عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني

 


الجبهات المرشحة
مبادرة أم ماذا؟
الاستعداد العسكري

تعيش المنطقة أجواء من التوتر والتوتير المتلاحق بصورة مكثفة، لا يهدأ في عاصمة حتى ينشب في عاصمة أخرى، وتبرز تل أبيب البؤرة الأكثر طلباً وافتعالاً للمواجهة القادمة، سواء كان ذلك بالمبادرة أم بدفع أطراف أخرى لافتعالها.

الجبهات المرشحة
تنظر إسرائيل في "خريطة الحرب القادمة"، وتجري ما يمكن أن يسمى "مفاضلة" بين هذه الجبهة أو تلك، أيها الأقل كلفة والأكثر جدوى في آن معاً، وربما تبرز ساحات: غزة، بيروت، أو دمشق، الأكثر ترجيحاً لذهاب الجيش الإسرائيلي نحو أي منها، في ضوء أن طهران جبهة من "العيار الثقيل" قد لا تقوى تل أبيب عليها وحدها، فضلاً عن حاجتها الضرورية والملحة للموافقة الأميركية، بل والمشاركة فيها.

الوضع الداخلي الفلسطيني قد لا يشجع على الذهاب نحو مواجهة عسكرية مع إسرائيل، بسبب جهود المصالحة، فضلاً عن عدم رغبة الأخيرة في إغضاب مصر، وبالتالي تتجه الأنظار نحو دمشق وبيروت شمالاً

ولئن كانت غزة لم تستفق بعد من الحرب الأخيرة، وإسرائيل تشعر بأنها خرجت بمعادلة مقبولة نسبياً، تقضي بتهدئة متبادلة مع الفلسطينيين، رغم ما تلقته من ضربات موجعة ومؤلمة لم تتوقعها، كما أن الوضع الداخلي الفلسطيني قد لا يشجع على الذهاب نحو مواجهة عسكرية مع إسرائيل بسبب جهود المصالحة، فضلاً عن عدم رغبة الأخيرة في إغضاب مصر التي وصلت معها إلى ما قيل إنه اتفاق "جنتلمان" عقب الحرب الأخيرة.

وبالتالي تتجه الأنظار نحو دمشق وبيروت شمالاً، في ظل ما تقول تل أبيب إنه مساعدات تسلحية تواصل طهران إرسالها إلى العاصمتين، لرغبة هذا المحور في إقامة توازن إستراتيجي وعمليات ميدانية نظامية، بغية امتلاكهما قدرات هجومية، لمواجهة جنود الجيش الإسرائيلي بكفاءة عالية إذا ما وقعت المواجهة المفترضة.

كما يعمل الإيرانيون في الأشهر الأخيرة على إمداد حلفائهم في لبنان وسوريا بمضادات للطيران، وأدوات هجومية للسفن الحربية وقوات المشاة، لرفع قدرتهم على وقف أي تقدم ميداني للجيش الإسرائيلي داخل أراضيهم، وفي الوقت ذاته تعمل على تسليح حزب الله لدرجة أن يمتلك القدرات العسكرية التالية:

1- صواريخ أرض/أرض تستطيع الوصول إلى مفاعل ديمونة جنوب إسرائيل، من خلال صواريخ "فجر 5" التي تمتلك أبعادا تصل 350 كم، وصواريخ "فتح" مطورة، ذات أبعاد 250 كم، وهي صواريخ دقيقة، وذات رؤوس متفجرة بوزن 500 كغم، ولها القدرة على حمل رؤوس كيمائية، وبيولوجية، ونووية.

2- إيران قامت بتدريب وتأهيل 5 وحدات كوماندوز عسكرية، مهمتها الأولى اجتياح مناطق شمال إسرائيل وقت اندلاع الحرب، واحتلال مدن وقرى كاملة، أو على الأقل أجزاء منها، مما سيضطر الجيش الإسرائيلي للعودة أدراجه، والانسحاب من الأراضي اللبنانية.

3- بناء قدرات جوية، وإنهاء وحدات عسكرية تدريباتها على استخدام صواريخ أرض/جو ضد الطائرات الحربية، تخوفا من إقدام إسرائيل على استهداف ناقلات الأسلحة من الحدود اللبنانية السورية، كما حصل في القصف الأخير لمنطقة "جمرايا" على الحدود اللبنانية، حيث توجد قواعد عسكرية سورية بالقرب من الحدود.

4- إقامة ذراع دفاعي تحسبا لاندلاع حرب مفاجئة، مخصصة بالدرجة الأولى لاستهداف سلاح البحرية الإسرائيلي الذي قد يستخدم قطعه البحرية للوصول إلى السواحل اللبنانية، من خلال تزويده بصواريخ مضادة للسفن، قادرة على استهداف السفن الحربية في عرض البحر.

5- الإمداد بمهندسين عسكريين، لإعداد قواعد دفاعية ضد الدبابات، على طول الطرق الفاصلة السريعة في قلب الأراضي اللبنانية المستهدفة من قبل الجيش الإسرائيلي، بجانب تأهيل شبكة الاتصالات اللازمة للاستخدام وقت الحرب.

وفي الوقت الذي شهدت فيه الجبهة الشمالية هدوءا خلال السنوات السبع الأخيرة، رغم تزايد الحديث عن التوتر وإمكانية تدهور الأوضاع فيها، فإن الجانبين يعدان نفسيهما للحرب القادمة، ليظهر أحدهما بصورة المنتصر فيها من خلال القيام بهجمات صاروخية مدمرة، لأنهما يدركان جيداً أن ضربهما بصواريخ لها قدرة تفجيرية ودقة عالية سيلحق الضرر الكبير بجمهوريهما، ويمكن توجيه ضربات صاروخية لمواقع حساسة فيهما وإلحاق الضرر بها.

مبادرة أم ماذا؟
ما إن توقف هدير الدبابات وأزيز الطائرات في أجواء غزة، حتى خرجت قناعات إسرائيلية في مختلف الأوساط السياسية والعسكرية والأمنية، تجمع على أنها كانت حربا "واجبة الوقوع"، لأن حماس عرضت إسرائيل وجيشها عارييْن، عديميْ الوسيلة، يجدان صعوبة في الرد، ويفقدان على نحو شبه تام قدرتهما على الردع، ولا يمكن لأي دولة السماح بوضع كهذا، وأن يظهر رئيس الوزراء ووزير الحرب -خاصة عشية الانتخابات- كأنهما غير قادريْن وواهنيْن وعديميْ الحيلة.

ما أراده عبد الناصر بإسرائيل وفعله صدام، نجح فيه الفلسطينيون، وتغلبوا على العزلة، وأحسنوا بالاعتماد على حلفهم، وفي المنافسة الداخلية بين أعداء إسرائيل حطموا الرقم القياسي لحزب الله في 2006

وهنا يطرح السؤال من جديد: هل تبادر إسرائيل إلى المواجهة القادمة مع الجبهات السابقة الذكر، أم سيضطر صناع القرار في العواصم المجاورة لاتخاذ زمام المبادرة؟ في ضوء أن حرب نتنياهو الأخيرة جرت في غزة وفي الشتاء، بعد انقضاء تصعيد زاحف مشحون بالقذائف الصاروخية التي سقطت على بلدات الجنوب، وحدثت عشية انتخابات الكنيست، مما يعني أنها كانت عملية عسكرية واسعة في توقيت سياسي حساس! وأن الحرب الأخيرة ليست سوى مجرد فصل آخر في الكتاب الدموي الذي لم يعد أحد يتذكر بدايته، أما نهايته فلا يراها أحد بعد، لأنها حرب لا نهاية لها!

وقبلها، فإن حرب لبنان الأخيرة لم تحل المشكلة حلا كاملا، فلم يعقبها اتفاق سلام ولا هدنة، بل إحراز ردع لبضع سنوات، منح سكان البلدات في الشمال هدوءا نسبياً، لأن الطريق لإحراز الأهداف الواقعية طويلة، وستكون أيام مد وجزر؛ وأيام حيرة طويلة، وستنشأ مشكلات سياسية صعبة في الشرق الأوسط؛ وصواريخ "غراد وفجر" تصيب أهدافها شمال ووسط إسرائيل.

وفي هذه الحالة، تنتصر القوى المعادية لإسرائيل بأن تكون في الوعي العربي "رواية نجاح"، وكأنها كانت قادرة في المعركة مع إسرائيل وجيشها، ولذلك فإن الكلام عن قوة الجيش، والأحاديث التحليلية عن إنجازاته في المعركة لا تردعها، لأن حربها ليست ضده بالأساس، بل لنقطة ضعف الدولة، وهم المستوطنون في بيوتهم والطلاب في مدارسهم، وهذه الحرب بالنسبة لها بسيطة ورخيصة.

ولذلك ترى إسرائيل أهمية ألا تعطي تلك القوى شعورا بأنها قد تخرج من المعركة القادمة بـ"صورة انتصار"، وإلا انتظرتها معركة أشد بأضعاف قد تكون في المستقبل القريب، وهو ما يتطلب التأليف بين هيئة القيادة العامة وشعبة الاستخبارات العسكرية وقيادتيْ الجنوب والشمال وسلاح الجو والشاباك، خشية من "نجاح العملية الجراحية"، وموت أشياء أخرى!

القناعة الإسرائيلية السائدة تؤكد أنه في المرة التالية سيأتي العدو أقوى مما كان وقادراً على إطلاق الصواريخ لمدى أبعد، وفي كل عملية تعمل إسرائيل على رد العداد إلى الصفر، وإلى أن تأتي "العملية القادمة" يرتفع السعر، في إشارة للتحذير من الاستهانة بإطلاق صواريخ على تل أبيب والقدس، لأنه منذ 1948 لم تنجح أية دولة عربية -سوى العراق في 1991- أو لم تتجرأ على فعل ما فعلته حماس، وبقيت تل أبيب -رغم تعرضها للهجمات الجوية والمدفعية وللتهديدات بإطلاق الصواريخ- رمزاً لدولة اليهود المنيعة!

وما أراده عبد الناصر وفعله صدام، نجح فيه الفلسطينيون، فتغلبوا على العزلة، وأحسنوا الاعتماد على حلفهم، وفي المنافسة الداخلية بين أعداء إسرائيل حطموا الرقم القياسي لحزب الله في 2006، مؤكدين في الوقت ذاته أنه لا يهم هل سقط الصاروخ الفلسطيني في البحر أو في تل أبيب، لأن الحاجز الوهمي تم اختراقه؛ وفي حرب الاستنزاف يولى العامل النفسي أهمية كبيرة، مما يعني أنه بات يوجد في نظر الفلسطينيين وأنصارهم ما يتوقعونه، وهو زيادة الدقة وتطوير منظومات السلاح وصناعة رؤوس صواريخ أشد فتكاً.

الاستعداد العسكري
هذا التقدير الإسرائيلي السائد بترقب حرب قادمة يستوجب من قيادة الجيش والأجهزة العملياتية فيه الارتكاز على نيران دقيقة، وصواريخ من البر، وفي الوقت نفسه استخدام عشرات الآلاف من الذخائر، لأن الهدف هو الإضرار بمنظومة النار الخاصة بالعدو، وبمواقع السيطرة التابعة له، وببنيته التحتية الأساسية التي تدعمه بصورة مكثفة جداً، مما يعني أن الجيش يعمل حثيثاً على تطوير قدراته المختلفة في تعامله مع التهديدات الأمنية المحيطة به.

ومن جملة الأمور المطلوب إسرائيلياً إحداث تطور نوعي فيها قدرات سلاح البحر، وتطوير تشكيل القذائف الصاروخية البرية القادرة على التعامل مع أهداف محصنة معقدة، والتواصل بين الجنود من تشكيلات مختلفة في ميدان القتال، فضلاً عن كون الاستخبارات باتت العنصر الرائد الذي يشكل بداية الطريق، لأن التواصل التكتيكي يعتبر من القدرات البالغة الأهمية التي يطورها الجيش اليوم.

كما أن جندي سلاح المشاة يمكنه التوجه للمروحية الموجودة فوقه، والتحدث إليها، وإفادتها بالمعطيات، ووفقًا لذلك تقفل المروحية دائرة نار بشكل سريع جدًا، نحن نتحدث عن مجال كان معقدًا كثيرًا حتى اليوم، والآن أصبح أسهل.

الساحة البحرية باتت إحدى المحطات المركزية في تطوير قدرات النار الجديدة في الجيش الإسرائيلي، فسلاح البحر مجال يبقى مفتوحًا، بدون قرى وتهديدات قريبة

وتمكن الإشارة إلى أن الساحة البحرية باتت إحدى المحطات المركزية في تطوير قدرات النار الجديدة في الجيش الإسرائيلي، فسلاح البحر مجال يبقى مفتوحًا، بدون قرى وتهديدات قريبة، ويدرس طرقاً جديدة لاستغلاله للمساندة في القتال البري، عبر تشغيل نيران دقيقة، ومنظومات اعتبرت حتى اليوم تابعة للبر كالطائرات غير المأهولة.

كما أن اتجاهات التطوير هذه تأتي على خلفية بدائل أساسية تمر بها ساحات القتال في المواجهات القادمة، ومنها التغيرات المركزية، التي ستؤثر على كل ساحة، ومن جملة الأمور التركيز على النظريات الدفاعية للعدو، كفهم الفجوة التكنولوجية الكبيرة الموجودة، ودراسة التركيز على قوة النار نحو الجبهة الداخلية.

أخيراً.. لم يكن مفاجئاً مطالبة نائب رئيس هيئة الأركان الجيش الإسرائيلي بتحديث توجهات التطوير المركزية لدى الجيش، من خلال تفعيل قوته بما يتلاءم والتغيرات التي وصفها بـ"جولة العنف المعقدة" في الشرق الأوسط، من خلال تقليص مدى الحرب قدر الممكن بسبب الهجمات على الجبهة الداخلية، مما يتطلب توجيه ضربة نارية أولى تصل كل المستويات، وتكون قادرة على جلب الحسم تقريباً، وكل ذلك يعني صعوبة تحديد الرابح من الخاسر في المواجهة الإسرائيلية القادمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك