بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

تنشد العلاقات المدنية العسكرية ضبط وتأطير ملامح العلاقة بين القوات المسلحة من جانب ومؤسسات السلطة المدنية من جانب آخر، بحيث تحتفظ الأولى بحرفيتها العالية ووحدتها وتماسكها وكفاءتها كما كل المسوغات الموضوعية التي تكفل لها إبقاء مكانتها في الدولة بغير تعويق من الثانية، كما تتمكن تلك الأخيرة من مباشرة مهامها في حكم الدولة وإدارتها على النحو الأفضل من دون تدخل الأولى أو سعيها للتأثير في مجريات الأحداث على نحو يعرقل أو يقوض عملية التحول الهادئ صوب الحكم المدني الديمقراطي.

ورغم حرصها، الذي لا يقبل التشكيك، على مجافاة السياسة والتفرغ كلية للعمل الاحترافي، خصوصا بعد تجربتها المريرة في إدارة شؤون البلاد طيلة الثمانية عشر شهرا، الممتدة من تنحي الرئيس السابق حتى اختيار الدكتور محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الحديث نهاية يونيو/حزيران الماضي، استبدت بقيادة القوات المسلحة مخاوف من أن تفضي التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة لحالة الاستقطاب السياسي الحاد وأجواء عدم التوافق بين الفرقاء السياسيين إلى إمكانية انجراف الدولة المصرية إلى غياهب الفشل والانهيار. وهو ما قد يضطر الجيش للتدخل، حسبما حذر وزير الدفاع ورئيس الأركان.

فقد مهدت مواقف قوى الحكم والمعارضة عقب إحياء الذكرى الثانية لثورة يناير السبيل لاستدراج الجيش إلى معترك السياسة، إن من خلال مطالبة بعض القوى السياسية المدنية لإشراكه في الحوارات الوطنية ضامنا، أوعبر موافقة الحكومة على استدعاء الرئيس للجيش بعد خمسة أشهر فقط من إقالة المشير طنطاوي والفريق سامي عنان، وتمرير مشروع قانون لتعديل بعض أحكام القانون رقم 107 لسنة 2012 بهدف إشراك القوات المسلحة في حماية المنشآت الحيوية للدولة والأمن بمدن القناة ومنح رجالها مهام الضبطية القضائية وكل واجبات مأموري الضبط القضائي المقررة في قانون الإجراءات الجنائية.

خيم على العلاقة بين الرئاسة والجيش توتر لافت على خلفية ترويج شائعات بإقالات محتملة لكبار قادة القوات المسلحة وعلى رأسهم قائدها العام الفريق أول عبد الفتاح السيسي

حرب الشائعات
خيم على العلاقة بين الرئاسة والجيش توتر لافت على خلفية ترويج شائعات بإقالات محتملة لكبار قادة القوات المسلحة وعلى رأسهم قائدها العام الفريق أول عبد الفتاح السيسي. وهو الأمر الذي رد عليه مصدر عسكري وصف بالمسؤول، بأن القوات المسلحة لن تسمح بأي حال وتحت أي ظرف بتكرار سيناريو المشير طنطاوي والفريق سامي عنان، مؤكدا أن المساس بقيادة القوات المسلحة خلال الفترة الراهنة سيكون أشبه بحالة انتحار سياسي للنظام القائم برمته.

وقد تناغمت تلك التصريحات مع أخرى لكبار المسؤولين العسكريين، حيث لوح الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع والإنتاج الحربى في 29 يناير/كانون الثاني الماضي بإمكانية تدخل الجيش إذا ما عجز الفرقاء السياسيون عن التوافق للحيلولة دون انهيار الدولة، كما أكد في لقائه مع القادة والضباط بمقر نادي الجلاء يوم 14 فبراير/شباط الماضي، أنه لن يسمح أبدا بأخونة الجيش المصري وسيقطع أي ذراع تمتد لمحاولة النيل من هذا الجيش أو اختراقه، وقال إن جيش مصر سيبقى فقط منحازاً للشعب المصري، وإن وقف على مسافة واحدة من الجميع.

في السياق، جاءت تصريحات الفريق صدقي صبحي رئيس الأركان لفضائيات عربية، على هامش فعاليات مؤتمر ومعرض الدفاع الدولي إيدكس 2013 بأبو ظبى، والتي أضاف فيها أن القوات المسلحة عينها دائماً على الداخل، وإذا احتاجها الشعب ستكون في الشارع بأقل من الثانية.

الرئاسة من جانبها نفت من جانبها أية نية لتغيير قيادات القوات المسلحة مؤكدة تقديرها للفريق السيسي وتثمينها لموقفه أثناء نقل القيادة العامة للقوات المسلحة من المشير طنطاوي إليه، كما ردت قيادة الجيش في المقابل بالتبرؤ من أية بيانات تحذيرية من طرفها.

وبينما عزت الرئاسة أية شائعات بهذا الصدد إلى جهات مغرضة في الداخل والخارج تسعى إلى إرباك الجيش المصري والوقيعة بينه من جهة والإخوان والرئاسة من جهة أخرى، إلا أن تلك الشائعات قد أماطت اللثام عن وجود شيء من الحساسية بين الرئاسة والجيش، بدت ملامحها جلية في إبداء قيادات ذلك الأخير استعدادها للتدخل في الشأن الداخلي إذا ما استوجب الأمر أو ناشدها الجماهير، فضلا عن تأكيدها على التزامها الحياد تارة والانحياز للشعب وليس للشرعية تارة أخرى.

المؤامرة
في حين تصر كل من الرئاسة وجماعة الإخوان على أن مصدر الشائعات هو جهات خارجية وداخلية ترمى إلى تقويض الثورة والنيل من استقرار البلاد وتماسك جيشها، يذهب خبراء إلى الزعم بأن شائعات من هذا النوع غالبا تكون وراؤها جهات سيادية كالمخابرات العامة أو الحربية أو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان بغرض قياس ردود الفعل المختلفة والمتوقعة في حالة إقدام الرئيس على إصدار قرارات من هذا القبيل بالفعل.

وفي تبرير ذلك الطرح، مضى تيار آخر مدعيا أن ما دفع بتلك الدوائر لإطلاق هكذا شائعات كبالونات اختبار لقياس مدى التقبل العام للإطاحة بالفريق السيسي، هي حزمة من الأسباب، لعل أبرزها: بلاء الجيش بلاء حسنا في أزمة عصيان مدن القناة ونجاحه في ترميم علاقته بسكان تلك المدن كما بجموع الشعب في الوقت الذى اتسعت الفجوة بينهم وبين الرئاسة والإخوان والشرطة، إضافة إلى إصرار الجيش على تقويض أية مخططات لحركة حماس في سيناء حول التوطين وغيرها وإصراره على هدم الأنفاق الحدودية مع القطاع وتصفية العناصر المسلحة ذات الخلفيات الإسلامية في سيناء، فضلا عن إبداء الجيش رفضه لأي تقارب عسكري بين مصر وإيران بعد تصريحات مستفزة للرئيس نجاد إبان مشاركته في القمة الإسلامية الأخيرة بالقاهرة، باستعداد بلاده للدفاع عن مصر.

وربما لا يكون مستبعدا وجود مؤامرة خارجية لتفتيت الجيش المصري وكسر شوكته، خصوصا أنه الناجي الوحيد من مقصلة المؤامرات والصراعات السياسية والاضطرابات الاقتصادية والأمنية التي دهمت جيوش دول الربيع العربي. هذا علاوة على مساعي الفريق السيسي الدؤوبة لإعادة تحديث القوات المسلحة تسليحا وتدريبا من خلال عقد صفقات سلاح متطورة وإجراء مناورات عسكرية وتشديد الرقابة على حدود البلاد، وهي المساعي التي قد لا تروق لدوائر إقليمية ودولية عديدة تتربص بمصر وأمنها.

السيسي:
القوات المسلحة لديها معلومات مؤكدة عن مؤامرة تستهدفها، وسوف نتصدى لأي محاولة تستهدف تفتيت الجيش أو إلهائه عن أداء واجبه الوطني

وهو طرح يبدو أن وزير الدفاع المصري يتفق معه، حيث أكد في لقائه مع القادة والضباط بمقر نادي الجلاء يوم 14 فبراير/شباط الماضي على أن القوات المسلحة لديها معلومات مؤكدة عن مؤامرة تستهدفها، وأنه سوف يتصدى لأي محاولة تستهدف تفتيت الجيش أو إلهاءه عن أداء واجبه الوطني.

وبناء عليه، لم يكن غريبا أن تنسب شائعات إقالة الفريق السيسي وقيادات القوات المسلحة إلى مواقع إلكترونية وهمية تناقلتها عنها وسائل إعلام روسية، وفقا لتأكيد مصادر في الرئاسة. كما لم يكن مفاجئا أن تكون صحيفة "وورلد تريبيون" الأميركية هي مصدر الادعاءات الخاصة بمطالبة الرئيس مرسي القوات المسلحة بالتدخل لقمع المتظاهرين المناهضين له، وكذا وجود خلافات عميقة بين الرئيس وقيادات الجيش.

تسييس الجيش
كان من أبرز التداعيات اللافتة للأزمة المفتعلة بين الجيش والرئاسة أن مواقف قوى المعارضة المدنية منها بدت كما لو كانت منحازة للقوات المسلحة في مواجهة الرئاسة والإخوان، وكأنها تريد توظيفها في الصراع السياسي الدائر باستدراج الجيش لمساندة القوى المدنية في مواجهة الإخوان والتيار الإسلامي.

فبعدما لم تتورع جبهة الإنقاذ عن استحضار الجيش في المعادلة السياسية، سواء بذريعة ضمان تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، أو الإشراف على العملية الانتخابية، وفيما بدا وكأنه توافق حول تفسير تسريبات الجيش، اعتبرت قيادات جبهة الإنقاذ والقوى المدنية أن تصريحات المصادر العسكرية تعد إنذارا أخيرا لمؤسسة الرئاسة من احتكار السلطة أو أخونة الجيش. وإلى أبعد من ذلك، ذهب متحدثون باسم تلك القوى المدنية، إذ اجترأ بعضهم على الزعم بأن إزاحة قيادات الجيش للرئيس مرسي وتوليها السلطة ستقابل بتفهم من القوى المدنية التي تعد ذلك إنقاذا للدولة من الانهيار وليس محاولة لفرض الحكم العسكري.

ويبدو أن تزامن أزمة الشائعات مع تنامي التوتر بين جماعة الإخوان وحزب النور السلفي قد أغرى ذلك الأخير لتوظيف الشائعات في الأزمة، حيث أعلن بسام الزرقا، مستشار الرئيس مرسي المستقيل احتجاجا على إقالة زميله خالد علم الدين إن إقالة الفريق السيسي ستكون نهاية نظام الرئيس مرسي، لأن القوات المسلحة لن تسمح بإقالة وزير الدفاع أو أية قيادة عسكرية أخرى.

وعلاوة على ما سبق، من شأن فشل النخبة المدنية في إدارة البلاد في الوقت الذي تتعاظم ثقة الجماهير في الجيش، أن يزيد الطلب الشعبي على عودة الجيش للسياسة. وفي هذا الإطار، لم يتورع نشطاء عن إطلاق حملات شعبية وإلكترونية لمطالبة الفريق عبد الفتاح السيسي بتولي رئاسة الجمهورية لفترة رئاسية واحدة بغية إنقاذ البلاد في ظل الظروف العصيبة التي تعصف بها.

وأعلن هؤلاء النشطاء أن استطلاعات الرأي التي أجراها ائتلاف "مصر فوق الجميع" في محافظات شتى أظهرت أن 85% من المواطنين يريدون عودة الجيش للحياة السياسية، وهو ما استاءت منه جماعة الإخوان وعدته لعبا بالنار.

مخاطر
تكمن خطورة مساعي تسييس الجيش من قبل القوى المدنية المعارضة في مواضع ثلاثة، أولها، أنها تجعل القوات المسلحة طرفا في الصراع السياسي بغرض الاستقواء بها في مواجهة الصعود المدوي لتيار الإسلام السياسي.

الأمر الذي ينال من حيادها وتماسكها وحرفيتها، لا سيما بعد أن ضربت أمثلة رائعة في المهنية والمسؤولية الوطنية منذ اندلاع ثورة يناير 2011، كان أبرزها مساندتها للثورة، فضلا عن التصرف بمسؤولية أثناء عملية التغيير الناعم لقيادات الجيش بإحالة المشير طنطاوي والفريق سامي عنان إلى التقاعد في أغسطس/آب الماضي.

ويتمثل الخطر الثاني في تفخيخ العلاقة بين القوات المسلحة وفصائل من الشعب كجماعة الإخوان أو مؤسسة الرئاسة، على النحو الذي ينذر بتآكل التفاهم المزمن بين الأخيرة والجيش، والذي كان مستندا ليس فقط على اعتبارات دستورية وإنما على كون رئيس الدولة ينحدر من المؤسسة العسكرية طيلة ما يربو على عقود ستة خلت.

واليوم وبعد فك الارتباط بين قيادة القوات المسلحة ورئاسة الدولة بتولي رئيس مدني منتخب قيادة البلاد للمرة الأولى، لم يتبق سوى الركائز الدستورية للعلاقة التفاهمية بين الرئيس والقائد العام للقوات المسلحة.

أول مخاطر مساعي المعارضة لتسييس الجيش أنها تجعله طرفا في الصراع السياسي بغرض الاستقواء به في مواجهة الصعود المدوي لتيار الإسلام السياسي

ومن شأن مثل هذه الشائعات والتوترات أن تفضي إلى تلغيم تلك الركائز التي لم تتجذر بالعمق الكافي لترسيخ دعائم تلك العلاقة في دولة حديثة العهد بالحكم المدني الديمقراطي. وليس أدل على اهتزاز الثقة بين الرئاسة وقيادة القوات المسلحة من تعثر التواصل والحوار المباشرين بين الطرفين، حيث انطلقت حرب التصريحات والشائعات الاستفزازية بينهما عبر أطراف مجهولة وغير محسوبة صراحة على أي منهما، أو هكذا بدت، وبنفس الأسلوب، جاء التراجع عن ذات التصريحات والشائعات من دون أن يخرج مسؤولون رسميون من الجهتين يوضحون الحقيقة بغير التباس.

أما الخطر الثالث، فيتجلى في تسلل أجواء من الإحباط والتذمر إلى صفوف القوات المسلحة، إذ أشار مصدر عسكري مسؤول إلى وجود حالة من السخط بين القادة والضباط في مختلف التشكيلات التعبوية جراء شائعات تغيير قيادات الجيش التي يتضامنون معها ويرفضون الإطاحة بها.

ولفت المصدر نفسه إلى وجود عدد من الصفحات العسكرية على مواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تدعو للاحتشاد والعصيان والإضرابات داخل معسكرات الجيش ووحداته للمرة الأولى في تاريخ العسكرية المصرية حال تعرض رموز القوات المسلحة لإقالات، وحذر من أن غضب شباب الضباط لن يستطيع أحد السيطرة عليه كما لن تكون عواقبه محمودة على الإطلاق.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك