مثل هذا الإنجاز من شأنه تغير وجه تركيا والتخلص من الفكر الكمالي وبناء الجمهورية الثانية الذي عمل من أجلها سابقا عدنان مندريس وتورغوت أوزال، وقد دفع الأثنان حياتهما ثمنا لذلك.

2- إن أردوغان يطمح من وراء ذلك إلى تأمين موافقة حزب السلام والديمقراطية الكردي الذي له 34 نائباً بغية تمرير مشروع الدستور الجديد عبر البرلمان، إذ يحتاج ذلك إلى 367 نائباً في حين حزب العدالة والتنمية له 325، وهو هنا يحتاج إلى أصوات الحزب الكردي سواء لتمرير الدستور عبر البرلمان أو من خلال الدعوة إلى الاستفتاء الذي يحتاج إلى 330 نائباً، وطبعاً هدف أردوغان من وراء الدستور هو الوصول إلى قصر تشانقاي الرئاسي عام 2014 بنظام رئاسي جديد له صلاحيات واسعة.

3- إن أردوغان يريد من وراء خطوة الحل السلمي للقضية الكردية، كسب أكراد المنطقة في العراق وسوريا وإيران.. ولاسيما في ظل علاقاته الإيجابية مع إقليم كردستان العراق والتي وصلت إلى مستوى التحالف، وهدف أردوغان هنا له علاقة بالمتغيرات والتطورات الجارية في المنطقة وبناء تحالفات جديدة لإقامة نظام إقليمي جديد فيها، يكون لتركيا الدور المركزي والمؤثر فيه كما يخطط هو ووزير خارجيته أحمد داود أوغلو.

أردوغان يريد من خطوة الحل السلمي للقضية الكردية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني بعدما فشلت المؤسسة العسكرية في ذلك على مدى ثلاثين عاما

4- إن أردوغان يريد من وراء ما سبق تجنب تركيا ما يمكن تسميته بالربيع الكردي بعدما أكدت مسيرة ثورات الربيع العربي أن لا دولة في المنطقة بمنأى عنها، وبالتالي ضرورة الانخراط في عملية إصلاح حقيقية تفضي إلى تحقيق الديمقراطية وإلا فإن الانفجار قادم.

في المقابل، فإن أوجلان الذي دخل قبل أيام عامه الخامس عشر في السجن يريد أن يكون نيلسون مانديلا الأكراد وتحقيق حلمهم في نيل الحقوق والمطالب ولو على مراحل، كما يريد أن يكون بطل سلام في نظر العالم بدلا من أن يكون مصنفا في خانة الإرهاب، وعلى المستوى الشخصي يريد حريته الخاصة.

من الواضح أن دروب السياسة والتطلعات المتبادلة بين أوجلان وأردوغان باتت كثيرة، دروب فتحت الباب أمام الحل السلمي رغم العقبات الكثيرة.

عقبات ومشجعات                 
في الجانبين التركي والكردي ثمة حمائم وصقور، وثمة من لا ينظر إلى الأمور إلا من منظار مصالحه الحزبية والانتخابية، يضاف إلى ذلك الإرث السلبي للعلاقة بين الجانبين حيث انعدام الثقة بينهما، وعليه يمكن القول إن ثمة عقبات وتهديدات كثيرة تهدد مسيرة السلام التركي الكردي، ولعل من أهم هذه العقبات والتهديدات.

1- رفض المعارضة التركية ولاسيما حزب الحركة القومية المتطرفة للحل السلمي، انطلاقا من قناعته بأن أي اعتراف بالقضية الكردية يعد خيانة للقومية التركية ويفتح الباب أمام تقسيم تركيا، وعليه بدأت الأوساط  القومية التركية تشن حملة غير مسبوقة ضد أردوغان وتدعو إلى محاكمته بتهمة الخيانة، فيما على الجبهة الكردية ثمة قناعة بأن بعض القيادات  العسكرية لحزب العمال الكردستاني غير مستعدة للتخلي عن السلاح حتى لو أعلنت موافقتها على الحل السياسي تلبية لرغبة أوجلان، فهي من خلال الشروط الكثيرة للحوار كفيلة بإفشال العملية السلمية مع الزمن.

2- غياب الثقة بين الطرفين، فالثابت أن لا ثقة بين تركيا وحزب العمال انطلاقا من الإرث الدموي بينهما، فالحكومة التركية تنظر إلى الحزب بوصفه تنظيميا إرهابيا، فيما لا يستبعد الحزب أن يكون هجوم السلام التركي نحو إيمرالي نوعا من المناورة السياسية، سواء لضرب الحزب وتفكيكه، أو لدفعه للتخلي عن تحالفه غير المعلن مع النظام السوري كما تعتقد أنقرة.

3- ثمة قناعة تركية بأن الدول الإقليمية وتحديدا إيران وسوريا -وحتى إسرائيل- لن تتوانى عن محاولة إفشال عملية السلام بين تركيا والأكراد انطلاقا من أن مثل هذا السلام سينعكس في صالح تركيا ودورها ونفوذها في المنطقة.

في مقابل هذه العقبات، ثمة عوامل مشجعة لحل القضية الكردية سلميا، إذ ليس خافيا على أحد أن قيادة إقليم كردستان العراق باتت طرفا مباشرا في هذه العملية، فالحزبان الكرديان الرئيسيان، أي الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم مسعود البارزاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي جلال الطالباني يقومان بدور الوساطة بين الجانبين وتقديم التسهيلات اللازمة للجمع بينهما وكذلك تقديم ما يشبه الأفكار والضمانات، حيث لقيادة الإقليم علاقة جيدة بالطرفين.

تسوية القضية الكردية في تركيا باتت أكثر من قضية ملحة لصانع القرار التركي، لا لوقف مسيرة القتل والدم فحسب، بل لتحقيق رؤية تركيا المستقبل

في الواقع، من الواضح أن تسوية القضية الكردية في تركيا باتت أكثر من قضية ملحة لصانع القرار التركي، لا لوقف مسيرة القتل والدم فحسب، بل لتحقيق رؤية تركيا المستقبل، فدون إيجاد حل لهذه القضية لا يمكن تحقيق الأمن والاستقرار والسلام الداخلي والنهوض الاقتصادي الشامل في البلاد  حيث تشير التقارير التركية إلى أن تكلفة الحرب ضد حزب العمال الكردستاني منذ عام 1984 بلغت أكثر من خمسمائة مليار دولار.

الثابت أن انخراط الحكومة التركية في مفاوضات مباشرة مع أوجلان دليل على توفر القناعة بأهمية حل هذه القضية سلميا لأسباب داخلية وخارجية، وعليه، فإن الامتحان المشترك أمام أردوغان وأوجلان هو في نزع الألغام التي تعترض تحقيق التسوية السلمية، ولعل هذا ما يفسر طرح سيناريو السلام على شكل عدة مراحل متدحرجة، على أن يتم خلال كل مرحلة إنجاز مجموعة من الخطوات التي تسهم في تكريس الثقة وإيجاد آليات سياسية وبرلمانية وحزبية  لتنفيذ هذه المراحل مرحلة مرحلة وصولا إلى نزع سلاح الكردستاني والانخراط في الحياة العامة التركية، مع الإشارة إلى أن قضية السلاح بالنسبة للكردستاني قضية إستراتيجية.

دون شك، يريد أردوغان من أوجلان تلك الكلمة السحرية التي تدفع بالمقاتلين الأكراد من حزبه إلى ترك السلاح والمساهمة الكردية في تمرير الدستور الجديد، فيما يريد أوجلان منه كسر جدران إيمرالي ليكون حرا ومنتصرا في هيئة مانديلا الكرد، ويتوج ذلك بحل سلمي للقضية للكردية يعيد صوغ السياسة والجغرافية كرديا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك