ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

 

مسيرة طويلة
لحظة تأسيسية
صراع القديم والجديد
ملاحظات ختامية

أخذت الحوارات، أو قل "المفاوضات"، الجارية بين القيادات الفلسطينية والمخصّصة للمصالحة وإنهاء الانقسام زمناً طويلاً من عمر الفلسطينيين، وقدراً كبيراً من جهودهم، وحيزاً مهماً من اهتماماتهم، ومع ذلك فهي لا تصل إلى النتيجة المرجوّة للأسف، حتى إن البعض بات يتندّر عليها باعتبارها ليست أقل استعصاءً وتعقيداً من المفاوضات مع الإسرائيليين، حيث كل جملة تحتاج إلى مفاوضات، وربما إلى لجنة خاصّة بشأنها!

معلوم أن الاختلاف والاحتراب والانقسام الفلسطيني أثـّر سلباً على شعب فلسطين وقضيته وحركته الوطنية، إذ خلق حالة من الإحباط بين الفلسطينيين، واستنزف جهودهم في الصراعات والتنافسات البينيّة، بدلاً من تركيزها في مواجهة عدوّهم، وأضعف صدقية كفاحهم من أجل حقوقهم أمام الرأي العام العربي والدولي، وأضرّ بصورة حركتهم الوطنية التي بدت وكأنها تتصارع على مجرّد سلطة تحت الاحتلال.

السؤال الآن لماذا أخذ الحوار كل هذا الوقت؟ ولماذا لا يصل إلى نهاياته المرجوة؟ واضح أن القضية لا تتعلق بمجرد اختلاف سياسي، فهذا بات من الماضي مع توافق الحركتين المهيمنتين في الحقل السياسي الفلسطيني -أي "فتح" و"حماس"- على مشروع الدولة المستقلة في الضفة والقطاع، وعلى انتهاج المقاومة الشعبية، كما بدا واضحا في وقائع اجتماعات القاهرة (نوفمبر/تشرين الثاني 2011)، والدوحة (فبراير/شباط 2012)، بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل.

وبذلك يتضح أن مصدر التعقيد في الحوارات الفلسطينية الجارية منذ حوالي سبعة أعوام، إنما ينبع من أن كل واحدة من الحركتين المذكورتين لا تتعامل مع مسألة إنهاء الانقسام من واقع مسؤولياتها بوصفها حركة تحرر وطني، بقدر ما تتعامل مع هذا الأمر من مكانتها كسلطة في حيّزها الجغرافي ("فتح" في الضفة، و"حماس" في غزة). ومعنى السلطة هنا يتمثل في وجود طبقة سياسية، وموارد مالية، وتشكيلات عسكرية وأمنية، ونفوذ سياسي إقليمي، وقدرة على التحكم في المجال المجتمعي، وهي أوضاع تعيد إنتاج ذاتها، وتوليد دينامياتها، مما يصعّب عملية إنهاء حالة الانقسام.

الحوارات الفلسطينية لم تبدأ مع الانقسام منتصف 2007 وإنما هي بدأت قبل ذلك بكثير، ولاسيما مع صعود حركة "حماس" في السياسة الفلسطينية، خاصة في زمن الانتفاضة الثانية المسلحة 2000-2004

مسيرة طويلة
يجدر بنا التذكير هنا بأن الحوارات الفلسطينية لم تبدأ مع الانقسام (يونيو/حزيران 2007) وإنما هي بدأت قبل ذلك بكثير، ولاسيما مع صعود حركة "حماس" في السياسة الفلسطينية، خاصة في زمن الانتفاضة الثانية المسلحة (2000-2004)، والتي باتت تنافس وتنازع حركة "فتح" -التي كانت قادت العمل الوطني الفلسطيني لعقود خلت- على مكانتها في القيادة والسلطة.

الأهم من ذلك أن هذه الحركة استطاعت بعد ذلك تشريع مكانتها تلك على حساب مكانة حركة "فتح"، بفوزها الكاسح في الانتخابات التشريعية (2006)، وتشكيلها الحكومة الفلسطينية، فيما يمكن اعتباره بمثابة لحظة تأسيسية لنظام فلسطيني جديد.

أما بقية هذه القصة التي أوصلتنا إلى هنا فهي معروفة، إذ إن حركة "فتح" لم تهضم هذا التطور، ولذا فهي لم تسهّل على "حماس" فوزها بالسلطة وبالحكومة، ومن جهتها فإن "حماس" أيضا بالغت في استنتاجها من هذه اللحظة، الأمر الذي جعل النظام الفلسطيني لا يشتغل بطريقة توافقية وتكاملية، مما نجم عنه الصراع بين مؤسستيْ الرئاسة (التي تخضع لفتح) ومؤسسة الحكومة (التي تخضع لحركة حماس)، وصولا إلى لحظة الاقتتال والانقسام (حزيران/يونيو 2007).

وهكذا فإن مسيرة الحوارات والمفاوضات الفلسطينية -التي لم تنته بعد- بدأت قبل الاقتتال والانقسام، إذ إن أول وثيقة تم التوافق عليها هي وثيقة "الوفاق الوطني" (أو "وثيقة الأسرى المعدلة") التي تم توقيعها في يونيو/حزيران 2006، وبعدها جرى في مكة التوقيع على اتفاقية أخرى للمصالحة بوساطة سعودية (فبراير/شباط 2007). أما بعد الانقسام فإن أول وثيقة مصالحة جرى التوافق عليها تمت في اليمن (أغسطس/آب 2007)، وبعدها في 2008، و2009، وفي كل الأعوام الأخيرة، وصولا لاجتماعات القمة الثلاثة التي جمعت الرئيس أبو مازن (رئيس المنظمة والسلطة و"فتح") وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، في القاهرة (نوفمبر/تشرين الثاني 2011)، والدوحة (فبراير/شباط 2012)، والقاهرة (فبراير/شباط 2012).

لحظة تأسيسية
ومن تفحّص الوثائق الصادرة عن الاجتماعات المذكورة، وضمنها النقاط التي جرى الخلاف عليها مؤخرا، من مثل إجراء الانتخابات وفق القائمة النسبية الكاملة، أو وفق النظامين النسبي والمناطقي، أو تحديد مكانة المجلسين الوطني والتشريعي، وانفصالهما أو اعتبارهما واحدا، ومسألة تقسيم الخارج إلى دوائر أو اعتباره دائرة واحدة، ومدة عمل الحكومة، يمكنه ببساطة التوصل إلى ملاحظتين:

أولاهما، أن الخلافات هي مجرّد تفاصيل كانت أشبعت بحثا على مدار السنوات الماضية، ويمكن التوافق عليها بكل سهولة في حال توصل الطرفين المعنيين إلى تفاهمات بشأن كيفية إدارة الوضع الفلسطيني. وثانيتهما، أن كل الاتفاقيات التي تم التوصل إليها خلال مسيرة الحوارات في غضون الأعوام السبع الماضية إنما تستند إلى وثيقة "الوفاق الوطني" (2006).

ويمكن الاستنتاج من هاتين الملاحظتين أن الخلاف الجاري بين الفيصلين المعنيين إنما يدور حول مسائل أعمق وأبعد من ذلك، تتعلق بإعادة بناء منظمة التحرير، وبتكريس مكانة حركة حماس في النظام الفلسطيني الجديد في المنظمة وفي السلطة، في آن معا ورزمة واحدة.

هذا يفيد بأن القصة تتجاوز عملية المصالحة وإنهاء الانقسام، وأن ما يجري يضعنا أمام عدة احتمالات أو خيارات، أولها يتمثل في استمرار الواقع السائد، أي بقاء حالة الانقسام السياسي والكياني.

لكن مشكلة هذا الوضع أنه بات غير مقبول، ليس فلسطينياً فحسب وإنما أيضاً عربياً ودولياً (لاسيما بعد المتغيّرات الناجمة عن الثورات الشعبية العربية). وثانيها يتمثل في سعي قيادتيْ الحركتين المذكورتين إلى تقاسم الشراكة في القيادة والسلطة، وهو ما تمّت ترجمته من الناحية العملية في المصالحة التي تمّت في القاهرة، ومن ثم في الدوحة.

تغليب طابع التحرّر الوطني في هاتين الحركتين هو الذي يمكن أن يشدّهما إلى العامّ والمشترك والوطني، لاسيما في مواجهة سياسات الاحتلال الاستيطانية والعنصرية في الأراضي المحتلة

لكن مشكلة مصالحة أو شراكة كهذه أنها لا تحلّ كل المشكلات وإنما تؤجّلها، لذا فهي ستبقى شكليّة ومؤقتة، مع أنها تخفف التوتر والاحتقان والتنازع بين الجانبين وتنظمه. وثالثها يتأسّس على الخروج من المعادلات التي أدّت إلى الاختلاف والانقسام، بتحرير الحركة الوطنية الفلسطينية من كونها سلطة تحت الاحتلال، واستعادة طابعها كحركة تحرّر وطني؛ ذلك أن حل الخلافات بين "فتح" و"حماس" لا يمكن أن يتمّ في إطار التنازع على سلطة متوهّمة، وإنما في إطار الكفاح المشترك ضد إسرائيل وسياساتها .

ذلك أن تغليب طابع التحرّر الوطني في هاتين الحركتين هو الذي يمكن أن يشدّهما إلى العامّ والمشترك والوطني، لاسيما في مواجهة سياسات الاحتلال الاستيطانية والعنصرية في الأراضي المحتلة.

وعلى كل، فإن الكلام عن استعادة الحركة الوطنية الفلسطينية بكل كياناتها (المنظمة والسلطة والفصائل) لطابعها كحركة تحرر وطني ليس مسألة سهلة، لاسيما مع التغيّرات التي لحقت بخطابات وبنى وأشكال عمل هذه الحركة طوال السنوات السابقة.

ومع ذلك، فإن التطورات الحاصلة في البيئة السياسية العربية المحمولة على الثورات الشعبية، تشكل دافعا ومشجعاً ومسهلاً لذلك. كما أن تعثـّر عملية التسوية وتملّص إسرائيل من الاستحقاقات المطلوبة منها يمكن أن يغطيا هذا الأمر أمام المجتمع الدولي.

صراع القديم والجديد
المعنى من ذلك أن الفلسطينيين في غضون معركتهم على المصالحة وحيثياتها إنما هم في الحقيقة يخوضون أيضا في معمعان معركة أكبر تتعلق ببناء نظام سياسي جديد، وضمنه تقرير مصير المنظمة، واستمرارها وتفعيلها من عدم ذلك، وتحديد مكانة السلطة، إلى جانب التأسيس لشرعية جديدة، وإعادة رسم الخريطة السياسية الفلسطينية، وهذا هو معنى ما يجري، وما يحصل في تعقيدات المفاوضات الفلسطينية/الفلسطينية.

لكن بالرغم من كل ذلك، فإن الأمور لا تسير كما ينبغي أن تسير عليه، بحسب الافتراضات أو النوايا الطيبة، وإنما تسير بحسب تفاعلات القوى الفاعلة على الأرض، وهي هنا تحديداً تتمثل في القطبين الأساسيين "فتح" و"حماس"، مع تضاؤل قدرة الفصائل الأخرى على التأثير، ومع غياب الضغط الشعبي.

وعلى ذلك، وبحكم وضعية كل من هذين الفصيلين، ومحدودية رغبتهما في التغيير، فمن المرجّح أن الساحة الفلسطينية ستستقرّ على نوع شراكة بين "فتح و"حماس" في إدارة الوضع الفلسطيني (السلطة والمنظمة)، في الداخل والخارج.

ومعنى ذلك أن النظام الفلسطيني القادم ربما يكون نوعاً من نظام هجين، أي نظام يحافظ على بعض سمات النظام القديم، ويأخذ في اعتباره متطلبات التجديد، ولاسيما لجهة انتهاء احتكار حركة "فتح" للقيادة والسلطة، والانتهاء من نظام المحاصّة الفصائلية، واعتماد التمثيل والانتخابات وسيلة لترسيم مكانة القوى في الساحة الفلسطينية.

ويبدو من كل ذلك أن الخلاف بين الجانبين المعنيين إنما يتركّز حول تفاصيل هذه العملية وكيفية إخراجها، الأمر الذي يفسر كل هذا الوقت والجهد الذي استغرقته، كما قد تفسّر ذلك -من ناحية أخرى- التسريبات عن إمكان ترشّح خالد مشعل لرئاسة اللجنة التنفيذية للمنظمة (لاسيما مع تأجيل الاستحقاق المتعلق ببقائه في رئاسة المكتب السياسي لحركة حماس من عدم ذلك).

يجب أن يدرك كل المعنيين أن الوضع الفلسطيني بات منذ زمن في حالة عطب مقيم، وأن التخلص من هذه الحالة يتطلب إنهاء الانقسام، واستعادة الحركة الوطنية لطابعها كحركة تحرر وطني

ملاحظات ختامية
الآن ربما ثمة من يعتقد أن "فتح" و"حماس" ما كانتا لتذهبا حتى إلى هذه الدرجة من الحوار والمصالحة لولا تغيّر البيئة السياسية العربية، ولولا رياح الثورات الشعبية، وهذا صحيح. كما أن ثمة من يعتقد أن اضطراب الأوضاع السياسية العربية هو بالذات ما يكبح الطرفين عن الذهاب في المصالحة إلى نهاياتها، بانتظار ما ستسفر عنه في المقبل من الأيام، وهذا صحيح أيضاً، مما يفسّر واقع أن نتائج -الاجتماعات التي عقدت حتى الآن- لم تكن على قدر المأمول أو المطلوب.

ومع ذلك وبغض النظر عن هذا وذاك، فإن الخريطة السياسية الفلسطينية ستشهد بدورها -على الأرجح- تغيرات كبيرة بدفع من التحولات السياسية العربية، مما يفرض على الفلسطينيين تأهيل ذواتهم وأحوالهم لاستقبالها، بدل انتظارها.

ومع ذلك، نأمل أن يدرك كل المعنيين أن الوضع الفلسطيني بات منذ زمن في حالة عطب مقيم، لأسباب ذاتية، ومن ضمنها الانقسام والتحوّل إلى سلطة، وأن التخلص من هذه الحالة يتطلب إنهاء الانقسام، واستعادة الحركة الوطنية لطابعها كحركة تحرر وطني، وإعادة بنائها على أسس وطنية، مؤسّسية وديمقراطية وتمثيلية. هذا كان يصحّ قبل الثورات الشعبية العربية، ولكنه بات أكثر صحّة، بل وإلحاحاً، معها وبعدها.

المصدر : الجزيرة