​عمر محمـد ورسمة

​عمر محمـد ورسمة

 

انتهاكات جاريسا وإيسلي
عوامل التصعيد

مؤشرات الفترة القادمة

تصدرت حالة "العنصر الصومالي" ساحة الأحداث السياسية والمجتمعية في كينيا على مدى العامين الأخيرين بشكل متصاعد ولافت للأنظار، بدءًا من تورّط كينيا في المنزلق الصومالي أواخر 2011، والتفجيرات المتعاقبة التي هزت الأمن الكيني، ومرورا بانتهاكات الشرطة الكينية ضد الصوماليين في  جاريسا كبرى مدن الإقليم الشمالي الشرقي في كينيا وحي إيسلي في العاصمة نيروبي، ثم الخلافات السياسية المبكرة بين كينيا والحكومة الصومالية التي تجري حلقاتها في ظل وجوم سياسي متبادل، ووصولا إلى انسحاب تلك المؤثرات مجتمعة على ملف اللاجئين الصوماليين في كينيا الذين يناهزون ثلثيْ مليون تقريبا.

وعلى خلفية تلك الأحداث المتراكمة، أضحى الصوماليون بشقيهم (مواطنين/لاجئين) العنصر الأكثر تضرّرا ومعاناة في كينيا منذ مطلع 2012، وأصبح ملفهم بالتالي مسرحا للصراعات السياسية التي تخيم على الساحة الكينية بين يديْ موسم الانتخابات المقرر في مارس/آذار القادم، والذي يسوده التوجس والخوف، بعد سيناريو 2007 الدّموي.

والسؤال المطروح الآن هو: إلى أين يتجه ملف الصوماليين في كينيا؟ ومن يقف وراء تصعيده؟ وهل سيكون مسرحا للتصفيات الانتخابية الرهيبة التي تجري في كينيا؟ أم ما زال بالإمكان تدارك الوضع ومعالجة تبعاته واجتيازه بسلامة؟

هذه الأسئلة تبدو معقدة إلى حد كبير، في ظل تصاعد الأحداث وتقاطع المصالح في هذا السياق، وظهور إخفاق الحكومة في إنتاج معادلة ناجعة لهذا الملف، وارتباكها الشديد في التعاطي معه.

انتهاكات جاريسا وإيسلي
في البداية تجدر الإشارة إلى أن معاناة الصوماليين من اعتداءات الجيش الكيني تمتد على مدى العقود الخمسة التي مرت على ضمّ الإقليم الصومالي إلى كينيا في 1963، فهي من هذا المنظور ليست جديدة، إلا أن المدهش في شأنها أنها ما زالت محتفظة بنفس الوتيرة من الصرامة والوحشية التي انطلقت بها منذ ما يقارب نصف قرن، وذلك على عكس النتائج المتوقعة من تطورات الجالية الصومالية على طول تلك الفترة، وارتفاع مؤشر تمثيلها في المجتمع الكيني.

وهذا أمر غريب ومثير للتساؤلات، خصوصا على ضوء ما حدث في عاصمة الإقليم الصومالي جاريسا نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حيث حُصدت الأرواح، وأُحرق السوق المركزي في المدينة على يد الجيش الكيني، ثم كانت انتهاكات الشرطة في منطقة إيسلي ذات الأغلبية الصومالية في العاصمة نيروبي، حيث تعرض الشعب لصنوف التعذيب والنهب في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2012.

لا يزال الجيش يتمسّك بالعنف كوسيلة وحيدة للتعامل مع العنصر الصومالي، إلى حدّ جعل التحليلات متركزة حول وجود سياسة تهجير مُحكمة ضد الصوماليين في كينيا

وبطبيعة الحال، لا غرابة في توغّل قوات الأمن في منطقة مشتبه بها، وقيامهم بما يلزم قانونيا لملاحقة مشتبهين ومثولهم أمام القضاء؛ إلا أن الغريب في الأمر هو ما أصبح معتادا لدى الشرطة الكينية من توجيه ضربة عشوائية إلى كل الصوماليين عقب كل حادثة تفجيرية دون تمييز، وإحراق المتاجر والبيوت، وزجّ بآلاف الأبرياء في السجون، وابتزاز البعض الآخر ونهب ممتلكاتهم تحت طائلة السلاح والتهديد.

وتلك العمليات -على عمقها الإنساني- تحمل في طياتها مخاطر جسيمة تنذر بتفكك المجتمع الكيني، وسحب بساط الثقة عن الحكومة والجيش ووضعهما في موضع المواجهة، لاسيما وأن الضربة توجه إلى مكوّن مهمّ من مكوّنات المجتمع الكيني.

فالصوماليون اليوم في كينيا ليسوا رقما يستهان به كما كان الأمر من قبل، بل يشكّلون إحدى القوميات الرئيسية وفق تعداد 2011، هذا طبعا إلى جانب حضورهم الواسع في الحياة السياسية والاقتصادية، وتمثيلهم الحيوي في وسط الجالية المسلمة التي تقدر بـ35%.

ومنطقيا، كان من المفترض أن تشكّل تلك الأهمية رصيدا لحماية مصالح الصوماليين في كينيا، ودافعا لاستثمارهم في تحقيق تعايش سلمي بين شرائح المجتمع، إلا أن الواقع يبرز على العكس من ذلك تماما، إذ لا يزال الجيش يتمسّك بالعنف كوسيلة وحيدة للتعامل مع العنصر الصومالي، إلى حدّ جعل التحليلات المتركزة حول وجود سياسة تهجير مُحكمة ضد الصوماليين في كينيا مستساغة عند الكثيرين، وأعاد إلى الذاكرة في ذات الوقت مجازر الجيش الكيني في الإقليم الصومالي التي كانت أكثرها وحشية مجزرة "واجالا" الدموية في فبراير/شباط 1984، والتي لم يخضع مرتكبوها للمساءلة والمحاكمة حتى اليوم.

إلا أن تلك المجزرة -وعلى ضوء ما سبقت الإشارة إليه من انخراط الصوماليين في المجتمع الكيني- تظلّ مع عمقها الإنساني الواسع -أكثر من 400 شخص جراء التعذيب والجوع والعطش- أخف وطأة بكثير من عمليات جاريسا وإيسلي التي وجهت إلى الصوماليين الكينيين بعد أن قطعوا شوطا بعيدا في التوغل في المجتمع الكيني، وأسهموا بشكل فعّال في نهضة البلاد، واستغرق تجارهم العائدون من الغربة في استثمار الأسواق والعقارات والتعليم والصحة وكافة المجالات الحياتية بشكل كبير.

وعموما فإن تلك العمليات -وبعيدا عن صداها الإنساني في الوسط الصومالي- كانت من دون شك ثلمة جديدة في الملف الأمني المتأجج في كينيا، إذ لم تعد بعدها تلوح في الأفق مؤشرات حل أمني تقام تحت ظلاله انتخابات حرة وآمنة، مع استمرار العدّ التنازلي لانطلاق الانتخابات الرئاسية المقررة في 4 مارس/آذار القادم، وهو ما يلخص مؤشرات صفحة من الاضطرابات ستقدم عليها كينيا، خصوصا إذا استمرّت العمليات التعسفية، وضعف التنسيق بين السلطات الأمنية، ومراهنة الحكومة على حسم عسكري منوط بعمليات الشرطة الارتجالية.

عوامل التصعيد
على ضوء معطيات الأحداث، هناك عدة عوامل تدفع تصعيد قضية الصوماليين في كينيا إلى الأمام، وترشّحها للتفاقم في المدى المنظور، وتشكّل بالتالي خطرا محدقا على مصالح الصوماليين في كينيا، وعلى الأمن القومي الكيني على حدّ سواء، ومن أهمها ما يأتي:

1- الحرب المعلنة بين حركة الشباب المجاهدين والحكومة الكينية: وقد جرت العادة على ربط جميع التفجيرات بهذا العامل، بوصفه الجزء الوحيد المعلن من أطراف التصعيد، وهو أمر مدعوم أيضا بواقع تهديد الحركة العلني بالهجوم على أهداف عسكرية وغير عسكرية في كينيا، ونجاحها في تجنيد كينين من أصول مختلفة لتنفيذ مشروعها بالنيابة، وتوجّهها إلى حرب العصابات بعد خسارتها مدينة كسمايو الإستراتيجية وعدّة مدن في الجنوب على يد الجيش الكيني.

نتائج التوسع الديمغرافي الذي حققه الصوماليون أثار حفيظة الكثيرين، وأثار التساؤل عن المركز الذي سيتبوؤه العنصر الصومالي في التعداد القادم

ولكن إذا سلّمنا بوجود دور لحركة الشباب المجاهدين فعلا في تدبير تلك العمليات التي تدفع ملف الصوماليين إلى الأسوأ -وهو ما لا يحتاج إلى برهان- فإنه يبقى هضم انفرادها بالملعب وصياغتها مجريات الأحداث دون مشارك أمرا في غاية الصعوبة، لاسيما وأننا إزاء مرحلة معقدة يظهر فيها تداخل الأطياف، وظهور بوادر المعارضة ضد الحكومة (ظهر خلال أشهر -وفي محافظة واحدة- حركتان تدعو إحداهما للجهاد ضد الحكومة، وتدعو الأخرى إلى الانفصال)، وهي أمور تزيد توقعات ضلوع أطراف كثيرة في التفجيرات، في حين يدفع الصوماليون ثمنها -مهما كلّف- على غرار ما حدث في جاريسا وإيسلي الذي سبقت الإشارة إليه.

2- حسابات التركيبة الديمغرافية: وتعود إلى نتائج التعداد السكاني في كينيا 2011 التي باتت مثار جدل في أوساط الشعوب الكينية، وذلك بعد ظهور النمو السكاني المفاجئ للجالية الصومالية (من 900 ألف، إلى مليونين ومائتيْ ألف) في غضون عشرة أعوام.

وقد أثارت تلك المعطيات التوجّس من توسع ديمغرافي صومالي سيؤدي إلى صوملة قادمة على كينيا في العقود القادمة، من خلال النمو السكاني المطّرد بسبب التعدد وكثرة الولادات. وهما عاملان لا يتوافران للقوميات التي تعتقد أنها السكان الأصليون للبلاد.

ومع عدم إمكانية الجزم بإسهام العامل العنصري في هذا المسار، فمن المؤكد أن نتائج التوسع الديمغرافي الذي حققه الصوماليون أثار حفيظة الكثيرين، وأثار التساؤل عن المركز الذي سيتبوؤه العنصر الصومالي في التعداد القادم إذا احتفظ بهذا المستوى من النمو.

ولعل هذا تحديدا هو ما ترك المجال مفتوحا للتحليلات التي تفترض تورّط جهات مختلفة في فبركة الانفجارات وتسجيلها على حساب الصوماليين، لاعتبارات عرقية ترمي إلى تسويد صفحة الصوماليين، وإحراج موقفهم، وإلصاق التهم بهم، وبث روح العداء لهم في كافة الأعراق والمدن، وصولا إلى تقليل فرصهم في التقدم والتوسع العمراني والاقتصادي، وهو ما كان ينبغي ألّا يرد في بلد مثل كينيا الذي تعيش فيها عشرات القوميات، لما يحتمل من تسلّل تلك الفكرة واتّساع دائرتها وانتقالها إلى أوساط وقوميات أخرى.

3- السباق الانتخابي: يُتوقع أن ينسحب على مكونات كثيرة في المشهد الكيني، ما دامت الغاية تبرّر الوسائل في عالم السياسة حسب ما هو معتاد في العالم الثالث، وفي أفريقيا بشكل خاص.

وفي هذا السياق، يقوى الظن بورود توظيف القلاقل الأمنية كضربات استباقية للانتخابات في محاولة لإحراج الأمن، وتهييج الشعب نفسيا، وتشتيت ذهنه، وعرقلة التعبئة الانتخابية، لاسيما في الدوائر والمحافظات المحورية في ترجيح المعادلة الانتخابية، ومن أهمها الإقليم الصومالي، إذ يعوّل عليه أحد المنافسين الرئيسيين (الحركة الديمقراطية البرتقالية) في فوزه بالانتخابات، من منظور التكافؤ مع "التحالف الوطني" في أغلب المحافظات، وحيازة القدح المُعلى في الإقليم الصومالي، وفي مناطق المسلمين بشكل عام. وهذا بدوره يعزز تدخّل العامل السياسي في استثمار التوتر الأمني لصالح الانتخابات، في بلد لا يُستبعد ورود عمليات الإجرام فيه مقابل الرشا ولقمة العيش.

ولعل مما يجعل الريب في هذا الصدد مسوّغا، سريان التفجيرات في المشهد الكيني في متاهات المجهول، وعدم انفراط عقد أي واحدة منها، وهو ما يمكن أن يصدق على بلد مثل الصومال الذي لا يمتلك أجهزة أمنية، بينما لا يمكن أن يصدق على بلد مثل كينيا التي يقارب عمر جهازها الأمني نصف قرن تقريبا؛ هذا إذا لم يكن الجهاز الأمني ذاته شريكا في تمريرها لحسابات سياسية.

يتحتم على الحكومة الكينية أن تدرك أنّ تصاعد الملف الصومالي سينعكس على مختلف الأصعدة الأمنية والسياسية والاقتصادية في البلاد

مؤشرات الفترة القادمة
من خلال قراءة تلك الأحداث التي باتت كينيا في ظلها من قائمة المناطق الساخنة في أفريقيا، والتطورات السريعة في الملف الصومالي بالتحديد، يظهر بقوة أنّ ملف الصوماليين في كينيا يواجه مرحلة حرجة إلى حدّ كبير، كما أن كينيا هي الأخرى تقف أمام اختبار صعب في تدارك الوضع، واحتواء الملف الأمني؛ إذ لا تساورنا الشكوك في استحالة بقاء الحال على ما هو عليه الآن مع استمرار العدّ التنازلي لموعد الانتخابات من جانب، واستمرار التصعيد ضد الصوماليين والقلاقل الأمنية من جانب آخر.

ومن هنا، يتحتم على الحكومة الكينية أن تدرك أنّ تصاعد الملف الصومالي سينعكس على مختلف الأصعدة الأمنية والسياسية والاقتصادية في البلاد، وهو ما يفرض عليها البحث عن معادلة مقنعة تسهم في تهدئة الأوضاع وامتصاص الغضب الشعبي الموروث من انتهاكات الجيش في جاريسا وإيسلي، والتي قد تضفي على الملف -إذا تكررت- مسحة من التعاطف والتضامن في وسط الجالية المسلمة، وتبلور له بالتالي بعدا إيديولوجياً أوسع يمسّ شرائح المجتمع المسلم في كينيا، ويُعبَّر عنه -على الأقل- بواسطة الاحتقان والغضب الشعبي.

وفي الختام، بقيت الإشارة إلى ضرورة تحييد ملف اللاجئين وإبعاده عن التسييس من قبل الحكومة الكينية وحركة الشباب على السواء. ويلزم من هذا إبعاد العمليات التفجيرية عن مخيمات اللاجئين، وتصحيح الحكومة لآليات تعاطي الجيش والشرطة مع اللاجئين.

وتقع مسؤولية تحييد ملف اللاجئين وإنقاذه من الصراعات الجارية على المسؤولين الصوماليين في الحكومة الكينية، وقادة حركة الشباب، إذا كانوا يقدّرون الحالة الإنسانية التي يعيشها اللاجئون في تلك المخيمات التي تعاني من التكدّس السكّاني مع ضحالة الرعاية والاهتمام.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك