علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني

عندما تتبخر وتطير الأهداف
ضبابية وانسداد في مسار التسوية
الأمور الجوهرية الثلاثة
القفز عن الفيتو

شكّل الانقسام الفلسطيني الداخلي صداعاً موجعاً للمشروع الوطني الفلسطيني، كما شكّل نقطة بارزة أثرت سلباً على مسيرة المقاومة التي نهضت في فلسطين في ظل الانتفاضتين المباركتين الأولى والثانية، فاستمرت الانتفاضة الثانية فيما بعد لفترة طويلة بالرغم من كل المعيقات، وبالرغم من حالة الحصار المطبق على قطاع غزة وهو الحصار المستديم منذ عدة أعوام.

ومع المناخ الإيجابي العام الذي سيطر على لقاءات القاهرة الفلسطينية التي تمت في العاشر من فبراير/شباط 2013، إلا أن الحصاد النهائي لتلك اللقاءات كان متواضعاً ومحدودأ في منتوجه العام، ولم يكن بالمستوى المنشود الذي تفاءل به البعض من المتابعين للشأن الداخلي الفلسطيني. فما هي أبرز الاستعصاءات الجوهرية التي شكّلت ومازالت تُشكّل عقبة أمام إمكانية تحقيق اختراق نوعي وحقيقي في مسار إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، واستعادة الوحدة الوطنية المفتقدة؟

عندما تتبخر وتطير الأهداف
في البداية، علينا أن نعترف وأن نقّر، بأن ملف إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية المفتقدة طال واستطال وامتد في عمره الزمني، في وقت بات فيه الشعب الفلسطيني بأمس الحاجة لتوحيد أدوات كفاحه ونضاله الوطني، وفي وقت لم يعد فيه من مبرر أو من معنى لاستمرار المراهنات السياسية من قبل أي طرف سياسي فلسطيني على إقلاع عملية التسوية الغارقة في الأوحال منذ أكثر من عقد ونيف من الزمن.

ملف إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية المفتقدة طال واستطال, في وقت بات فيه الشعب الفلسطيني بأمس الحاجة لتوحيد أدوات كفاحه ونضاله الوطني

فالمفاوضات عندما كانت خياراً اختارته منظمة التحرير الفلسطينية وأطرها الرسمية، كانت له جملة من الأهداف وعلى رأسها تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة فوق الأرض المحتلة عام 1967، لكن تلك الأهداف عندما (تتبخر وتطير) تحت ضغط وصلف الاحتلال وسياساته القائمة على الأرض، لا بد من التوقف ومراجعة مسار تلك العملية بدلاً من أن يتحوّل الشعب الفلسطيني إلى أسير لهذه العملية المحتضرة منذ سنوات طويلة، حتى في ظل الحديث المتواتر عن انتظار مفاجآت قد يحملها الرئيس الأميركي باراك أوباما في زيارته المرتقبة للمنطقة.

فالمؤشرات العملية تقول بأن ما سيطرحه الرئيس باراك أوباما سيكون على الأرجح من باب المقايضات، وأنه سيعيد "إنتاج خطاب متقادم سبق وأن ألقاه إبان صعوده في الدورة الانتخابية الأولى في كل من أنقرة والقاهرة، وهو الخطاب المعسول الذي وجهه للعالمين العربي والإسلامي في حينها" وقد طارت كل وعوده دون أن تحقق خطوة ولو وقع زحف السلحفاة، فالقضية الفلسطينية لن تكون ذات شأن كبير في زياراته الآتية حتى في ظل "التطبيل والتزمير لها".

ضبابية وانسداد في مسار التسوية
 من هنا، فإن وجود حالة انسداد وإرباك وضبابية في الرؤية بالنسبة لعملية التسوية المحتضرة والمأزومة على مسارها الفلسطيني الإسرائيلي، واستمرار حالة الهجوم (الاستيطاني الكولونيالي الإجلائي الإحلالي) الذي تمارسه "إسرائيل" على الأرض، يٌحتِمُ على الجميع تنحية المراهنات على مسار العملية السياسية جانباً وعدم الغرق في أوهامها، وإبعاد التباينات الداخلية ووضعها جانباً لصياغة خطة شاملة تواجه الهجوم التهويدي "الإسرائيلي" المتواصل على الأرض في عموم منطقة القدس ومناطق الضفة الغربية.

وعليه، فالمراهنة الحقيقية يُفترض بها أن تتجه الآن نحو إعادة بناء الحالة الفلسطينية الداخلية، والخروج من الشلل الفلسطيني الداخلي، وبناء موقف فلسطيني آخر يستطيع أن يفعل فعله وأن يؤثر في مسار الأحداث حتى ولو بالحدود الدنيا.

وبالطبع، لا تزال هناك نقاط خلاف وتباينات كثيرة، وما جرى بالقاهرة في اللقاءات الفلسطينية المشتركة مؤخراً، والتي سادها مناخ إيجابي بشكل عام، محطة من محطات كثيرة سبقت وقد تتبعها محطات تبحث في الحالة الفلسطينية وفي ملفات الوضع الفلسطيني ومنها مسألة تشكيل حكومة توافق (حكومة وحدة وطنية) لفترة انتقالية على طريق الانتخابات التشريعية والرئاسية.

الأمور الجوهرية الثلاثة
ولكن، بعيداً عن التفاصيل والسجالات الطويلة التي يمكن التوقف عندها، والتنظير لوجهة نظر بعينها تجاه هذا العنوان أو ذاك من عناوين الملفات المطروحة على جدول أعمال اللقاءات الفلسطينية، كالعناوين المتعلقة بمنظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بنائها، وقانون الانتخابات وتحديد موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني وتشكيل حكومة التوافق الوطني وغيرها.. فهناك ثلاثة أمور وعقبات جوهرية تشكّل الأساس في سيادة حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي، ودون معالجتها فإن الحالة الفلسطينية ستبقى تراوح مكانها، دون تقدم جدي وحقيقي على صعيد إغلاق وإقفال ملف الانقسام الداخلي الفلسطيني حتى لوقع تطور ملحوظ في أي من الملفات المطروحة، فكل القضايا المطروحة تهون أمام العقبات الجوهرية المشار إليها.

الانقسام الفلسطيني في مضمونه انقسام سياسي، ويتطلب معالجات سياسية بهدف الوصول لتوافقات حول الموضوع السياسي كالوصول إلى قواسم مشتركة في كثير من القضايا

وأول تلك الأمور الجوهرية، يتمثل بضرورة التوصل لتوافق سياسي عام، فالانقسام الفلسطيني في مضمونه هو انقسام سياسي، ويتطلب معالجات سياسية بهدف الوصول لتوافقات حول الموضوع السياسي كالوصول إلى قواسم مشتركة سواء حول توصيف المقاومة أو عملية التسوية ومآلاتها المحتملة.. إلخ، وتلك التوافقات يفترض بها أن تشكّل برنامج الحد الأدنى من التقاطعات بين عموم القوى الفلسطينية وخصوصاً منها القوى الفاعلة على الأرض كحركتي حماس وفتح، والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها من القوى.

وثاني تلك الأمور، أن إعادة بناء الوحدة الوطنية، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية كتحصيل حاصل في هذا الميدان، يتطلب إعادة النظر بحال النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته الجامعة والموحدة لعموم الحركة الوطنية الفلسطينية. فالتوافق الوطني وولادة نظام سياسي حقيقي وعصري، يتطلب بالضرورة إيجاد قناعة حقيقية عند الجميع، عنوانها أن (لا وحدة وطنية راسخة دون شراكة حقيقية) في المؤسسات وفي صياغة القرار وفي بناء السياسات والإستراتيجيات التوافقية الوطنية الفلسطينية، وأن بناء المؤسسات يفترض به أن يتم بطريقة ديمقراطية بعيدة كل البعد عن منطق المحاصصة واقتسام الكعكة.

وبالطبع فإن طريق تلك الشراكة يمر عبر إقرار الجميع بمضمونها قولاً وعملاً أولاً، والقبول بصندوق الاقتراع في انتخابات نزيهة تشريعية ورئاسية وانتخابات مجلس وطني فلسطيني موحد، وتحت إشراف عربي أو دولي محايد ثانياً.

القفز عن الفيتو
وثالث تلك الأمور، ضرورة القفز الفلسطيني عن الفيتو الأميركي والإقليمي و"الإسرائيلي" المسلط فوق رقاب الفلسطينيين، وهو الفيتو الذي يقول ويرى بديمومة الانقسام الفلسطيني، ويدفع باتجاه إدامة الانقسام الفلسطيني الداخلي.

وخير دليل على ذلك أن دولة الاحتلال تهرع من حين لآخر، وعند كل تقارب فلسطيني بين حركتي فتح وحماس لحجز أموال الضرائب المجباة عن البضائع التي تدخل للمناطق الفلسطينية (مناطق عام 1967) ووقف تسديدها للصندوق المالي للسلطة الفلسطينية.

مواجهة وإسقاط الفيتو "الإسرائيلي" الأميركي الرافض لقيام وحدة وطنية حقيقية تشاركية وطنية فلسطينية، ليس بالمستحيل طالما أن هذا الخيار يمر عبر إرادة شعبية

من هنا، فإن "إسرائيل" لا يسعدها، بل يتعسها صعود وارتقاء الحالة الفلسطينية باتجاه التقارب الفلسطيني الداخلي، وقد رأينا كيف أقدمت أجهزة أمن الاحتلال على القيام بحملة اعتقالات كبيرة ليلة سفر الوفود الفلسطينية لحواراات القاهرة الأخيرة، وقد طالت تلك الاعتقالات عدداً من الكوادر الفلسطينية ومن أعضاء المجلس التشريعي ومعظمهم ينتمي لحركة حماس، كما منعت عبد الرحيم ملوح نائب الأمين العام للجبهة الشعبية من الوصول للقاهرة.

إن مواجهة وإسقاط الفيتو "الإسرائيلي" الأميركي الرافض لقيام وحدة وطنية حقيقية تشاركية وطنية فلسطينية، أمر ممكن جداً مع أنه متعب، ويحتاج لتضحيات، وستعترضه طريقه جبال من الضغوط، لكنه ليس بالمستحيل طالما أن هذا الخيار يمر عبر إرادة شعبية، وعبر صندوق الاقتراع، وعبر توافق وطني سياسي، لا يستطيع أحد كسره عندما تتوحد الإرادة الفلسطينية لدى الجميع.

بالمحصلةً، إن خيار التمسك بالثوابت من قبل الشعب الفلسطيني يحتاج لروافعه الوطنية وفي المقدمة منها، إعادة بناء الوحدة الوطنية، والوصول الحقيقي لمبادئ التشاركية السياسية على أساس برنامج إجماع وطني فلسطيني، تغيب منه الأجندة الخاصة لكل فصيل أو حركة فلسطينية لمصلحة القضية الوطنية الفلسطينية، مع إشراك الفعاليات الفلسطينية المغيبة في الساحة الفلسطينية، وهو ما يطلق عليها القوة الصامتة، مثل الإعلاميين والمفكرين، وهيئات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية الفلسطينية في الداخل الفلسطيني والشتات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك