كمال الجزولي

كمال الجزولي

كمال الجزولي

لو جاز لنا استخدام مصطلحات الهندسة، لقلنا إننا نخطئ حين لا نحفل في تحليلاتنا وتكوين وجهات نظرنا إلا بمداخل الزوايا "المنفرجة" للقضايا، مع أن الزوايا "الحادة" -التي تتمثل عادة في مواقف تقدح زناد الأسوة الحسنة- قد تكون في أحيان كثيرة أجلَّ أثراً، وأكبرَ خطراً، مما يستوجب التنويه بها كأفضل مداخل لهموم مجتمعاتنا.

ومن أكثر القضايا إثارة الآن، لاهتمام الصحافة والرأي العام السودانييْن، قضية "مستشفى ابن عوف" التي عادت للانفجار، بعد أن عكست -قبل زهاء العقد- نموذجاً معيارياً لموقف المثقف المهني في السودان، وفي كل البلدان الفقيرة، تعالياً على الأثرة، ومغالبة لشح النفس، وبذلاً للشعب والوطن بلا منٍّ ولا أذى. وإذ نعود لما كتبنا وكتب الكثيرون عنه، أوان ذاك، فإنما يدفعنا "جزاء سنمار" الذي يتعرض له هذه الأيام للأسف الدكتور جعفر بن عوف.    

(1)

لا أعرفه شخصياً، ولم أرَه في حياتي، وحتى عندما تناقل الإعلام عام 2002 أن رئيس الجمهوريَّة منحه أرفع الأوسمة، وأمر بإطلاق اسمه على المستشفى "الحكومي" الوحيد المخصص للأطفال، لم أصدق -ردحاً طويلاً من الزمن- أنه للغرابة سلخ سنوات من عمره في تشييده، كما أن وسواساً سياسياً حالَ دون أن أعير الأمر كبير اهتمام لكثرة ما مُنِحَتْ أوسمة، وأطلِقتْ أسماء!

مع ذلك، ورغم أن أمره لم يستوقفني البتة، إلا عندما تفجَّرت حكاية إبعاده الغريبة عن مستشفاه مطلع سبتمبر/أيلول 2004، فإنني -بعد أن توفر لديَّ من سيرته ما استيقنت من صحته- أجزم بأنه يستحق ما جرى ويجري له، جزاء أصوليته المهنية القاسية، ومسطرته الأخلاقية الصارمة، الكفيلة بإحراج معاشر المثقفين المهنيين "الوطنيين"، وإدخالهم في أظافرهم من الكسوف! ودرءاً لشبهة المغالاة في هذا القول، أدعوكم لأن تسمعوا قصته، وتحكموا بأنفسكم.

لو لم يكن بن عوف ذلك الطاووس العالمثالثي المُفتري قد "تهوَّر"، ورفض ما عرضه عليه -قبل أكثر من أربعين سنة- البريطانيون، لكان الآن على الأقل مستشاراً في وزارة صحتهم!

تخرج الرجل بدرجة الامتياز من كلية الطب بجامعة الخرطوم، منتصف ستينيات القرن المنصرم، وما أدراك ما تلك الستينيات، بل ما أدراك ما خريجو جامعة الخرطوم وقتها، وما خريجو كلية طبِّها بالذات، مِمَّن قلنا في مناسبة سبقت أنهم لشدة تميُّزهم كان اسم مهنتهم يطلق على الثياب النسائية تنعُّماً: "ضُلع الدكاترة"، وعلى الشاي الجيِّد تحبُّباً: "دم الدكاترة"، ولا يتمُّ لمغنية تطريب إلا بالثناء جهرة عليهم: "الدكاترة ولادة الهنا"!

لكنه بدلاً من أن يسلك الطريق "القويم" لأي طبيب يريد أن يتخصص في لندن مثلاً فيكبِّد الدولة نفقاته، فعل ذلك على نفقة أهله.. فتأملوا! والأنكى أنه ما كاد يفرغ من التخصص في طب الأطفال، حتى حزم حقائبه -راكلاً "الفرصة" التي أتيحت له بالعمل هناك- وعاد منذ أوائل السبعينيات إلى بلده الذي شاع وصفه وسط متعلميه بـ"الحفرة"، تضجُّراً! وعندما سأله "العقلاء" عن سبب تلك "الحماقة"، أجاب ببساطة: حب الوطن، والتشوق لعلاج أطفاله، وتدريب كوادره الطبية الشابة! وحقاً.. الجنون فنون، ومن الحب ما قتل!

تعب تعباً شديداً كي لا ينقطع عن الترقي -مع "كدح الحب" هذا- في مدارج العلم طوال العقود الأربعة الماضية، حتى نال زمالة الكليتين الملكيتين البريطانيتين للباطنية، ولطب الأطفال. وتخيَّلوا.. لو لم يكن هذا الطاووس العالمثالثي المُفتري قد "تهوَّر"، ورفض ما عرضه عليه -قبل أكثر من أربعين سنة- أبناء "السلف الصالح"، حسب ما كان ربائب الاستعمار يطلقون على الإدارة البريطانية، لكان الآن على الأقل مستشاراً في وزارة صحتهم! وفكروا بأنفسكم ماذا تعني -في هذا الزمن الأغبر- وظيفة المستشار في وزارة الصحة البريطانية!

وليت الأمر وقف عند ذلك الحد! فلكأنه مسلط لكشف حال الإنتلجينسيا في هذه المنطقة من العالم، إذا به، بدل أن ينصـرف لتأسـيس مستشـفاه الخاص، مثله مثل سـائر مـن حـباهم الله بسطة الرزق في بلادنا الفقيرة، ولو فعل لما جرؤ أحـد على سؤاله عن ثلث الثلاثة، فإنه جعل هاجسه الأول والأخير منذ عودته ليس فقط أن يشيد للأطفال بماله الخاص وعرق جبينه مستشفى "حكومياً!" على أرض مملوكة له يقدَّر ثمنها بالمليارات، بل وأن ينتزع لهـم فيه حـق العـلاج المجـاني.. كمان!

فهل بربكم هذا كلام؟! هل من العقل أن يحفر إنسان في الصخر بأظافره كي يوفر العلاج المجاني لأطفال فقراء السودان، غير عابئ لا بهيبة البنك الدولي، ولا بوصفات صندوق النقد الدولي، ولا بشروط منظمة التجارة العالمية، ودون أن يعمل أدنى حساب لـ"وكلاء" هذه المؤسَّسات في مفاصل الدولة، مِمن لا تروقهم مثل هذه التصرفات؟! أفما كان خليقاً به -لو كان لديه ناصح- أن يمشي بجانب الحائط، يعيش حياته في هدوء، ويربي عياله في صمت، وينأى بنفسه عن مواطن "الشبهات"، ويبعد عموماً عن الشر ويغنى له! لكن لمن تقول، والمقتولة لا تسمع الصائحة؟!

(2)

حجبوا عنه المُعينات، ووقفوا يتفرَّجون واثقين من أن "الفشل" حليفه الوحيد ومآله الحتمي، مهما عافر أو دافر! لكنه مضى -بعناد عجيب- يستثمر علاقاته الداخلية والخارجية، كفارس أسطوري طالع من أحجية سحيقة! ولو كان لدى أولئك عُشر معشار علاقاته تلك "لأحسنوا" استثمارها في ما "يفيد"!، سوى أن هذا العاشق المجنون "بدَّدها" كلها في جلب المال ليصرفه على مشروع "حكومي!"، فضلاً عما صرفه من جيبه، ومن جيوب أهله وأصدقائه، بل وطال مهرجان الإنفاق هذا حتى مرتبه الشهري على مدى سنوات طوال..، فتخيلوا! أليس هذا هو "الغاوي" الذي "ينقط" بطاقيته، كما في المثل الشعبي؟!

وكل هذا كوم، وحكاية شغله اليدوي كوم آخر! فليس نادراً ما كان زملاؤه وتلاميذه وأصدقاؤه "يضبطونه" منغمساً في أعمال البناء بيديه، وفي أعمال النجارة بيديه، وفي أعمال الحدادة بيديه، فيُحرجون، ويضطرون للتشمير عن أكمامهم لمعاونته! طبيب.. اختصاصي، يعمل عمل البنائين والعتالين وعمال اليومية، لا لبناء بيته حتى، وإنما لبناء مؤسسة "حكومية"؟! بالله عليكم إن لم يكن هذا هو "الجنون" بعينه، فما "الجنون" إذن؟!

(3)

رغم الغموض الذي يحيط بواقعة تكريم ابن عوف من قبل الرئيس البشير، فإن الآخرين انحنوا أمام العاصفة ريثما تمر، ليعودوا بعد عامين ويسلموه قرار عزله من إدارة مستشفى يحمل اسمه!

نظر سدنة "سياسات التحرير الاقتصادي" عام 2002 فأصابتهم الرعدة لما رأوا مستشفى "حكومياً" للأطفال يتخلق، بسعة ستمائة سرير، رغم كل العوائق التي وضعوها في طريقه، ورأوا المسؤول عنه ما زال راكباً رأسه، يصر على مجانية خدماته في كل مراحلها، ابتداءً من الكشف، وحتى صرف الدواء نفسه!

ساعتها كان لا بد من عمل حاسم يوقف تلك "المهزلة"! فاستصدروا قراراً بنقله للعمل في موقع آخر قبل أيام من حفل الافتتاح! لكنهم سرعان ما تبيَّنوا -على ما يبدو- أن تنفيذ ذلك القرار كان غير ممكن عملياً، بعد أن وافق رئيس الجمهوريَّة بالفعل على تشريف الحفل! ثم أصبح التنفيذ مستحيلاً تماماً بعد أن أمر الرئيس بتقليد الرجل وساماً رفيعاً، بل وتسمية الصرح "الحكومي" نفسه باسمه!

ورغم الغموض الذي يحيط بتلك الواقعة، فإنها اقتضتهم -على أية حال- الانحناء أمام العاصفة ريثما تمر، ليعودوا بعد عامين ويسلموه -مع نهاية أغسطس/آب 2004- قرار عزله من إدارة مستشفى بناه بيديه، ويحمل.. اسمه!

(4)

إدخال العِصِي في الدواليب لم يتوقف قط، لا خلال ذينك العامين، ولا بعدهما. فكله إلا مجانية العلاج! هل "العولمة" هذر؟! وهل منظمة التجارة العالمية لعب؟! وهل لأولئك "الأفنديّة" عمل غير التأكد من استيفاء شروط هذه المنظمة، وأهمها أن تنفض الدولة يدها نهائياً من أي نشاط إنتاجي أو خدمي، بما في ذلك الصحة، وأن تفكَّ أي قيد عن "سياسة التحرير"، مما يعنى إطلاق مارد "اقتصاد السوق" من عقاله، مدعوماً بأحابيل "التكيُّف الهيكلي" و"الانكماش الاقتصادي"، وما إلى ذلك من وصفات البنك والصندوق والمنظمة، أو قل "الغول" الجديد الذي يراد له أن يلتهم الدولة الوطنية ويقوم مقامها؟! بَلا أطفال بَلا لمَّة!

تلك هي العناوين العامة لإستراتيجية الرأسمالية العالمية لما بعد الحرب الباردة؛ فمَن يسمح إذن بأن ينكث غزلها طبيب حالم لم يجد نفسه محتاجاً لأن يكون شيوعياً أو اشتراكياً، أو حتى إسلامياً يؤمن بأن العدالة الاجتماعية هي جوهر هذا الدين الثوري، كي يأنس في نفسه الكفاءة للمنافحة عن مجانيَّة العلاج؟!

لقد خضع السودان لهذه الوصفات حتى تدحرج حجم إنفاقه الحكومي على قطاع الصحة إلى ما لا يتجاوز 0,08% من إجمالي ناتجه القومي خلال السنوات 1998-2000 (تقرير الحكومة البريطانية عن الأوضاع في السودان لسنة 2001، ص 83)، أي في وقت إطلاق مشروع المستشفى؛ أما في الميزانيَّة الحالية فقد فاق الصرف على الأمن والدفاع والقطاع السيادي ميزانية الصحة والتعليم مجتمعين بأكثر من 1000% (!)، أفلا يعني ذلك أن الرجل يَسبَح عكس التيار؟! ألم أقل لكم إنه يستحق -برأسه الناشف هذا- كل ما جرى له.. وأكثر؟!

لم تُصدق وزارة المالية للمستشفى إلا عام 2004 على الميزانية التي طلبها مؤسسه منذ عام 2002، والتي لم تتجاوز وقتها مبلغ 462 مليون جنيه (حوالي 180 ألف دولار فقط!) وقد قيد التصديق بأقساط متباعدة، بعد أن "انقضم" منه مبلغ 62 مليون جنيه، وبعد أن حفيت قدما الرجل (الرأي العام؛ 3  نوفمبر/تشرين الثاني 2004). لكن لم يُبت بشأن الطاقم الذي طلبه لقسم العناية المكثفة (المصدر)؛ ولم يتم تعيين الاختصاصي الذي طلبه لقسم حديثي الولادة إلا يوم إعفائه (المصدر)؛ وأما السيسترات البالغ عددهن 65، واللاتي تم تعيينهن بشق الأنفس وبعد مماطلات طويلة، دفع الرجل أثناءها مبلغ خمسة ملايين جنيه من جيبه الخاص كحوافز ومصروفات للجنة المعاينة، وأحضر بنفسه خياطاً خصص له غرفة مجاورة للجنة، لإعداد الزي الرسمي فوراً لمن يقع عليها الاختيار، فقد سُحبن "بطريقة غريبة"، بعد أقل من أسبوع من تعيينهن (المصدر). ولم يستطع لا وزير الصحة ولا وزير المالية مواجهة تلك الحقائق الصريحة، أو إعطاء تفسير مقنع لتلك التصرفات المريبة!

(5)

أخلت وزارة الصحة مستشفى ابن عوف من الأطفال المرضى، وسط صراخهم وعويل ذويهم، وأعملت معاول الهدم في المستشفى بحجج واهية يصعب هضمها!

حكاية "مستشفى جعفر ابن عوف" حكاية جدَّ عجيبة، فقد ظل يمثل جزيرة العلاج المجاني الوحيدة في قلب محيط هادر من الخصخصة والخدمات الصحية المدفوعة الأجر! وكان عند افتتاحه عام 2002، وحتى إقالة د. جعفر بن عوف من إدارته عام 2004، يضم 16 تخصصاً، مع كل المعينات التشخيصية والمعملية والعلاجية، ومخزناً للأدوية المجانية يكفي لمدة عام، و65 حاضنة أطفال، وست غرف عمليات، ووحدتين للتكييف والأوكسجين المركزيين، وثلاثة مصاعد عاملة "لم يبق منها غير واحد"؛ وقد أسهم في تخفيض نسبة وفيات الأطفال من 30% إلى أقل من 1%.

مع ذلك عادت وزارة الصحة -خلال الأيام الماضية- لإخلائه من الأطفال المرضى، وسط صراخهم وعويل ذويهم، ولإعمال معاولها فيه هدماً، بحجج واهية يصعب هضمها! فإذا صحت مثلاً حُجَّتها في نقل الخدمات من وسط العاصمة إلى المواطنين في الأطراف، فما هي حجتها في إلغاء مجانية العلاج؟! بل ما هي حجتها في استثناء المستشفيات "الخاصة" من هذا النقل، بما في ذلك مستشفى وزير الصحة نفسه؟!

يمثل د. ابن عوف النموذج "الخاص" الفريد الذي يرتفع إلى مستوى الهمِّ "العام"، فيسـتحق -في زمن العقلاء القتلة هذا- أن نخلع "عمائمنا" تبجيلاً.. لجنونه النبيل!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك