عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.

ما الدلالات الإستراتيجية لتطورات الوضع في شبه الجزيرة الكورية؟ كيف تبدو المقاربة الأميركية للبيئة الجيوسياسية في سياقها الإقليمي؟ وهل تمد الولايات المتحدة مظلتها النووية إلى أستراليا، بعد كوريا الجنوبية واليابان؟ وماذا عن مستقبل الانتشار النووي؟

أولا: دلالات التطور الكوري
في 12 فبراير/شباط 2013، أجرت كوريا الشمالية تجربة نووية جديدة، هي الثالثة من نوعها في غضون سبعة أعوام. وكانت التجربة الأولى قد جرت في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2006، والثانية في 25 مايو/أيار 2009.

وقد رد مجلس الأمن الدولي في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2006 على التجربة الكورية الأولى بإصدار القرار الرقم (1718)، الذي طالب كوريا الشمالية بتعليق "كل أنشطتها المتصلة ببرنامجها للصواريخ الباليستية"، والتخلص من "أسلحتها النووية، وبرنامجها النووي، بشكل كامل". وجاء هذا القرار تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بموجب المادة (41)، التي لا تشير إلى اللجوء للقوة العسكرية.

وفي 12 يونيو/حزيران 2009، أصدر مجلس الأمن القرار رقم (1874)، الذي أدان التجربة النووية الثانية، وعزز العقوبات المفروضة على بيونغ يانغ، بيد أن المجلس اكتفى، بعد التجربة الثالثة، بإصدار بيان صحفي، في 12 فبراير/شباط 2013، ندد فيه بهذه التجربة.

ثمة اعتقاد بأن كوريا الشمالية في مقدور حاليا إجراء تفجيرين نوويين، واحد باستخدام البلوتونيوم كي تزيد إتقانها على تصميم رأس حربي، وآخر باستخدام اليورانيوم عالي التخصيب

وثمة اعتقاد بأن كوريا الشمالية في مقدورها حاليا إجراء تفجيرين نوويين، واحد باستخدام البلوتونيوم كي تزيد إتقانها تصميم رأس حربي، وآخر باستخدام اليورانيوم عالي التخصيب.

واستخدم الكوريون البلوتونيوم في التجربتين الأولى والثانية، وليس من الواضح، حتى اللحظة، ما إذا كانت التجربة الثالثة قد اعتمدت البلوتونيوم أيضا، أو جرت باليورانيوم عالي التخصيب. وفي حال ثبت الاحتمال الأخير، فإن ذلك يعني تطورا تقنيا بارزا.

ويعتقد أن لدى كوريا الشمالية ما يكفي من البلوتونيوم لصنع حوالي ثمانية أسلحة نووية. ويمكن أن يكون ذلك بديلا عن اليورانيوم عالي التخصيب.
وسواء اعتمد الخيار الأول أو الثاني، فإن التحدي الأساسي يبقى متمثلا في القدرة على تصميم رأس نووي يمكن حمله عبر الصواريخ.

والحديث عن القدرات النووية لكوريا الشمالية يجب ألا يحجب، في الوقت نفسه، حقيقة أنها قوة عسكرية تقليدية متقدمة في آسيا. ويبلغ تعداد جيش كوريا الشمالية 1.1 مليون جندي، وتبلغ قواتها البحرية حوالي 60 ألف عنصر، والجوية 110 آلاف، والخاصة 200 ألف. وتمتلك كوريا الشمالية 4100 دبابة، و2100 آلية مدرعة، 13600 قطعة مدفعية، و58 غواصة، 134 زورق خفر صاروخي، و164 زورق خفر عاديا، وخمسة طرادات.

وعلى صعيد القدرات الجوية، لدى كوريا الشمالية 388 طائرة اشتباك جوي، و80 طائرة قاذفة، و152 طائرة انقضاض، و217 طائرة نقل عسكري، و215 طائرة تدريب، و302 مروحية عسكرية.

ورغم ما سبق ذكره، فإن البعد الأهم في قدرات كوريا الشمالية هو ذلك المرتبط بذراعها الصاروخية، التي تعد الثانية في عموم قارة آسيا بعد الصين. وهذه الذراع هي قوة الردع الراهنة لدى الكوريين الشماليين، بانتظار استكمال برنامجهم النووي.

ويُمكن القول، على نحو مجمل، إن البيئة الإستراتيجية في شبه الجزيرة الكورية تتصف اليوم بنمط غير مستقر من توازن القوى، واستتباعا شكلا غير المستقر للردع. وهنا تحديدا مكمن الخطورة في حسابات الأمن.

ويطالب الكوريون الشماليون بإبرام معاهدة عدم اعتداء مع الولايات المتحدة، وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة معها، وتوثيق الروابط التجارية مع اليابان وكوريا الجنوبية، واستكمال بناء مفاعلين يعملان بالماء الخفيف. وفي حال تحققت هذه المطالب، فإنهم سوف يوقفون مسيرتهم نحو القنبلة النووية، ويتوقفون عن تطوير الصواريخ الباليستية، وتصدير التكنولوجيا الصاروخية إلى الشرق الأوسط، ومناطق أخرى من العالم.

ثانياً: المظلة النووية الأميركية
على صعيد تداعيات التطور الكوري، بدت كل من كوريا الجنوبية واليابان في طليعة المعنيين بهذا التطور، ومفاعيله الأمنية والسياسية، رغم أن الولايات المتحدة تعد هي الأخرى معنيا مباشرا به، حيث إن بعضا من الصواريخ الكورية الشمالية بات يطول جزر هاواي.

وقد اعتبرت الولايات المتحدة التجربة الكورية الجديدة عملا استفزازيا، يدفع باتجاه تقويض فرص الأمن والاستقرار الإقليمي، وأكدت وقوفها إلى جانب الحلفاء الآسيويين، الذين عدوا أنفسهم مستهدفين بالنشاط الكوري.

وفي اليوم التالي للتجربة الكورية، جدد الرئيس الأميركي باراك أوباما التزام بلاده بالدفاع عن اليابان، وإن من خلال مد "مظلة نووية" إلى أراضيها.

وتلتزم الولايات المتحدة حاليا بمظلة نووية تجاه كوريا الجنوبية، وكانت هذه الأخيرة تحتضن أسلحة ذرية أميركية حتى العام 1991، عندما جرى سحبها، على خلفية سقوط الاتحاد السوفياتي، وتبدل المشهد الجيوسياسي الدولي.

وفي السياق الأوسع للمقاربة، يمكن ملاحظة أن العلاقات الأميركية اليابانية قد شكلت تقليديا الركيزة الأهم في إستراتيجية الولايات المتحدة في منطقة آسيا والباسيفيك.

ويمكن القول إن طوكيو وواشنطن قد تقاسمتا الأدوار في هذه المنطقة لنصف قرن من الزمن، وهذه الحقيقة لا تزال قائمة، وإن ضمن أنساق مغايرة، أو لنقل متغيّرة بفعل تطوّرات البيئتين السياسية والأمنية.

طوكيو وواشنطن تقاسمتا الأدوار في منطقة آسيا والباسيفيك لنصف قرن من الزمن. وهذه الحقيقة لا تزال قائمة، وإن ضمن أنساق مغايرة، أو متغيرة بفعل تطورات البيئتين السياسية والأمنية

وقد أثير نقاش منذ مطلع الألفية الجديدة حول إعادة تعريف دور اليابان الأمني في الساحة الدولية. وهو ما ترجم في الأخير بإعادة تعريف للقوة العسكرية اليابانية، نوعا وكما ووظيفة.

وتساهم اليابان، منذ سنوات، في الأبحاث الأميركية الخاصة بالأنظمة الدفاعية المضادة للصواريخ. وقامت الولايات المتحدة بنشر مجموعة من السفن في بحر اليابان، مزودة بمنظومات نيران من طراز أيجس (AEGIS)، وصواريخ اعتراض قياسية، من طراز (SM-3)، وذلك بهدف التصدي للصواريخ الكورية الشمالية.

كذلك، تعد اليابان أول دولة تقيم رادارا نقالا، اتساقا مع المنظومة الأميركية المضادة للصواريخ. وينصب هذا الرادار في المواقع المتقدمة، ويُمكنه تأمين صور عالية الدقة للصواريخ القادمة عن بعد، وتعقبها والتمييز بينها.

ولدى الولايات المتحدة قدرات تكتيكية وإستراتيجية في الأرخبيل الياباني، بينها حاملة طائرات، وطرادان صاروخان، وثماني مدمرات مزودة بصواريخ موجهة. وتحتفظ قيادة منطقة المحيط الهادئ الأميركية بـ50 ألف جندي في اليابان، وأكثر من 28 ألف جندي آخر في كوريا الجنوبية.

من جهة أخرى، وفي إطار توجهها القاضي بتعزيز حضورها في آسيا، تسعى الولايات المتحدة لإبرام اتفاقية استخدام مشترك لنحو ستة مطارات فلبينية مدنية، يُمكن الإفادة منها في إنزال المقاتلين، والنشر المؤقت للقوات، ونشر طائرات الاستطلاع.

وفي السياق، أبرمت الولايات المتحدة اتفاقا مع الحكومة الأسترالية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، تحصل بموجبه على قاعدة قرب مدينة داروين، تستوعب 2500 عنصر من مشاة البحرية الأميركية.

وقالت تقارير أميركية أيضا إن البنتاغون يرغب في استخدام سلسلة جزر كوكوس الأسترالية، الواقعة على بعد نحو 3000 كيلومترا غرب أستراليا وجنوب إندونيسيا. ويأمل البنتاغون بأن يشيد على هذه الجزر قاعدة لطائرات الاستطلاع، تتيح له القدرة على مراقبة بحر الصين الجنوبي، الذي يعد أقصر طريق بين المحيطين الهادئ والهندي، ويضم بعض أكثر الممرات البحرية في العالم نشاطاً، إذ تعبره أكثر من نصف ناقلات النفط العالمية.

وتاريخيا، كان التخطيط الإستراتيجي الأميركي في آسيا الباسيفيك ينطلق من مقولة وجود خطر سوفياتي على الحلفاء. وقد رأى المخططون الأميركيون حينها أنه رغم أن القوة العسكرية السوفياتية في شرق آسيا أقل مما هي عليه في أوروبا، فإنها ظلت تشكل تهديدا لا يمكن تغافله، لا سيما إذا ما أضيفت إلى القوات الكورية الشمالية.

وفي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بدا للمخططين الإستراتيجيين في البنتاغون أن اتجاه الخطر في شرق آسيا قد تغير، لكنه بقي ماكثا، وأن القوة الصاروخية لكوريا الشمالية باتت تشكل مصدر تهديد حقيقي. والأهم من ذلك أن القوة الصاروخية والبحرية المتنامية للصين أضحت عامل تهديد لا للحلفاء في آسيا وحسب، بل للولايات المتحدة نفسها.
 
إذا قدر للبيئة الأمنية الراهنة في شرق آسيا أن تتواصل في مفاعيلها الضاغطة، فإن المظلة النووية الأميركية قد يجري مدها أيضا إلى أستراليا
على خلفية ذلك كله، اتجهت إدارة الرئيس أوباما، بعد الانسحاب من العراق، لوضع آسيا في مقدمة اهتمامات السياسة الخارجية الأميركية. وتوّج هذا المسار بما عرف بمبدأ "إعادة التوازن الإستراتيجي" (strategic rebalancing)، الذي أعلن عنه رسميا في ديسمبر/كانون الأول 2012.
 
وهذا المبدأ، يبدو اليوم أكثر إلحاحا في ضوء تطورات الأزمة الكورية. وقد تجسد العنصر الجديد فيه بإعلان الرئيس أوباما مد المظلة النووية إلى اليابان، وفي ذلك تطوّر تاريخي بالمعايير كافة.

وإذا قدر للبيئة الأمنية الراهنة في شرق آسيا أن تتواصل في مفاعيلها الضاغطة، فإن المظلة النووية الأميركية قد يجري مدها أيضا إلى أستراليا، وحينها سنكون أمام تحول كبير في المشهد الجيوسياسي الآسيوي.

ثالثا: مفاعيل البيئة النووية
وفي الإطار الأوسع للمقاربة، تبدو الولايات المتحدة معنية بالتحولات متسارعة الخطى في بيئة الانتشار النووي، الجارية على المستوى الدولي. وحيث لا تبدو التطورات في كوريا الشمالية مفصولة عن السياق الكلي لهذه المعضلة.

وعلى المستوى الآسيوي تحديدا، تعد الصين القوة النووية الأولى والوحيدة في النادي النووي الخماسي، مع 240 رأسا نوويا، تليها باكستان بواقع 110 رؤوس نووية، والهند بواقع 100 رأس نووي.

وعلى صعيد التكوين التاريخي لهذه البيئة، يمكن القول إنه إذا كانت الهند قد أفادت عاليا من النزاع التاريخي الصيني الروسي، وارتكزت إلى موسكو لتعزيز مواجهتها مع بكين، فإن باكستان قد أفادت في المقابل من النزاع الهندي الصيني، واستندت إلى بكين لدعم موقفها تجاه نيودلهي. وتاليا جاء السلاح النووي الباكستاني نتاجا لهذه المعادلة المعقدة.

وبموازاة الدول الحائزة فعليا للسلاح النووي، تقف عدد من دول آسيا والباسيفيك على العتبة النووية، بعد أن أضحت مالكة لكامل دورة الوقود النووي، ولديها من الخبرات والتطور العسكري ما يؤهلها لإنتاج القنبلة الذرية ووسائطها الناقلة، ويبقى القرار في هذا الشأن سياسيا وحسب.

ولا تبدو ثمة معضلة في هذه القضية حتى اليوم، إلا أن أول إنتاج كوري شمالي لرأس حربي نووي سيفجر بركانا ما زال خامدا في بيئة الأمن الآسيوي، وسوف تدخل هذه البيئة بالضرورة مرحلة إعادة التعريف الإستراتيجي، وستكون الأسرة الدولية برمتها معنية بهذا المتغير.

أول إنتاج كوري شمالي لرأس حربي نووي سيفجر بركانا ما زال خامدا في بيئة الأمن الآسيوي، وسوف تدخل هذه البيئة بالضرورة مرحلة إعادة التعريف الإستراتيجي

إن الأزمة الكورية الراهنة تقدم دليلا آخر على أن الانتشار النووي قد يخرج يوما عن نطاق السيطرة، على نحو مريع. وإذا ما ترافق ذلك مع توترات سياسية ظاهرة أو كامنة، وغياب لتوازن القوى على المستويات الإقليمية، أو فقدان كبير للردع المستقر، فإن الأمن الدولي سيغدو أمام منزلق خطير، بل إن مصير البشرية وأجيالها القادمة سيكون على كف عفريت.

ومن هنا، لا بد للعلماء والباحثين من بذل مزيد من السعي والجهد لبلورة مقاربة ناجزة لقضية الانتشار النووي، تجمع بين حق الدول في الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية، والحيلولة في الوقت نفسه دون إمكانية تسخيرها للأغراض العسكرية.

وقد حان الوقت للإقرار بأن معاداة حظر الانتشار النووي وملحقاتها لم تعد قادرة على تحقيق الهدف المرجو منها، ولا بد للأسرة الدولية من التقدم خطوات باتجاه إعادة صياغة هذه المعاهدة، أو إضافة المزيد من الوثائق والصكوك القانونية إليها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك