عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

محطات أميركا التقسيمية
الوحدة العربية حتمية
الوحدة العربية تجسد المصلحة
التدرج في الوحدة العربية
عناصر قوة الوحدويين
وَهَم الوحدة

تطل علينا تقارير حول تقسيم البلدان العربية بين الحين والآخر، وتنشط وسائل الإعلام العربية بنقل تفاصيل الخطط الشيطانية أو الجهنمية التي تدبرها الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة بهذا الخصوص.

تروي لنا وسائل الإعلام العربية كيف سيصبح الوطن العربي قرابة خمسين دولة بدل العدد غير المتواضع الموجود حاليا، وكيف سيكون لكل طائفة ومذهب وقومية وجهة وقبيلة وحزب ومنظمة دولتها الخاصة، وكيف ستكون الهيمنة الأميركية عليها مطبقة وشاملة.

يصعب جدا مع أحاديث التقسيم أن نسمع أحاديث الوحدة. لماذا يتم التعامل مع أنفسنا على أننا مجرد موضوع، ومجرد مفعول به ومطية، ولا يخطر على بالنا -إلا ما ندر- بأننا فاعل لا مفعول به؟ لماذا تخطط أميركا لتقسيمنا، ولا نخطط نحن لأنفسنا الوحدة؟ تستنفر وسائل الإعلام العربية إذا كتب أميركي حول تقسيم العرب، لكنها لا تلقي أذنا إذا كتب عربي حول وحدة العرب وإصرارهم على إفشال المخططات الأجنبية. أنا عربي أكتب عن مخطط توحيد العرب، فهل من وسائل إعلام غير الجزيرة نت ستسهب في نقل ما أرى؟

محطات أميركا التقسيمية
أميركا ليست مهتمة بتقسيم كل البلدان العربية وإعادة ترتيبها بعد ذلك بالطريقة التي تخدمها، فهي بصورة عامة تهيمن على الوطن العربي الآن، رغم وجود بعض المناطق التي لا تدين لها بالولاء والطاعة، وهي ليست بحاجة إلى تقسيم بلدان ستعكر عليها صفو هيمنتها.

أميركا مهتمة بالترويج لفكرة التقسيم من أجل تعميق مشاعر التفرق بين مختلف الفئات العربية والمذاهب الإسلامية

فمثلا، ما هي مصلحة أميركا في إعادة تقسيم الجزيرة العربية وإقامة دولة شيعية على السواحل الغربية للخليج؟ ألا يرى المعلقون السياسيون أنها بذلك ستلحق ضررا بهيمنتها، وبأمن النفط الذي تحرص على احتكاره لنفسها؟ هل لديها الاستعداد لفتح المجال أمام تزايد النفوذ الإيراني عبر إقامة دولة شيعية في غرب سوريا، وزيدية شمال اليمن، وسنية غرب العراق؟

أميركا مهتمة بتقسيم السودان مثلا لأن وحدة أراضيه تشكل رصيدا إستراتيجيا اقتصاديا للأمة العربية، وربما تشكل مركز تعاون عربي صيني واسع. وربما تكون معنية بفصل كردستان عن العرب لما تحويه المناطق الكردية من ثروات في منطقة الجزيرة السورية ومنطقتي كركوك وشمال شرق الموصل العراقيتين.

لكن أميركا مهتمة أيضا بالترويج لفكرة التقسيم من أجل تعميق مشاعر التفرق بين مختلف الفئات العربية والمذاهب الإسلامية. ويلاحظ المواطن العربي أن حديث الوحدة غائب عن الساحة لصالح حديث التفرق والتمزق، وأن الوعي العربي يتقولب تدريجيا وبصورة مكثفة لتقبل فكرة التقسيم وفرط العقود، ليكون جاهزا من الناحية النفسية والمادية لحمل السلاح في وجه أخيه العربي، أو أخيه العربي المسلم.

العديد من الدول الاستعمارية ومعها إسرائيل لا تريد استقرارا في المنطقة العربية إلا ذلك الذي يؤمّن لها مصالحها واستمرار هيمنتها. ليقتتل العرب فيما بينهم، وليقتتلوا أيضا مع جيرانهم الإيرانيين والأتراك والتشاديين والإثيوبيين، لأن في ذلك ما يبقيهم متخلفين وضعفاء مطية للآخرين.

الوحدة العربية حتمية
لماذا لا تكون الجدلية كالتالي: يعاني العرب من ضعف في مختلف مجالات الحياة، وهم يئنون تحت وطأة الهيمنة الغربية والاستهتار الإسرائيلي، ولا يتمتعون باحترام دولي. ويعانون أيضا من التخلف وضيق الحال والفقر وسوء الحكام وقهرهم، ومن تفرق دموي وخصومات فيما بينهم تتطور أحيانا إلى حروب. وإذا نظروا إلى الأمم، وجدوا أنفسهم في أسفل قائمة الإنجازات الإنسانية والعلمية والتقنية، وأحنوا رؤوسهم أذلاء وهم يستجدون الآخرين للبحث عن حلول لهمومهم ومشاكلهم وصراعاتهم. ألا يشعر العرب بالخزي وهو يرى أن الدول تفكر بالنيابة عنهم، وتتداول مشاريع تقرير مستقبلهم ومصيرهم؟ ألا يشعر العربي بأن الإهانة تلاحقه في أغلب أماكن تواجده، وأن هامته تبقى دون هامات أبناء الأمم الأخرى؟ ألن يقرر في النهاية الثورة على واقعه؟

إذا كانت الدولة القطرية قد فشلت في توفير الطمأنينة للعربي، فهل ستوفره إقطاعية شيعية أو سنية أو زيدية أو وهابية أو عدنانية أو قحطانية؟

من الناحية التاريخية، لا تبقى الأمم العظيمة كالأمة العربية ذليلة مهانة، بل تنهض من الركام وتستجمع قواها وتثأر لنفسها وتقرر السير في طريق التقدم والبناء. هناك أمم انقرضت إلى حد كبير مثل الهنود الحمر، لكنها لم تكن أمما كبيرة أو عظيمة ذات حضارة وتاريخ زاخر بالإنجازات، والأمة العربية ليست مرشحة للذوبان أو الزوال.

الأمم كالأفراد أو كالشعب المقهور الذي سيثور لا محالة على حاكمه الظالم مهما طال الزمن. وهناك كل سبب يدعو الأمة العربية للثورة على الهيمنة الخارجية وعلى التمزق الداخلي وإعادة بناء نفسها من جديد. أهل الغرب أذلوا العرب ونهبوا ثرواتهم، وما زالوا يجثمون على صدور الأمة ماليا وثقافيا وفكريا وأمنيا وعسكريا واقتصاديا، والتمزق الداخلي ما زال يتغذى على مقدرات الأمة وطموحاتها ومستقبلها ومصير الأجيال القادمة. حفنة من الحكام يقيمون الظلم والاستعباد والطغيان، ويسوقون الأمة إلى لجج الشهوات والتبذير والصراعات الداخلية، وطغم دينية فاسقة لا ترى العالم إلا من خلال المذهبية والطائفية والقبلية المقيتة.

إذا كان العقل قد فشل في توحيد العرب، فاستمرار سقوط المصائب على رؤوسهم قد يوحدهم، بل سيوحدهم. الشعور بالظلم على المستوى الشعبي قوي، وهو تدريجيا يولد الوعي بسوء الوضع القائم، والذي سيتولد في النهاية إلى وعي عملي يترجم الطموحات إلى واقع. لم تكن الدولة القطرية يوما طموحا للشعوب العربية، وإنما كانت مجرد إقطاعيات منحها الاستعمار لحكام قبليين لا يرون أبعد من أنوفهم، وها هي الدولة القطرية تتهاوى، وتتفسخ شعوبها، وينزف الدم العربي في الشوارع.

فإذا كانت الدولة القطرية قد فشلت في توفير الطمأنينة للعربي، فهل ستوفره إقطاعية شيعية أو سنية أو زيدية أو وهابية أو عدنانية أو قحطانية؟ سيجد العربي أن مستقبله مرتبط بقوته، ولا قوة له إلا بالجماعة، أي بالوحدة العربية. لا مكان للصغار في هذا العالم، وكل عاقل في هذا العالم يعمل على التجميع لا التفريق، ولن يشذ العرب عن هذه القاعدة.

الوحدة العربية تجسد المصلحة
بعيدا عن فلسفة التاريخ، هدر الكرامة وحمام الدم يولّدان التفكير بالحلول، والعرب دفعوا كرامتهم وعزتهم، وهانت عليهم دماء أبنائهم، وأكل التخلف من جنباتهم، لكن مفكريهم ليسوا في أبراج عاجية ينظرون من بعيد. أقلام المفكرين ليست عبثا، ولا تتهاوى أمام البنادق والرصاص، وأثبت التاريخ أن الكلمات أشد وقعا من المدافع. هناك في الوطن العربي من يبحث عن حلول للأمة، وقد لا يكون لكلامهم صدى الآن، لكن المستقبل لهم، ولا بد في النهاية للأحزان أن تستقدم العقول، ولأصحابها أن يهدؤوا باحثين عن حلول.

إذا كانت العقائد والقوميات والمذاهب والطوائف قد فشلت في صناعة حلول لتحقيق حياة عربية هادئة، فلا بد أن يكون نفيها هو البديل، وهذا النفي لا يتجسد في الهروب منها والانغلاق الذاتي ضمن المذهب أو الطائفة، وإنما في الوحدة. الهروب نحو التقسيم يفاقم الأزمات ويرفع من وتيرة الأحزان لأن الاقتتال سيبقى مستمرا والهيمنة الخارجية ستصبح أكثر اشتدادا، والمصلحة الواعية تقتضي حلولا عقلانية تقوم على أنقاض التعصب الأعمى والأحقاد والكراهية.

التدرج في الوحدة العربية
من الصعب جدا إقامة وحدة عربية على اتساع الوطن العربي بدون تدرج لأسباب عديدة اقتصادية واجتماعية ومالية.. إلخ، لكن يمكن أن تبدأ الوحدة بالتكتلات التالية:

الحكام العرب لا يريدون الوحدة لأن كل واحد منهم فرح بالنصيب الذي يجثم عليه, ولهذا مطلوب حملات توعية واسعة النطاق لصناعة تيار قوي يواجه تيارات التجزئة

1- وحدة أرض الشام والرافدين، فوحدة سوريا أمر ملح بسبب ما تتعرض له بلاد الشام من مخاطر وحروب وآلام، ولا بد من تكاملها مع أرض الرافدين لتصنعا معا دولة قوية مزدهرة قادرة على بناء مستقبل، وعلى مواجهة إسرائيل. ولهذا مطلوب من مفكري ومثقفي ووسائل إعلام الشام والعراق رفض اتفاقية سايكس بيكو والتأكيد على وحدة الهلال الخصيب.

2- وحدة الجزيرة العربية ومعها جزر القمر، وفق معايير سياسية حديثة تحرر العربي من القبيلة.

3- وحدة وادي النيل والصومال لحماية الموارد المائية والاقتصادية، وللقضاء على حركات الانفصال والتقسيم.

4- وحدة المغرب العربي الذي يشكل المساحة العربية الأوسع.

يصار بعد ذلك إلى وضع إستراتيجية وحدوية يتم تنفيذها تدريجيا وبخطى ثابتة لتحقيق وحدة شاملة.

الحكام العرب لا يريدون الوحدة لأن كل واحد منهم فرح بالنصيب الذي يجثم عليه. ولهذا مطلوب من وسائل الإعلام العربية المستقلة والمثقفين والمفكرين والأكاديميين القيام بحملات توعية واسعة النطاق لصناعة تيار قوي يواجه تيارات التجزئة.

والسؤال المطروح أمام كل هؤلاء هو: لماذا يستطيع بعض المتشنجين من الحكام الظالمين ورجال الدين الفاسقين جرّ الأمة إلى الاقتتال، بينما لا يستطيع عشرات الآلاف من المثقفين والمؤمنين بوحدة الأمة إقناعها بالعمل معا من أجل الجميع؟

عناصر قوة الوحدويين
فكرة الوحدة العربية ليست معزولة ولا هي بدون مدافعين وراغبين في التضحية من أجلها، وهي تكتسب قوة من العناصر التالية:

1- هناك وسائل إعلام عربية لديها الاستعداد لتبني فكرة الوحدة بوضوح، حتى لو غضبت منها أنظمة عربية قائمة.

2- هناك من أبناء الأمة -وهم بالملايين- من لديهم الاستعداد لمواجهة التعصب القومي والمذهبي، ووقف المتعصبين عند حدهم وتحجيمهم. وهناك مسلمون غير متشنجين ولا متعصبين، ولديهم القدرة على تقديم الإسلام بوجهه الجميل القائم على الإيمان والدافع باتجاه الإنجاز والتقدم.

3- لا تخلو الساحة العربية من قوى وتجمعات وأحزاب قومية وإسلامية مستعدة للدفع باتجاه الوحدة، واللجوء إلى أساليب التفاهم والحوار والمنطق العلمي في إقامة الحكم، وترتيب العلاقات العامة في المجتمعات العربية.

4- منطق الوحدة يتغلب دائما على منطق التفريق، وسيجد ساحات عربية فسيحة تتقبله وتتبناه، شريطة أن يكون بمنطق عملي مختلف عن المنطق الذي تبنته الفئات القومية والإسلامية حتى الآن. قيادة المنطق يجب أن تكون عملية تعكس هموم وتطلعات الأمة، لا متبجحة متعالية كاذبة.

لماذا يمكن أن يحقق الأميركيون مخططاتهم في تقسيم المُقسّم العربي، ولا يمكن لنا كأبناء أمة عربية أن نكون الفاعلين المتغلبين على كل المشاريع الخارجية؟

وَهم الوحدة
سيقول بعضهم بوهم الوحدة العربية وبرومانسية الكاتب، وسيقول البعض إن فكرة الوحدة اندثرت، ومجرد الحديث عنها عبارة عن خيال. لكن عليهم أن يتذكروا أن ألمانيا كانت ممزقة، وكذلك إيطاليا، وأن يتذكروا أن حروب الداخل الأميركي حصدت مئات الآلاف من الأميركيين، لكن أميركا أصبحت الولايات المتحدة.

نحن سنحقق ما نصبو إليه إذا صممنا عمليا على ذلك، وكلمة "مستحيل" لا يتعاطى معها إلا من اختاروا الاسترخاء.

ثم لماذا يمكن أن يحقق الأميركيون مخططاتهم في تقسيم المُقسّم العربي، ولا يمكن لنا كأبناء أمة عربية أن نكون الفاعلين المتغلبين على كل المشاريع الخارجية؟ نحن سنهزم المشاريع التقسيمة بغض النظر عن مهندسها، وستتحقق وحدتنا بإرادتنا الحرة، وشكرا لكل من يمكن أن يعيننا في ذلك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك